الثلاثاء 03 / ربيع الأوّل / 1442 - 20 / أكتوبر 2020
[3] من قول الله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا} الآية 13 إلى قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الآية 23.
تاريخ النشر: ٠٧ / ربيع الآخر / ١٤٢٧
التحميل: 3388
مرات الإستماع: 2356

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ۝ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ [سورة الأعراف:13-15].

يقول تعالى مخاطباً لإبيلس بأمر قدري كوني: فَاهْبِطْ مِنْهَا أي: بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي.

فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا [سورة الأعراف:13] قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائداً إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى.

فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [سورة الأعراف:13] أي: الذليلين الحقيرين؛ معاملة له بنقيض قصده، ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين.

قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ [سورة الأعراف:14-15] أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [سورة الأعراف:16-17].

يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس إلى يوم يبعثون واستوثق إبليس بذلك أخذ في المعاندة والتمرد فقال: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الأعراف:16] أي: كما أغويتني.

قال ابن عباس -ا: كما أضللتني، وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك -الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه- على صراطك المستقيم أي: طريق الحق وسبيل النجاة، لأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

قوله -تبارك وتعالى- عن قول إبليس: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الأعراف:16] ذكر هنا قول ابن عباس -: كما أضللتني، والقول الآخر: كما أهلكتني، والمعنى في هذا يرجع إلى شيء واحد؛ فإن الإغواء بمعنى الإضلال، ومن أضله الله فقد أهلكه، وهذا هو عين الهلكة والخسار كما هو معلوم، فهذا كله من اختلاف التنوع، ومثل هذا ظاهر من هذه اللفظة والله تعالى أعلم، فالإغواء هو الإضلال، ولا حاجة للتكلف في حمله على المحامل البعيدة، فالله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء فكل ذلك بيده وراجع إلى مشيئته، يضل من أضله بعلم وحكمة ويهدي من هداه بعلم وحكمة، فهو يحكم لا معقب لحكمه، وهذا هو الواجب اعتقاده وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.

قوله: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [سورة الأعراف:16] يمكن أن تكون الباء هنا للسببية، يعني بسبب إغوائك لي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الأعراف:16].

قال مجاهد: صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني الحق.

روى الإمام أحمد عن سبرة بن أبي الفاكه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ قال: فعصاه وأسلم، قال: وقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل؟ فعصاه وهاجر[1].

قوله: كالفرس في الطوَل هذا من كلام إبليس، معناه أنه يقول له: كيف تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما المهاجر كالفرس في الطول؟ فهو يثبطه عن الهجرة.

والطِّوَل هو الحبل الذي يربط طرفه في الوتد والطرف الآخر بيد الفرس، فيجول هذا الفرس في حدود هذا الحبل –يجول في طوله- فلا يتعدى هذا النطاق، فالإنسان المهاجر يكون غريباً في البلد الذي هاجر إليه ويكون تحركه وتقلبه فيها قليلاًَ ولا يكون كأهلها الذين ينطلقون ويتصرفون كيف شاءوا؛ لأنه غريب وعلاقاته بالناس قليلة ومحدودة، ومعارفه قليلة وليس عنده من القرابات والعشيرة والتجارات وما أشبه ذلك مما يكون لأهل ذلك المحل، فالغريب يبقى كأنه يعيش في الظل، ولذلك فالشيطان يقول له: كيف تترك بلدك وتذهب إلى بلد أنت غريب فيه لا تتحرك إلا بنطاق محدود وربما تكون في بيتك فقط لا يعرفك أحد ولا قرابة لك ولا عشيرة ولا قبيلة؟.

ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل فتنكَح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه وجاهد وقال رسول الله ﷺ: فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، أو وَقَصته دابة كان حقاً على الله أن يدخله الجنة[2].

وقوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ الآية [سورة الأعراف:17] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أشكّكهم في آخرتهم وَمِنْ خَلْفِهِمْ أرغِّبهم في دنياهم وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ أشبِّه عليهم أمر دينهم وَعَن شَمَآئِلِهِمْ أشهّي لهم المعاصي.

