تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 21 / ذو الحجة / 1440 - 22 / أغسطس 2019
(12- ا) المقدمة الثانية في تفسير معاني اللغات حرف الهمزة من قوله أليم إلى قوله إفك
تاريخ النشر: ٠٩ / محرّم / ١٤٣٦
التحميل: 3544
مرات الإستماع: 2072

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير التسهيل لابن جُزي

معاني اللغات (الغريب)

(12- أ) المقدمة الثانية في تفسير معاني اللغات: حرف الهمزة: من قوله: أليم إلى قوله: إفك

 

تنبيه قبل ما نبدأ: هناك كلمة مضت في صفحة: [116] في: الأثر، قال -رحمه الله تعالى-: أثرُ الشيء: بقيته، وأمارته، وجمعه: آثار، والأثر أيضاً: الحديث، وأثارة من علم: بقية، وأثاروا الأرض: حرثوها، قال: وأثَرَ الرجلُ، هي: وآثَرَ، وهكذا هي في النسخة الإماراتية: وآثرَ الرجلُ الشيءَ يؤثره: فضَّله، فهي: آثر الشيء يؤثره، وهي في تاج العروس: "وآثر: اختار وفضَّل، وقدَّم، وفي التنزيل: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا يوسف: 91"([1])، يعني: فضلك واختارك، على كل حال: الفروقات يسيرة بين النسختين، لكن أحياناً تأتي بعض الكلمات تكون الفروق مهمة، يَحسُن أن يُقرأ الدرس في البداية، اقرءوه قبل ما تأتون، ثم تكتب ما تحتاج من الفوائد، ثم بعد ذلك تراجع، فبهذه الطريق تضبط العلم، وتستفيد، ولا يكون حظ الإنسان من الدرس هو مجرد ما يكون في حضوره فقط، فإن مثل هذا لا يثبت في الأذهان، هذه الطريقة الصحيحة: اقرأ الدرس من نفس الكتاب، وتأمل فيه، واضبط مثل هذه الأشياء في الغريب، هذا في غاية الأهمية، ولا أعلم إلى ساعتي هذه أن كتاباً في الغريب يُدرَّس، أو دُرِّس، يعني: قد تُدرَس كتب في التفسير، لكن في الغريب لا أعلمه، فهذا بمنزلة كتاب في الغريب، فجيد أن يُضبط، وقد تأتي رسالة في مضمون ذلك، وهي أن تحرير الغريب ليس بالشيء السهل، أنا لا أستطيع أن أكتب كتاباً في الغريب غريب القرآن، لا أستطيع، هذا يحتاج إلى تحرير، ويتوقف القلم؛ لأن الكلمة تحتمل معانيَ، وكلام المفسرين، وكلام أهل اللغة، فحينما تريد أن تحرر العبارة فيها بما تدل عليه حقيقة، وتجمع أقوال السلف فيها، تحتاج إلى وقت طويل في الكلمة الواحدة، لذلك لا غرابة أن يبقى السجستاني -رحمه الله- في كتابه الغريب خمس عشرة سنة، وهو عالم في اللغة والتفسير، ويقرأ هذا الكتاب على شيخه ابن الأنباري؛ ولذلك حينما يُسأل الإنسان عن الغريب: أي كتاب نقرأ؟ يصعب التحديد؛ لأننا نريد عبارات جامعة لأقوال السلف.

إذن: الصواب في الكلمة هذه أن يُقال: آثر، وليس أثَر.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ولشيخنا، والحاضرين، والمستمعين، أما بعد:

فيقول الإمام ابن جُزي الكلبي -رحمه الله تعالى-: أليم: مؤلم، أي: موجع، ومنه: تَأْلَمُونَ النساء: 104.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله: أليم، قال: "مؤلم، أي: موجع"، هذه المادة تدور حول هذا المعنى، ليس لها معنى آخر، الألم بمعنى: الوجع، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ هود: 48، أي: عذاب موجع، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ يعني: تتوجعون، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ يتوجعون، كَمَا تَأْلَمُونَ النساء: 104، وهكذا في جميع المواضع، فهي تدور على هذا الأصل الواحد في المعنى.

قال -رحمه الله تعالى-: إمام: له أربعة معانٍ: القدوة، والكتاب، والطريق، وجمع أَمٍّ، أي: تابع، ومنه: لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا الفرقان: 74.

