الأربعاء 04 / شوّال / 1441 - 27 / مايو 2020
(001) من أول السورة – إلى قوله تعالى (وأقيموا وجوهكم..) الآية 29
تاريخ النشر: ٣٠ / جمادى الأولى / ١٤٣٩
التحميل: 712
مرات الإستماع: 735

"الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:

قال المصنف - رحمه الله تعالى -: سورة الأعراف قوله تعالى: المص تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة."

سورة الأعراف سميت بهذا الاسم لوروده فيها وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: 46] وهذه السورة من السور النازلة بمكة، ونقل عليه بعض أهل العلم الإجماع، واستثناء بعض الآيات يحتاج إلى دليل، الأصل أن السورة نازلة في مكة، وأن جميع الآيات نازلة بمكة إلا بدليل، وليس ذلك بناء على معنى يلوح للمفسر.

وأما الحروف المقطعة فمضى الكلام فيها، وأن الأقرب أنها حروف مباني يعني من حروف التهجي لا معنى لها في نفسها، ولكنها تشير إلى معنى الإعجاز، أن القرآن مركب من هذه الحروف، وأنتم عاجزون عن الإتيان بمثله.

"قوله تعالى: حَرَجٌ مِنْهُ أي: ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، وقيل: الحرج هنا الشك، فتأويله كقوله فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: 60]."

يقول: الحرج الضيق هذا هو اختياره كما هو معلوم يقدم القول الذي يرجحه، ثم يذكر بعده القول الآخر بقيل، ونحو ذلك، الحرج الضيق؛ وسبق الكلام على هذا المعنى في الغريب، وفي غيره.

والحرجة هي الشجرة تكون بين الشجر لا يوصل إليها، ومنه قولهم في أبي جهل حينما جاء في يوم بدر بين المقاتلين، وهم يحملون الرماح، والسيوف، ونحو ذلك، فوصف بأنه في مثل الحرجة، يعني: لا يوصل إليه فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: 2] يعني ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، فالله يحفظك، أو لا يضيق صدرك لكونهم لم يؤمنوا بهذا الذي جئت به، ولم يستجيبوا لما دعوتهم إليه.

فهذا المعنى الأول الذي ذكره ابن جزي - رحمه الله - هو قول الجمهور، كما قال الله - تبارك، وتعالى -: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا [هود: 12] وهكذا في قوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر: 97] وهكذا: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ يعني: مهلك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: 6].

وكذلك أيضًا يدل على هذا المعنى يعني تفسير الحرج بالضيق يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام: 125] يعني: في غاية الضيق لا يتسع للهدى، وهكذا في قوله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] يعني من ضيق.

أما تفسيره بالشك فهذا قال به بعض السلف كمجاهد، وقتادة، والسدي[1].

وابن جرير - رحمه الله - جمع بين هذين المعنيين[2] على طريقته - رحمه الله - حيث يكون اللفظ يحتمل، ولا دليل على إرادة أحد هذه المعاني.

فهذا نهي عن الحرج فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: 2] يعني: الضيق، والحرج أيضًا يمكن أن يكون بمعنى الشك فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: 60] لكن المعنى المتبادر هو الأول، لا يكون في صدرك ضيق من أي وجه، سواء من التكذيب، أو التبليغ؛ لأنه إن كذبوه شق عليه، وثقلت الدعوة، وتبليغ ما أمر الله به، وهكذا ما يسمع منهم من الباطل، والأقاويل التي يقولونها فيه، وفي القرآن، فإن ذلك يضيق به صدره - عليه الصلاة، والسلام - .

"قوله تعالى: لِتُنْذِرَ متعلق بـ أنزل."

كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ [الأعراف: 2] يعني: أنزل إليك لتنذر من أجل الإنذار، واللام هذه للتعليل، كما قال الله - تعالى -: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص: 46] فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: 14] لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف: 3].

"قوله تعالى: وَذِكْرَى منصوب على المصدرية بفعل مضمر تقديره لتنذر، وتذكر ذكرى؛ لأن الذكر بمعنى التذكير، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مخفوض عطفًا على موضع لتنذر أي للإنذار، والذكرى."

يقول: متعلق بـ أنزل، متعلِق بالكسر، أما المتعلَق، فيقال ذلك في المعمول المحذوف، ونحو ذلك يقال مثلاً حذف المتعلق يفيد العموم النسبي، حذف متعلقه، ونحو هذا الفتح، وهو المقدر المحذوف.

أما هذا حينما يقال لتنذر متعلق بـ أنزل، وهكذا في قوله لتنذر، وتذِّكر في الطبعة الجديدة.