هذا أحد الأقوال في تفسير الجهات الأربع المذكورة في الآية، ما بين أيديهم أي: ما يستقبلون، وهي الآخرة، ومن خلفهم يعني ما يتركونه وراء ظهورهم وهي الدنيا، وعن اليمين يعني الأعمال الطيبة، وعن الشمال يعني الأعمال السيئة، هكذا قال بعضهم، وبعضهم يقول: ذكر الجهات الأربع؛ لأنها الجهات التي يأتي منها العدوُّ عدوَّه، فهو إما أن يأتي من الأمام أو الخلف أو عن اليمين أو عن الشمال.

عبر بـ"من" فقال: مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [سورة الأعراف:17] وعبر بـ"عن" فقال: وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ [سورة الأعراف:17] وقد ذكر بعض أهل العلم في وجه المغايرة أن الذي يأتي الشخص من الأمام أو من الخلف يكون متوجهاً إليه بكامل بدنه، أما الذي يأتي من اليمين أو الشمال فإنه يكون منحرفاً عنه لا مواجهاً له، والله تعالى أعلم.

 والقول بأن قوله: مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [سورة الأعراف:17] يعني الآخرة هذا تحتمله الآية، لكن القطع به يصعب؛ إذ ليس عليه دليل، ولذلك فإن بعضهم يقول: مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [سورة الأعراف:17] يعني دنياهم، وَمِنْ خَلْفِهِمْ [سورة الأعراف:17] يعني عكس القول الأول.

وقوله: وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ [سورة الأعراف:17] قيل اليمين الحسنات، والشمال السيئات، يعني أنه يأتيهم من جهة الحسنات فيثبطهم عنها، ويأتيهم من جهة السيئات فيغريهم بها.

وبعضهم يقول: وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ [سورة الأعراف:17] يعني من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون، فالإنسان يبصر ما أمامه ولا يبصر من خلفه مثلاً، وقد لا يبصر عن يمينه ولا عن شماله، وعلى كل حال هذا كله تحتمله الآية، لكن ليس عندنا دليل يحدد أحد هذه المعاني. 

والمقصود: أنه يأتيه من كل طريق مستطاع لإضلاله، فهو لا يترك سبيلاً لإغوائه إلا سلكه، فإذا كان الإنسان فيه رغبة في الخير حاول أن يثبطه عنه، فإن لم يتثبط عنه حاول أن يفسده عليه، فإن كان فيه ميل إلى الدين والعبادة أوقعه في الغلو، وإذا كان فيه ميل إلى إنكار المنكر والغيرة على الدين أوقعه في شيء من الإفراط، وإن كان فيه ميل إلى النساء فإنه يدخل عليه من هذا الباب، وإن كان له ميل إلى المال فإنه يغويه من هذا الباب وهكذا، يحاول أن يضله، وأن يوقعه في الشرك وترك عبادة الله بالكلية، فإن لم يستطع فإنه يحرص أن يفسد عليه عمله، فإن لم يستطع فإنه يشغله بالوساوس والخواطر المزعجة، فهو لا يترك سبيلاً يستطيع إيذاءه منه إلا سلكه.

والمراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحببه لهم.

وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس -ا- في قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ [سورة الأعراف:17] ولم يقل من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل من فوقهم.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [سورة الأعراف:17] قال: موحدين.

وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقعَ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۝ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سورة سبأ:20-21].

ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها، كما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر -ا- قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسلك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يديَّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي قال وكيع: من تحتي يعني الخسف، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال الحاكم: صحيح الإسناد[3].

قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ [سورة الأعراف:18] أكد تعالى عليه اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا [سورة الأعراف:18].

قال ابن جرير: أما المذءوم فهو المعيب، والذأم -غير مشدد- العيب، يقال: ذأمه يذأمه ذأماً فهو مذءوم.

ويتركون الهمز فيقولون: ذمته أذيمه ذيماً وذاماً، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم.

قال: والمدحور المقصَى والمبعد المطرود.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذءوم والمذموم إلا واحداً.

وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس -ا: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا قال: مقيتاً.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا- صغيراً مقيتاً.

وقال السدي: مقيتاً مطروداً.

وقال قتادة: لعيناً مقيتاً.

وقال مجاهد: منفياً مطروداً.

وقال الربيع بن أنس: مذءوما ً منفياً، والمدحور المصغر.