هذه المعاني التي ذكرها للإمام، وهي: أربعة معانٍ، هذا الذي يقولون له: الوجوه والنظائر، على اختلاف بينهم في التفاصيل، فالإمام يقول: يرجع إلى أربعة معانٍ: القدوة، والكتاب، والطريق ... إلى آخر ما قال، وهو في الواقع يرجع إلى أصل واحد في المعنى، يتفرع من هذا الأصل معانٍ، فأصل كل شيء يقال له: أُم، ومن ثَمَّ لو أنك تأملت جميع هذه المعاني التي تذكر لهذه المادة، فإنها تتفرع من هذا المعنى الأصل، ومن هنا يقال لعلَم الجيش: أُم، ويقال عند البعض: أمُّ اللواء للرمح الذي يكون عليه

 

فأصل كل شيء يقال له: أُم، ومن ثَمَّ لو أنك تأملت جميع هذه المعاني التي تذكر لهذه المادة، فإنها تتفرع من هذا المعنى الأصل، ومن هنا يقال لعلَم الجيش: أُم، ويقال عند البعض: أمُّ اللواء للرمح الذي يكون عليه

 

، ويُلف عليه العلم، سواء على قول هؤلاء، أو هؤلاء، فإن العلم يجتمع حوله الجيش، أو الجند، فهو الأصل الذي يجتمعون عليه، وينضمون إليه، وكذلك أيضاً إذا قيل: إنه الرمح مثلاً الذي يُلف عليه هذا اللواء، أو العلم، أُمّ اللواء، يعني: الرمح مثلاً، فإنه يُجمع عليه، ويُلف عليه، وكذلك أيضاً يقال لكبير القوم، ومقدم القوم، ورئيس القوم، هو: أُمهم؛ لكونه الأصل الذي يرجعون إليه، ويصدرون عن رأيه، فهذا إذا فُهم وضُبط فبعد ذلك انظر إلى كافة الاستعمالات حينما يقال ذلك، بمعنى: الجماعة، يقال لها: أُمّة، فالجماعة يقال لها: أُمّة، والدين يقال له أيضاً: أُمّة، كما قال الشاعر:

حلفتُ فلم أترك لنفسِكَ ريبةً *** وهل يأثمنْ ذو أمَّةٍ وهو طائعُ

يعني: هل يأثمنْ ذو دين وهو طائع؟ فهذه المعاني متقاربة.

ويقال أيضاً للقامة، كما يقول ابن فارس: يقال:

وإنّ معاويةَ الأكرمِينَ *** حِسانُ الوجوهِ طوال الأُمَمْ

يعني: القامة.

وهكذا أيضاً يقال للحين والمدة: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ هود: 8، يعني: المدة، والحين، والزمن.

وأيضا يقال للأُم، يعني: الوالدة، وتُجمع على أُمهات، ويقال: أُمّات أيضاً، فهذه المعاني تتقارب، والله تعالى أعلم.

انظر إلى الاستعمالات في كتاب الله -تبارك وتعالى-: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ البقرة: 128، هذا بأي معنى؟ بمعنى: الجماعة، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ البقرة: 134أيضاً الجماعة، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا البقرة: 143بمعنى: الجماعة، وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ يس: 12، الإمام يعني: الأصل، وهو الكتاب الجامع الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء فِي إِمَامٍ مُبِينٍ، وكذلك أيضاً: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ الحجر: 79، الإمام المبين يعني: الطريق، قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا البقرة: 124يعني: القدوة، أو الرجل الجامع لخصال الخير، أو الذي اجتمعت فيه أوصاف الكمال التي تفرقت في غيره، كما يقول بعضهم، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا الفرقان: 74، ليس هذا طلباً للرئاسة، وإنما المقصود: الإمامة في الدين،قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي البقرة: 124يعني: اجعل أئمة، قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي البقرة: 124يعني: بالإمامة، الإمامة في الدين، أي: يكون قدوة، متبوعاً في الخير، لا يكون ذلك للظالمين، {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 17] يعني: الكتاب الذي يُتَّبَع، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا الفرقان: 74، كما سبق، فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ التوبة: 12يعني: هؤلاء الكبراء الذين يقتدي بهم الأتباع، وهكذا.

ويقال أيضاً للقصد: أَمَّ، فالأَمّ بمعنى: القصد، كقولك: تأمّمتُ فلاناً أي: قصدتُه، وأم القرى، بأي اعتبار؟ باعتبار أنها الأصل.

قال -رحمه الله تعالى-: أمّة: لها أربعة معانٍ: الجماعة من الناس، والدين، والحين، والإمام، أي: القدوة.

أُمي: لا يقرأ ولا يكتب؛ ولذلك وُصِفَ العرب بالأميين.

أُم: لها معنيان: الوالدة، والأصل، وأم القرى: مكة.

الأُمة يرتبط معناها بما سبق، الكلام على الإمام كما ذكرتُ، فذكر هنا: الجماعة، والدين، والحين ... إلى آخره، وكما سبق أن ذلك يرجع إلى هذا المعنى: الأصل، أو المرجع، كما يقال للجماعة والدين، فهذه كلها متقاربة، وقد مضت الأمثلة على هذا، والله أعلم.