هذه الأقوال متقاربة وهذا كله من اختلاف التنوع، فإن المذءوم هو المستحق للذم، ومن كان كذلك فهو صغير وهو أيضاً مقيت وذليل، ومن فسره باللعن أو نحو ذلك، فإن ذلك يقع لمن كان مذءوماً، والمدحور أيضاً هو الطريد المبعد، ومن لُعن فهو مدحور، فهذه المعاني التي يذكرها السلف يمكن أن ترجع إلى شيء واحد، ولا حاجة أن يقال: قيل كذا وقيل كذا والراجح هو كذا، بل يقال: المذءوم هو المستحق للذم، أو ينسب إليه الذم، أو هو منسوب إلى الذم، والمدحور هو المبعد يقال: دحره وأبعده وطرده، وإن قلت: لعنه، فاللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله .

والمذءوم على المشهور غير المذموم، وإن كان في المعنى يرجع إلى شيء واحد وهو العيب، لكن المذءوم أبلغ في العيب، ولا يكون هذا من باب الهمز والتسهيل، بمعنى أنها نفس الكلمة همزت فقيل: مذءوم ومذموم، وإنما هي على المشهور تختلف، ولهذا قال ابن جرير -رحمه الله: أما المذءوم فهو المعيب، والذأم -غير مشدد- العيب، يعني المشدد هو الذمّ، فهي مادة أخرى فليست القضية من باب التسهيل والهمز فقط إلا بناء على ما سبق من قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذءوم والمذموم إلا واحداً، يعني المسألة تكون من باب الهمز والتسهيل على هذا القول.

وقوله تعالى: لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ كقوله: قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا [سورة الإسراء:63].

اللام في قوله: لَّمَن تَبِعَكَ [سورة الأعراف:18] بعض أهل العلم يقول: هي لام القسم والجواب قوله: لأَمْلأنَّ [سورة الأعراف:18] وبعضهم يقول: هذه اللام هنا للتوكيد، ولام القسم هي اللام الثانية أي التي في قوله: لأَمْلأنَّ [سورة الأعراف:18] والله أعلم.

كقوله: قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا ۝ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ۝ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً [سورة الإسراء:63-65].

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ۝ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [سورة الأعراف:19-21].

يذكر تعالى أنه أباح لآدم ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة -وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة- فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة.

يقول تعالى: فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [سورة الأعراف:19] في كتب المبهمات وفي كتب التفسير تجد أقوالاً كثيرة في هذه الشجرة ما هي، وهذا كله لا دليل عليه حيث لم يرد تحديدها في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله ﷺ، ولو كان في هذا نفع للناس لذكره الله -تبارك وتعالى- ولكن لا خير لهم فيه، فالتنقيب عن مثل هذا والاشتغال به هو اشتغال بما لا يعني.

قال تعالى: وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ [سورة البقرة:35] هذا نهي صريح وواضح، وهو يُبعد قول من قال: إن آدم ﷺ قد تأول في أكل الشجرة بأن حمل الأمر على الندب أو النهي على الكراهة، فهذا في غاية التكلف؛ لأن الله قال: وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ [سورة البقرة:35].

يقول الله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف:20] الوسوسة في الأصل هي الصوت الخفي، وتقال أيضاً لحديث النفس، والعرب يطلقون ذلك على أشياء أخرى مثل صوت الأساور والحلي إذا تحركت في يد لابسها، وعلى كل حال فإن ما يلقيه الشيطان ويزينه للإنسان من معصية الله -تبارك وتعالى- أو ما يثبطه ويشغله به عن الطاعة أو ما يشوش عليه فكره، كل ذلك من الوسوسة.

فعند ذلك حسدهم الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن وقال كذباً وافتراء: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ [سورة الأعراف:20] أي: لئلا تكونا ملكين أو خالديْن هاهنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما.

في قوله: لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا [سورة الأعراف:20] يمكن أن تكون هذه اللام للتعليل، يعني لماذا وسوس لهما الشيطان؟ من أجل أن يبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما، ويمكن أن تكون للعاقبة، أي وسوس لهما الشيطان من أجل الإزاغة والإضلال وكان من عاقبة ذلك في النهاية أن آل الأمر إلى أن بدت لهما سوءاتهما من جراء هذه المعصية، لكن القول بأنها للتعليل ربما يكون هو المتبادر، وهذا ليس وحده الذي من أجله وسوس الشيطان لهما، وإنما وسوس لهما من أجل إخراجهما من الجنة، وإضلال آدم وحواء -عليهما السلام.

وقوله: لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ [سورة الأعراف:20] يعني ما غطي وستر أياً كان هذا الستر سواء كان لباساً أو نوراً يستر العورات، والمقصود أنه انكشف ذلك الستر بعد ذلك بسبب هذه المعصية، وهذا يدل على أن التعري من عمل الشيطان ومن تزيين الشيطان، فآدم ﷺ وحواء كانا كاسيين في الجنة، والذي عراهما هو إبليس، ولهذا قال الله : يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا [سورة الأعراف:27]

وما نشاهده من تعري النساء وإبداء الزينة والعورات في مناسبات شتى في الأفراح، أو ما يفعله من لا خلاق له على الشواطئ والمسابح وما أشبه هذا كل ذلك من عمل الشيطان، وهو لا شك أنه انسلاخ من الكمال؛ لأن الكمال هو في أخذ الزينة وستر العورة، ولما حصل النقص لآدم ﷺ حصل له مثل هذا، حيث كان في أكمل حال في الجنة، فهؤلاء لا شك أن فيهم من النقص بقدر ما وقع لهم من هذا التعري، وهذا خلافاً لما يزعمون ويظنون ويتوهمون من أن هذا نوع من المدنية والتحضر، وهكذا يفهم كثير من النساء؛ حيث تستحي الواحدة منهن أن تلبس عباءة ضافية؛ لأن غيرها يعيرونها في الكلية وفي المدرسة ويثبطونها عن ذلك بقولهم: إنها قروية وقديمة بل حتى البنت الصغيرة في الابتدائي تبكي وترفض أن تذهب إلى المدرسة بالعباءة؛ لأن البنات يعيبون عليها ذلك ويقولون لها: إن البنت المتمدنة المتحضرة هي التي تلبس لبساً ملفتاً، وهذا من تزيين الشيطان، والله المستعان.

قوله تعالى: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [سورة الأعراف:20] قال: "أي لئلا تكونا ملكين" وهذا على قول الكوفيين من النحاة، وهذا الإيضاح أو هذا التفسير أسهل وأقرب، كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله، وأما ابن جرير -رحمه الله- فيقول: ما نهاكما ربكما عن هذا الشجرة إلا لئلا تكونا ملكين، أي فأسقطت "لا"؛ لأنها معلومة، وقد مرَّ في بعض الآيات مثل هذا كما في قوله -تبارك وتعالى: يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ [سورة النساء:176] يعني لئلا تضلوا، والله أعلم.

وقوله تعالى: إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ [سورة الأعراف:20] هذا أحد المواضع التي يحتج بها من يقول: إن الملائكة أفضل من البشر، ومن ذلك قوله -تبارك وتعالى: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [سورة الأنعام:50] فيقولون هذا يدل على أن الملائكة أفضل، لكن الصواب أن هذه الآيات لا تدل على هذا؛ لأن الملك ليس له شهوات وبناء على ذلك فهو ليس ممتحَناً ومبتلىً كما هو الحاصل للثقلين، وعلى كل حال هذه المسألة لا طائل تحتها، والبحث فيها لا فائدة منه إطلاقاً والاشتغال بها اشتغال بما لا يعني؛ لأن الإنسان لن يستفيد شيئاً إذا عرف أن الملائكة أفضل أو أن صالحي البشر أفضل، لذا ينبغي أن يشتغل بما هو بصدده من العمل ويترك الفضول والبحث عما لا يغنيه شيئاً.

كقوله: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى [سورة طـه:120] كقوله: يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ [سورة النساء:176] أي: لئلا تضلوا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ [سورة النحل:15] أي: لئلا تميد بكم.

وَقَاسَمَهُمَا [سورة الأعراف:21] أي: حلف لهما بالله إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [سورة الأعراف:21].

ابن كثير -رحمه الله- يوافق ابن جرير على أن هذا من هذا القبيل أي مما أسقط فيه "لا"؛ لأن المعنى معلوم.

إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [سورة الأعراف:21] فإني من قبلكما هنا وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة والمراد أحد الطرفين.