الآن فيما يتعلق بهذه اللفظة بعينها: أُمَّة، كل ذلك كما سبق في قوله مثلاً: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً البقرة: 213يعني: جماعة مجتمعة على دين، لكن قد لا تكون مجتمعة على دين، كقوله: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ القصص: 23، وأما قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِآل عمران: 110، فهذه جماعة مجتمعة على دين، إلى غير ذلك، لكن وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الأعراف: 164يعني: جماعة منهم، وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ يوسف: 45، يعني: بعد مدة من الزمن، إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ الزخرف: 22يعني: على ملة ودين.

ثم ذكر الأُمي، وهو يرتبط بما سبق أيضاً من أصل المادة: أَمَمَ، فالأمي قال: هو: "الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ ولذلك وُصف العرب بالأُميين"، الآن لو نظرنا إلى معنى الأصل، فإنه باعتبار أن الأُمي منسوب إلى الأم، يعني: كأنه على الأصل حينما وُجد، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا النحل: 78، فإذا قيل: أُمي، فكأنه منسوب إلى الأم، حيث خرج من بطن أمه لا علم له، فهذا أُمي، ليس له معرفة بالعلم، وذلك وإنْ كان يقال للذي لا يقرأ ولا يكتب -وبعضهم يقول غير ذلك- إلا أن هذا أيضاً يكون كما سبق يعني: من النسبة إلى الأم؛ لأنه خرج من بطن أمه وهو لا يقرأ ولا يكتب، لا علم له، فتعلم هذه الكتابة والقراءة، كما أن الكتابة والقراءة هي: من وسائل التحصيل -تحصيل العلم-، قال الله -تعالى-: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ البقرة: 78، أُمِّيُّونَ هو بهذا المعنى،لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ فيه قولان مشهوران:

الأول: إلا قراءةً، وهذا ذكره بعض المفسرين، واختاره شيخ الإسلام -رحمه الله-، وجمع من المحققين، وهذا يؤكد هذا المعنى الذي هو النسبة إلى الأم: الجهل، لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ البقرة: 78، مع أن المعنى هنا: قراءة، يعني: يعرفون القراءة، لكنهم جهلة، لا يعرفون المعنى، لا بَصَر لهم بمعانيه، ومضامينه، إنما يقرءونه قراءة مجردة.

والقول الآخر -وهو أشهر من هذا-: وهو أن المقصود: لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ البقرة: 78يعني: أنه استثناء منقطع: يتمنون أمانِيَ، لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً البقرة: 80، ونحو ذلك، فهو من: الأُمْنِيَة، والأول من: الأُمْنِيَّة: القراءة، كقول الشاعر:

تمنَّى كتابَ اللهِ أولَّ ليلِه *** وآخرَه لاقى حِمامَ المقادرِ

وهذا البيت قيل في عثمان ، بمعنى: قرأ، وقال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ آل عمران: 75، هذا يقال للعرب، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الجمعة: 2، فكانوا يُعرفون بهذا، ووجود أفراد يعرفون القراءة والكتابة من العرب لا يؤثر في الحكم العام، وهذا لا يرفع هذا الوصف عنهم، ولو فشت فيهم الكتابة، باعتبار أن هذا الوصف أعلق بهم من غيرهم، وعُرفوا به، والنبي ﷺ قال: (إنا أمّة أُميّة)([2])، والله تعالى قال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الأعراف: 158، وغير ذلك من الآيات.

على كل حال: يقول: الأم: لها معنيان: الوالدة، والأصل، لكن عند التأمل: أليست الوالدة هي الأصل للإنسان؟ هي: الأصل، فهذا يرجع إلى معنى واحد، لكن هو هنا أراد أن يوضح لك المعنى في كل موضع بحسبه في كتاب الله -تبارك وتعالى-، لا أصل المعنى، فقوله -تبارك وتعالى-: فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا القصص: 13هذه الوالدة، وكذا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ لقمان: 14، ونحو ذلك، لكن وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ الزخرف: 4يعني: اللوح المحفوظ.

وهكذا أم القرى، كما سبق في الكلام على أصل المادة، فكل هذا يرتبط بما سبق: الأصل، والمرجع، ونحو ذلك مما يقاربه، والله تعالى أعلم، وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا القصص: 59يعني: في القرية الجامعة، والمدينة الجامعة، والعاصمة لهذه القرى، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا الأنعام: 92.

وأما في قوله -تبارك وتعالى-: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ القارعة: 9فهل هذه هي الوالدة، أو يقال: هذا هو الأصل؟

بعضهم فسر قوله: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ القارعة: 9فقال: الهاوية النار، كما جاء عن بعض السلف، كابن زيد، يعني أن النار هي أمه، يعني التي يرجع إليها، ويصير إليها، ومأواه إليها، مأواه النار، أمه النار، أمه هاوية التي هي النار، يأوي إليها، ويصير إليها، مصيره إلى النار.