المفاعلة مثل المكاتبة والمقاتلة والمجاهدة وما أشبه ذلك الأصل أن تكون بين طرفين، لكن قد تأتي أحياناً ولا يراد بها ذلك وإنما هي من طرف واحد، مثل قوله هنا: وَقَاسَمَهُمَا [سورة الأعراف:21] فالقسم صدر من طرف وهو إبليس، وإن كان بعض أهل العلم يذكر أن آدم وحواء أقسما له بالطاعة، وهو أقسم لهما بأنه صادق وأنه ناصح وعلى هذا يكون القسم قد صدر من طرفين لكن هذا لا دليل عليه فهو بعيد، وإنما صدر القسم من إبليس وحده وإن جاء بصيغة المفاعلة فهذا سائغ كما سبق بيانه.

أي: حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما، وقد يُخدع المؤمن بالله، وقال قتادة في الآية: حلف بالله إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما.

ابن القيم -رحمه الله- ذكر تأويل آدم ﷺ أنه كان من هذه الحيثية بمعنى أنه ما كان يتصور أن أحداً يحلف بالله كاذباًَ، فانظر إلى هذه الأشياء التي جاء بها إبليس يؤكد هذا الكلام، حيث جاء بمؤكدات متعددة، وهي أنه قاسمهما، أي أقسم بالله، ثم أتى بـ"إنَّ" المؤكدة، وجاء باللام في قوله: "لمن الناصحين" وجاء بلفظ النصح، وكل هذه الأشياء يؤكد بها قوله، وما كان آدم يتصور أن أحداً يحلف بهذه الطريقة بالله وهو يكذب، فصدقه، وعلى كل حال مهما يكن فالله قد قدر هذا وقضاه، وهذا الذي وقع من آدم -عليه الصلاة والسلام- لا شك أنه معصية كما قال الله -تبارك وتعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [سورة طـه:121] وهذا أحد الأدلة التي يستدل بها أهل السنة على أن المعاصي تقع من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- تقع منهم المعاصي، لكن بالنسبة لمسألة الشرك، هل يقع منهم قبل البعثة أو لا يقع؟ فقد قلنا سابقاً: إن الراجح أنهم لا يقعون فيه، حيث ذكرنا ذلك عند الكلام على قول إبراهيم ﷺ على الكوكب: هَذَا رَبِّي [سورة الأنعام:76].

وأما الكبائر فإنها لا تقع منهم، وإنما التي تقع منهم هي الصغائر لكن لا يصرون عليها، ثم إن هذه الصغائر التي تقع منهم ليست هي الصغائر المدنِّسة التي تخل بالمروءات، التي يسمونها صغائر الخسة وهي التي تنبئ عن لؤم، فهذه لا تقع من الأنبياء؛ لأنهم أشرف الناس نفساً -عليهم الصلاة والسلام- ولا حاجة للتكلف في دفع المعاصي عنهم مطلقاً كتكلف من يتأولون معصية آدم بقولهم: إن قوله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [سورة طـه:121] هذا من غوى الفصيل، يعني ولد الناقة، بمعنى أنه بشمَ من كثرة ما رضع من الحليب، أي أن آدم أكل من الشجرة حتى انتفخ بطنه من كثرة الأكل، فهذا كلام غير صحيح، ثم إن قيل هذا في "غوى" فأين يذهبون بقوله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ [سورة طـه:121].

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [سورة الأعراف:22، 23].

قوله: فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ أصل التدلية هي إهباط الشيء من أعلى إلى أسفل، تقول: دلّى دلوه في البئر، وقال تعالى: وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ [سورة يوسف:19] أي: أنزله في البئر، وتقول: تدلى الرجل من الحصن يعني هبط، وقوله: فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ من أهل العلم من يقول: أهبطهما عن تلك المنزلة أو المرتبة إلى معصية الله وهو كقول من قال: أي أوقعهما في الهلاك، أو خدعهما، أو جرأهما، والمعنى أنه صور لهما أمراً لا حقيقة له وزينه حتى أوقعهما فيما أوقعهما فيه.

قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [سورة الأعراف:22] أي: ظهرت سوءاتهما.

والسوءات هي العورات، وسميت العورة سوءة؛ لأنه يسوء صاحبها ظهورها وانكشافها.