وبعضهم يقول: قوله: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ القارعة: 9، المقصود بالأم: أم الرأس، يعني: أنه يخر في النار على أم رأسه، يعني: الذي يهوي بالنار ما هو؟ ناصيته، أم رأسه، يخر على رأسه، يخر على أم رأسه، فسواء كان هذا أو هذا، فإذا قيل ذلك باعتبار أن أمه هي: أم الرأس، فهي جامعته، وهي التي تجمعه، وهي أصله، وكذلك أيضاً إذا قيل: النار هي الهاوية، فإن ذلك يعني أنها هي المرجع الذي يصير إليه، ويأوي إليه، والله أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: أُخرى: مؤنثة آخَر وأُخَر.

يقول: الأُخرى: مؤنثة آخَر وأُخَر، هذه المادة ترجع إلى معنى واحد، وهو خلاف التقدم، التأخر: خلاف التقدم، كقوله: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى الأنعام: 19، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الأنعام: 164، فالآخِر نقيض: المتقدم، وكذلك الأُخُر نقيض: القُدُم.

قال -رحمه الله تعالى-: آل: له معنيان: الأهل، ومنه:آلَ لُوطٍ الحجر: 59، والأتباع والجنود، ومنه: آلِ فِرْعَوْنَ البقرة: 49.

الآل يقال لكل من رَجَع، فهو: اسم لكل من رجع إلى معتمَد عليه فيما رجع عليه فيه، فتارة يكون هذا باعتبار الرجوع من ناحية النسب، وتارك يكون ذلك من جهة السبب، فحينما نقول: آلَ يعني: رَجعَ، وقد يكون أيضاً بمعنى: صار، تقول: آلَ الطين خزفاً، بمعنى: صار.

ومن ثَمَّ فإن شيخ الإسلام -رحمه الله- حينما يتحدث عن هذه المادة فإنه يذكر ويشير إلى معنى: الأَوْل، والتأويل، بمعنى: الرجوع، ويذكر شيخ الإسلام -رحمه الله-: أن لفظ آل فلان إذا جاء في الكتاب والسنة فإنه يدخل فيه ذلك الشخص، وهذا يُحتاج إليه في معرفة من هم آل النبي ﷺ، فحينما يقال: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ غافر: 46، فمن المقصود بهذا، ونحو ذلك؟ هل المقصود بذلك هو الشخص نفسه، أو المقصود الأهل، أو المقصود الأتباع -من يتبعونه-؟ فشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: آل فلان، إذا جاء في الكتاب والسنة يدخل فيه ذلك الشخص، كقوله -تعالى- في الملائكة الذين ضافوا إبراهيم ﷺ، قال الله عن قيلهم: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ الحجر: 58-60، ثم قال: فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ الحجر:61، قَالَ -يعني لوطاً ﷺ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ الحجر: 62، وهكذا في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: 34]، ثم قال: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ القمر: 41، يقول: ومعلوم أن لوطاً في هذه المواضع داخل، وكذلك فرعونُ داخل في آل فرعون، والمكذبون المأخوذون، ففي آل لوط يدخل لوط -عليه الصلاة والسلام- في ذلك.

كذلك الحافظ ابن القيم -رحمه الله- فصل في هذه المادة، وهذا يُحتاج إليه، لاسيما فيما يتصل بآل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، فذكر الحافظ ابن القيم -رحمه الله- قولين في معنى الآل واشتقاقه:

الأول: أن أصله أهل، ثم قلبت الهاء همزة، ثم سُهِّلت على قياس أمثالها، فقيل: آل، قال: ولهذا إذا صُغر رجع إلى أصله، فيقال: أُهَيل، قال: ولما كان فرعاً عن فرعٍ خصوه ببعض الأسماء المضاف إليها، فلم يضيفوه إلى أسماء الزمان، ولا المكان، ولا غير الأعلام، فلا يقولون: آل رجل، آل امرأة، ولا يضيفونه إلى مضمر، فلا يقال: آلي، بل لا يضاف إلا إلى معظَّم.