عن أبي بن كعب قال: كان آدم رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس.

النخلة السحوق هي الطويلة جداً.

فلما وقع فيما وقع به من الخطيئة بدت له عورته عند ذلك، وكان لا يراها، فانطلق هارباً في الجنة، فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة فقال لها: أرسليني، فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه يا آدم أمنّي تفر؟ قال: يا رب إني استحييتك، فقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ مرفوعاً، والموقوف أصح إسناداً.

إذا صح إسناد الموقوف فمثل هذا يكون له حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال من جهة الرأي، وأبي بن كعب لا يعرف بالأخذ عن بني إسرائيل.

وعن ابن عباس -ا: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ [سورة الأعراف:22] قال: "ورق التين" [صحيح إليه] وقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة، قال: كهيئة الثوب.

قوله: وَطَفِقَا الفعل "طفق" من أفعال المقاربة، ومعنى "طفقا" يعني شرعا، تقول: طفق فلان يفعل كذا يعني شرع فيه.

قوله: يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ [سورة الأعراف:22] يعني يقطعان الشجر ويلزقانه على العورات، تقول: خصفت النعل إذا وضعت فيه طبقات من الجلد فوق بعض من أجل أن يكون سميكاً يحتمل ما يمر عليه الماشي، والمقصود أن آدم وحواء صارا يأخذان من ورق الجنة ويلزقانه على عورتهما لسترها بدلاً من اللباس الذي زال عنهما، وهذا يدل على أن الحياء قضية فطرية بدليل أنهما قاما مباشرة بستر العورة؛ فكشف العورة أمر لا يقبله إنسان ذو فطرة حية بدليل أن ذهول المعصية والمصيبة التي وقعت لهما لم تؤثر على انشغالهما بستر العورات مع أنه لا أحد عند آدم غير حواء، فانشغل بهذا، فينبغي أن يتأمل الناس في ذلك فيدعوهم إلى ملازمة الستر والحشمة واللباس اللائق بدلاً من هذا التعري وهذه اللحوم التي تتكشف في أدنى مناسبة وبدون مناسبة، والله المستعان

وقال وهب بن منبه في قوله: يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [سورة الأعراف:27] قال: "كان لباس آدم وحواء نوراً على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عروة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوءاتهما" [رواه ابن جرير بسند صحيح إليه].

قول وهب بن منبه: "كان لباس آدم وحواء نوراً على فروجهما.." هذا لا دليل عليه، ولهذا فإن ابن جرير -رحمه الله- لما ذكر هذه الأقوال لم يحدد شيئاً منها بل قال: هذا كله لا دليل عليه، فقد يكون هذا أو هذا أو هذا، والله تعالى أعلم.

ثم إنه لا فائدة من معرفة ذلك هل كان نوراً أو حريراً أو غيره، لكن المهم أن نعرف أن الستر أمر فطري، وأنه مما ينبغي على الإنسان أن يفعله، وأن التعري من عمل الشيطان وتزيينه الذي يدعو إليه.

إن معاقل إبليس في هذه الدنيا كثيرة ومن معاقله وأوكاره دور الأزياء العالمية التي يصممون فيها الأزياء ويصيحون في هذا الخلق صيحة في المغرب يتداعى لها الناس في أقاصي المشرق أن قد ظهرت ألبسة في غاية العري، والله المستعان.

وروى عبد الرزاق عن قتادة قال: "قال آدم: أي رب أرأيت إن تبت واستغفرت، قال: إذن أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأله التوبة، وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله.

وقال الضحاك بن مزاحم في قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [سورة الأعراف:23] هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

  1. سيأتي تخريجه عند تمامه.
  2. أخرجه النسائي في كتاب الجهاد - باب ما لمن أسلم وهاجر وجاهد (3134) (ج 6 / ص 21) وأحمد (16000) (ج 3 / ص 483) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1652).
  3. أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1200) (ص 411) وأبو داود في كتاب الأدب - باب ما يقول إذا أصبح (5076) (ج 4 / ص 479) والنسائي في عمل اليوم والليلة – باب ما يقول إذا أمسى (10401) (ج 6 / ص 145) وأحمد (4785) (ج 2 / ص 25) وابن حبان (961) (ج 3 / ص 241) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد برقم (508).

مواد ذات صلة