فابن القيم ذكر هذا القول وهو: الأول، ثم ضعفه من وجوه: باعتبار: أنه لا دليل عليه، وباعتبار: أنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب، مع مخالفة الأصل، ثم بين أن الأهل تُضاف إلى العاقل، وغير العاقل، والآل لا تُضاف إلا إلى عاقل، وكذلك أيضاً أن الأهل تُضاف إلى العلَم، والنكرة، والآل لا يُضاف إلا إلى مُعظَّم من شأنه أن غيره يئول إليه، كذلك باعتبار: أن الأهل تُضاف إلى الظاهر، والمُضمر، والآل من النحاة من منع إضافته إلى المضمر، ومَن جوزها فهي شاذة قليلة، وذكر من الفروقات أيضاً: أن الرجل حيث أُضيف إلى آله دخل فيه، كما ذكرنا في قوله -تعالى-: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ غافر: 46، وأن قول النبي ﷺ: (اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)([3])، لا شك أن أبا أوفى مقصود بذلك، هذا إذا أُضيف إليه، ولم يُذكر معه من أُضيف إليه الآل، وأما إذا ذُكر معه يقول: فقد يقال: ذُكر مفرداً، وداخلاً في الآل، وقد يقال: في ذكره مفرداً أغنى عن ذكره مضافاً، يقول: والأهل بخلاف ذلك، فإذا قلت: جاء أهل زيد، لم يدخل فيهم.

على كل حال: ابن القيم يرد على أصحاب القول الأول الذين قالوا: إن آل بمعنى: أهل.

ثم ذكر القول الثاني: أن أصله أَوْل، وهذا الذي ذكره صاحب الصحاح، وقال: وآلُ الرجل: أهله، وعياله، وآله أيضاً: أتباعه، فهو عند هؤلاء: مشتق من آل يَئُولُ، يعني: رجع، فآلُ الرجل هم: الذين يرجعون إليه، ويُضافون إليه، فهو: يَئُولهم، بمعنى أيضاً: يسوسهم ويرعاهم، فيكون مآلهم إليه، ومنه الإيالة، وهي: السياسة، يقول: ونفسه أحق بذلك من غيره، فهو أحق بالدخول من آله، ولكن لا يقال: إنه مختص بآله، بل هو داخل فيهم.

يقول: وهذه المادة موضوعة لأصل الشيء، وحقيقته؛ ولهذا سُمي حقيقة الشيء بتأويله؛ لأنها حقيقته التي يرجع إليها، قال الله -تبارك وتعالى-: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ الأعراف: 53، يعني: وقوع ما أخبر به، أخبرت به الرسل، حينما يأتي ويقع حقيقة، ويتحقق، فهذا هو تأويله، وكذلك أيضاً: حينما يُشاهد ذلك الشيء المُخبَر به، أو المرئي في الرؤيا، كقوله: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ يوسف: 100، فيكون ذلك قد آل إلى الوقوع، والتحقق، فهو بهذا الاعتبار حقيقة الرؤيا حينما تكون معاينة.

وهكذا أيضاً التأويل بمعنى: العاقبة، كقوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا النساء: 59يعني: وأحسن عاقبة، فعواقب الأمور هي حقائقها التي تئول إليها.

وهكذا التأويل بمعنى: التفسير، فهو باعتبار أنه بيان لمعناه وحقيقته، حقيقته التي يراد بها، لا حقائق الأمور الغيبية، وإنما ذلك من جهة المعنى.

وهكذا في سائر أنواع الاستعمال، كالأول، الثاني، الثالث، فالأول لماذا قيل له ذلك؟ باعتبار أنه أصل العدد، ومبناه الذي يتفرع منه، فالآل بمعنى أنه الشخص نفسه، فهو أصلهم الذي تفرعوا منه، يعني تفرع منه أولاده، ونحو ذلك، كالأحفاد والذرية.

فآل الرجل بعض أهل العلم يقولون: إن ذلك يقال ويراد به نفس الرجل، ويقال أيضاً لمن يتبعه، ويقال لأهله، ويقال لقرابته، فمن إطلاقه على الرجل نفسه -ويدخل معه أيضاً القرابة، ويدخل معه أهل بيته-: قول النبي ﷺ: (اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)([4])، و(اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم)([5])، يعني: إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وهكذا، لكن ليس هذا محل اتفاق، فبعضهم يقول: لا يكون الآل إلا بمعنى الأتباع، والأقارب، ونحو ذلك، وأن هذه الاستعمالات في آل محمد، وآل إبراهيم هي كذلك، لكن آل إبراهيم من هم؟ قالوا: الأنبياء الذين كانوا من ذريته، فالمطلوب هو الصلاة عليهم.

على كل حال: ابن القيم -رحمه الله- في النهاية يُرجح أن الآل إن أُفرد دخل فيه المضاف إليه، كقوله: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ غافر: 46، فهنا لا شك أن فرعون داخل في هذا، وقوله: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ الأعراف: 130، ففرعون داخل في هذا، وقول النبي ﷺ: (اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)([6])، فأبو أوفى داخل فيه، (اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم)([7])، فهو: داخل في ذلك.

وأمّا إن ذُكر الرجل، ثم ذُكر الآل -آل الرجل- لم يدخل فيهم، ففرّق ابن القيم بين المجرد والمقرون، فإذا قلت: أعطِ لزيد وآل زيد، لم يكن زيد هنا داخلاً في الآل، وإذا قلت: أعطه لآل زيد، تناول زيداً وآله، وذكر أن اللفظ تختلف دلالته بالتجريد والاقتران، كالفقير والمسكين، والإيمان والإسلام، والبر والتقوى، والفحشاء والمنكر، والفسوق، ونحو ذلك.

على كل حال: هذا التفريق الذي ذكره ابن القيم -رحمه الله- هو الأقرب، والله -تعالى- أعلم، وإذا تأملت وتتبعت هذا الاستعمال في كتاب الله -تبارك وتعالى-، وفي سنة النبي ﷺ فإنه لا يكاد يخرج عن هذا المعنى.

وأما ما يذكره بعض المؤلفين في كتب الوجوه والنظائر، فلو تأملته لوجدت أن بعضه يرجع إلى النوع الأول، وأن بعضه يرجع إلى النوع الثاني، وإن كثُرت هذه المعاني التي يذكرون، فإنهم في الغالب في كتب الوجوه والنظائر قد أولعوا بالتشقيق، وتكثير هذه الأنواع في المعنى، وهذا لا شك أنه يوقع في إشكالات، ويُشتت الأذهان في العلم، ويفوت الكثير على طالب العلم، فتجدون هذا كثيراً في هذه الكتب، وتجدونه أيضاً في مثل كتاب: بصائر ذوي التمييز، للفيروز آبادي، ولربما ذكروا للصلاة التي هي أوضح ما تكون، لربما ذكروا لها معانيَ كثيرة، فيعدون الصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وغير ذلك، كل هذا يعدونه من الأنواع.

ابن الجوزي في كتابه: نزهة الأعين النواظر -وهو من الكتب المفيدة على كل حال، لكن مع التفطن لهذا الجانب: التشقيق- يذكر أن الآل في القرآن على أربعة أوجه:

الأول: أنه أهل بيت الرجل، يعني: الذين ينتسبون إليه، كقوله: فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ الحجر: 61، لاحظ: أهل بيت الرجل، أليس هذا كما قال شيخ الإسلام: ألم يكن لوط -عليه الصلاة والسلام- معنيًّا بذلك؟ فكيف يقال: إنهم أهل بيت الرجل؟! وهكذا في قوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ القمر: 34، فهو داخل في هذا، وقوله: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ غافر: 28على تفسيره باعتبار: أنه من قرابة فرعون، من آل فرعون، لكن على المعنى الآخر: أنه من قومه، وليس من بني إسرائيل.

المعنى الثاني الذي ذكره: وهو ذرية الرجل، وإن نزلوا، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ آل عمران: 33، والواقع أن إبراهيم داخل في هذا، وعمران داخل في هذا، بل إن بعضهم قال: المقصود بذلك: إبراهيم وعمران.

وذكر المعنى الثالث: أهل دين الرجل، يعني: الأتباع على الدين، كقوله: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ [الأنفال: 54]، لكن الواقع: أن فرعون داخل في هذا.

ثم ذكر المعنى الرابع: أنه صلة في الكلام، أي: زائد، لكن يتأدبون في العبارة، يقولون: صلة، كقوله: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى البقرة: 248، قالوا: يعني: موسى، مع أنه في الأمثلة السابقة ذكرنا: أن النبي، أو من أُضيف إليه الآل أنه داخل فيه، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ البقرة: 248يعني: موسى وهارون، فهذا لا يفارق ما سبق، والله -تعالى- أعلم.

فالذي يقرأ في كتب الوجوه والنظائر يحتاج أن يستحضر أصل المعنى، ثم بعد ذلك سيجمع كثيراً مما يقولون، ويعيد ترتيب هذه الأنواع والمعاني التي يشققونها، وطالب العلم أحوج ما يكون إلى معرفة هذا، أحوج ما يكون وإلا فإنه قد يتكثر بما لا يكون كثيراً، وإنما يرجع إلى معنى، أو إلى شيء واحد، وهذه أمثلته.

فالحاصل: أن ابن جُزي -رحمه الله- ذكر أنه يرجع إلى معنيين: الأهل، والأتباع.

قال -رحمه الله تعالى-: أمس: اليوم الذي قبل يومك، والزمن الماضي.

يعني: كما يقال في الغد: يقال لليوم الذي بعد ليلتك، ويقال أيضاً للمستقبل، كقوله: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ الحشر: 18يعني: لآخرتها، فهكذا أمس، يقول تعالى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ القصص: 18، ما المقصود بقوله: بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ؟، استصرخه بالأمس في اليوم الذي قبل يومه، أو استصرخه بالأمس يعني بالزمن الماضي؟ فأنت تقول: بالأمس كنت تقول كذا، يعني: في الزمن الماضي، في السابق كنت تقول كذا، فهذا يحتمل في الآية أن ذلك وقع في اليوم القريب الذي قبل يومه، ويحتمل أنه فيما مضى من الزمان، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ القصص: 19، وهذا كما سبق، وفي قصة قارون:وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ القصص: 82، هل المقصود به حينما مر بأبهته، وزينته، ونحو ذلك، اليوم الذي قبل يومهم هذا، أو المقصود به في الماضي؟ يحتمل، هذا يحتمل.

قال -رحمه الله تعالى-: إناه: وقته، وجمعه: آناء، ومنه: آنَاءَ اللَّيْلِ آل عمران: 113.

قال: وقته، وجمعه: آناء، هذا أصل هذه المادة، وهذا نحتاج إليه في مواد أخرى ترتبط بها، وهي ترجع إلى أصول أربعة، ذكرها ابن فارس -رحمه الله-:

الأول: البطء، وما أشبهه، تقول: تأنيّتُ الرجل، يعني: انتظرته، وتأخرت في أمره، وتمهلت، ولم أعجل، وكذلك: الحِلْم، وغيره، وهذا قريب من معنى الأول، وهو البطء في الغضب، يقال له ذلك.

والثاني: يقال أيضاً بما يرجع إلى أصل هذه المادة التي هي: الهمزة والنون والحرف المعتل بعدها، يقال: للساعة من الزمان: آناء الليل، يعني: ساعات الليل، واحدها: إنْيٌ، يعني: مفرد الآناء، وإنًى يعني كذلك.

وذكر الثالث: إدراك الشيء: الأَنَى، ويقال بالكسر: الإِنَى، يعني: بلوغ الشيء إلى منتهاه، فقوله -تبارك وتعالى- في الأدب الذي أدب به أصحاب النبي ﷺ، في المكث عنده، والإطالة: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ الأحزاب: 53يعني: نُضج الطعام، ما يأتون قبل مدة طويلة، ويتحدثون، وينتظرون نضج هذا الطعام الذي دُعوا إليه، وإنما يأتون إذا حضر: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ الأحزاب: 53، ومن هذا أيضاً: وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ الرحمن: 44يعني: الذي قد انتهى في حرارته، تناهى في حرارته.

والرابع: الذي هو ظرف من الظروف، يعني: الإناء، والآنية، فهو ظرف من الظروف.

إذن: في قوله -تبارك وتعالى- عن أهل الكتاب: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ آل عمران: 113يعني: ساعات الليل، فهذا يرجع إلى معنى الوقت، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ الزمر: 9كذلك أيضاً، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ الحديد: 16، "يأنِ" يعني: يحن، ألم يحن لهم أن تخشع قلوبهم لذكر الله، فهذا معناه، والله أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: أمْر: له معنيان: أحدهما: طلب الفعل على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وقد تأتي صيغة الأمر لغير الطلب، كالتهديد، والتعجيز، والتعجب، والخبر، والثاني: بمعنى: الشأن، والصفة، وقد يُراد به العذاب، ومنه: جَاءَ أَمْرُنَا هود: 40

هنا قال: له معنيان: الأول: طلب الفعل على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، يعني: الطلب -طلب الفعل- إما بصيغة جازمة، أو غير جازمة، فالأصل فيه الوجوب عند كثير من الأصوليين، وعلى كل حال: قد يأتي لغير هذا، كالندب، ففي قوله تعالى: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا النور: 33، الجمهور على أنه للندب، وكذلك الإباحة: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ الجمعة: 10، كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ البقرة: 57.

أمّا ما ذكره بعد ذلك من أن صيغة الأمر تأتي لغير الطلب فهذا خلاف الأصل، قال: كالتهديد: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ الكهف: 29، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ الزمر: 15، فهذا فيه تهديد مُبطَّن، وكذلك التعجيز: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ البقرة: 23، إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا الرحمن: 33هذا للتعجيز، والله أعلم، ومن المعاني التي هي خلاف الأصل قال: التعجب، والخبر، فالتعجب يمكن أن يُمثَّل له بقوله: انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ الإسراء: 48تعجيبه من ذلك، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ مريم: 38، والخبر مثل: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ البقرة: 279، فهذا هو المعنى الأول الذي ذكره.

والمعنى الثاني: وهو الشأن، قال: "والثاني: بمعنى الشأن، والصفة، وقد يراد به العذاب، ومنه: جَاءَ أَمْرُنَا هود: 40".

الحاصل: أنه أرجعه إلى هذين المعنيين الأصليين، وهذا المعنى الأخير الذي ذكره: أن الأمر يقال للشأن، أو الأمر من الأمور، يعني تقول: أنا رضيت هذا الأمر، ولم أعلم بهذا الأمر، ولأمرٍ ما يُسوَّد مَن يَسُود، كما يقال في المثل، لأمرٍ ما، ليس المقصود به: طلب الفعل الجازم، أو غير الجازم، لكنه يقال لهذا المعنى: الأمر الذي هو ضد النهي.

وقد يقال لمعانٍ أخرى لم يذكرها ابن جُزي -رحمه الله-، فأصل هذه المادة قد يأتي لمعانٍ أخرى مثل: النماء، والبركة: الأَمَر، يقولون: امرأة أمِرة، يعني: مباركة على زوجها، قد أمِر هذا الشيء يعني: كثُر، يقولون: من قَلَّ ذَلّ، ومن أمِرَ فَلّ، يعني: الذي يكون غنيًّا أو كثُر

 

وقد يقال لمعانٍ أخرى لم يذكرها ابن جُزي -رحمه الله-، فأصل هذه المادة قد يأتي لمعانٍ أخرى مثل: النماء، والبركة: الأَمَر، يقولون: امرأة أمِرة، يعني: مباركة على زوجها، قد أمِر هذا الشيء يعني: كثُر، يقولون: من قَلَّ ذَلّ، ومن أمِرَ فَلّ، يعني: الذي يكون غنيًّا أو كثُر

 

 -يعني: كثُر جنده، أو أتباعه، أو نحو ذلك- غلب، فهذا بفتح الميم، وهكذا يقال أيضاً للمَعْلم والموعد: أمارة، يعني علامة، وكذلك أيضاً العجب: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا الكهف: 71، هذا كله يرجع إلى أصل هذه المادة، لكن الأمر يكون بمعنى الشأن، ويكون بمعنى الطلب طلب الفعل، جازماً، أو غير جازم، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ النحل: 90، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ يوسف: 40.

وأما قول أبي سفيان: لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة، فهذا يدل على القوة، أو بلوغ الشيء إلى حد، يعني مثل: ومَن أمِرَ فَلّ.

قال -رحمه الله تعالى-: إسرائيل: هو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وهو: والد الأسباط، واليهود من ذريتهم.

هكذا يقول، ويفسرونه أيضاً بعبد الله، وهو اسم أعجمي، يقول الله -تعالى-: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ البقرة: 40يعني: يا أولاد يعقوب، وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ يونس: 93، وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ غافر: 53، فهو يخاطبهم بهذا كثيراً: يا أولاد يعقوب.

قال -رحمه الله تعالى-: إياب: رجوع، ومنه: مآب، أي: مرجع، ورجل أوّاب: كثير الرجوع إلى الله، والتأويب: التسبيح، يَا جِبَالُ أَوِّبِي سبأ: 10.

هذه المادة ترجع إلى هذا المعنى الذي هو الرجوع، فالله -تبارك وتعالى- يقول: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ص: 17أي: رجّاع، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ص: 19أي: رجّاع، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ص: 30، لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ق: 32، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ الغاشية: 25يعني: رجوعهم، إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا النبأ: 21-22يعني: مرجِعًا، وهكذا، فالأَوْبُ هو: الرجوع، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران: 14 يعني: المرجع.

قال -رحمه الله تعالى-: إفك: أشد الكذب، والأفّاك: الكذاب، وأُفِك الرجل عن الشيء أي: صُرف عنه، ومنه: تُؤْفَكُونَ الأنعام: 95.

هي هكذا هذه المادة ترجع إلى معنى يدل على قلب الشيء، يدل على صرفه عن حقيقته، أو عن جهته؛ ولهذا قيل لأشد الكذب؛ لأنه قلب للحقيقة، قال الله -تبارك تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ النور: 11أشد الكذب، قلب للحقيقة، يعني: ليس فيه شبهة حق، أو صدق، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ الأحقاف: 11.

وكما ذكر ابن جُزي -رحمه الله- فقال: الأفّاك: الكذاب، وأُفِك الرجل عن الشيء أي: صُرف عنه، فإذن: كل ذلك بمعنى: تُؤْفَكُونَ الأنعام: 95يعني: تصرفون، فقلب الشيء وصرفه عن جهته يقال له ذلك؛ ولهذا قال: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى النجم: 53أرض قوم لوط، ديار قوم لوط مؤتفكة، بمعنى أنه قلبها الملَك، وقال: وَالْمُؤْتَفِكَاتُ الحاقة: 9بصيغة الجمع، باعتبار أنها قرى متعددة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

 

[1] تاج العروس: (10/20).

[2] أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: «لا نكتب ولا نحسب»، رقم: (1913)، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما، رقم: (1080).

[3] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام، ودعائه لصاحب الصدقة، رقم: (1497)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته، رقم: (1078).

[4] المصدر السابق.

[5] أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ، رقم: (6357)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، رقم: (405).

[6] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام، ودعائه لصاحب الصدقة، رقم: (1497)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته، رقم: (1078).

[7] أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ، رقم: (6357)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، رقم: (405).

مواد ذات صلة