يقول: وَذِكْرَى منصوب على المصدرية بفعل مقدر تقديره لتنذر، وتذِّكر ذكرى.، وعرفنا أن المصدر هو ما يأتي ثالثًا في تصريف الفعل، وتذكر ذكرى.

وتذكر تذكيرًا، والذكرى اسم بمعنى المصدر، يقول: "لأن الذكر بمعنى التذكير" التذكير هو المصدر، ذكر يذكر تذكيرًا، فهو يأتي ثالثًا في تصريف الفعل، هذا كما قال الله : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم: 97] فالإنذار كما سبق في الغريب: هو إعلام مقترن بتخويف، مقترن بتهديد، ويأتي في القرآن بمعنى عام قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: 2] ويأتي مختصًا بالكفار، كما في هذه الآية. فالذكرى مصدر، أو اسم بمعنى المصدر، منصوب بفعل مقدر محذوف.

يقول: أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر. يعني: لتنذر به، وذكرى، وهو ذكرى، هذا المقدر المحذوف المبتدأ، ويمكن أيضًا الرفع باعتبار العطف على كتاب، التقدير عندهم - عند هؤلاء المعرِبين - هذه الحروف كتاب، وذكرى فيكون الرفع باعتبار العطف على كتاب، وكتاب مرفوع، أو يكون العطف على صفة الكتاب، والتقدير عندهم: هذه الحروف كتاب منزل إليك، وذكرى، فتكون ذكرى بهذا الاعتبار، وذكرى معطوفة على الصفة، كتاب منزل إليك، منزل هذه الصفة منزل، وذكرى.

يقول: أو مخفوض عطفا على موضع لتنذر أي للإنذار، والذكرى. لتنذر، موضع لتنذر هو الجر هي في محل جر لدخول اللام مجرور باللام لتنذر، مجرور محلاً.

فالإنذار اسم لكن تنذر فعل، والفعل لا يجر، وإنما الرفع، والنصب، والجزم، هذا بالنسبة للفعل، والجر من علامات الاسم.

 يقول: عطفًا على موضع لتنذر. يعني: للإنذار يعني من جهة المعنى، وذكرى.

"قوله تعالى: قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ انتصب قليلا بـ تذكرون، أي: تذكرون تذكرًا قليلاً، وما زائدة للتوكيد."

يعني: إنه انتصب بفعل مقدر دل عليه ما بعده قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ يعني تذكرون تذكرًا قليلاً.

وما زائدة للتوكيد. يعني قليلاً تذكركم قليل التذكر.

"قوله تعالى: أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا قيل: إنه من المقلوب، تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل: المعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ لأن مجيء البأس قبل الإهلاك، فلا يصح عطفه عليه بالفاء، ويحتمل أن فجاءها بأسنا استئنافًا على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلف، والمراد أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل: أَوْ هُمْ قَائِلُونَ."

هذه الدعاوى كون الكلام فيه تقديم، وتأخير مقلوب، أو فيه مقدر محذوف، أو نحو ذلك، كل هذا على خلاف الأصل، الأصل في الكلام الترتيب، وإذا دار الكلام بين الترتيب، أو التقديم، والتأخير فالأصل الترتيب، كما أنه إذا دار المعنى بين التقدير يعني الحذف، أو الاستقلال، فالمقدم الاستقلال، هذا هو الأصل، إلا إذا كان لابد من التقديم، لكن إذا أمكن تفسيره بمعنى يصح من غير حاجة إلى تقدير، أو دعوى تقديم، وتأخير، فهذا هو الأولى.

فقوله: أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا البأس العذاب وأصله الشدة، يقول قيل أنه من المقلوب، يعني فيه تقديم، وتأخير جاءها بأسنا فأهلكناها، ما الذي حمل هذا القائل على هذه الدعوى؟ هو نظر أن الإهلاك مسبب عن البأس، يعني جاء البأس فحصل الهلاك، فلما نظر إليها بهذا الاعتبار قال: فيه تقديم، وتأخير، ويعللون هذا التقديم بعلل بلاغية أن المقصود مثلاً هذا في بيان عاقبة هؤلاء المكذبين، ونحو ذلك، فقدم العقوبة قدم النتيجة الهلاك ليحصل الردع.

يقول: وقيل: المعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا. لاحظ هنا احتاج إلى تقدير، وقبله احتاج إلى دعوى تقديم، وتأخير، أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، وهذا خلاف الظاهر تمامًا أهلكناها فجاءها بأسنا، الله يقول: أَهْلَكْنَاهَا هنا يقول: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، يعني لم يحصل الهلاك.

يقول: لأن مجيء البأس قبل الإهلاك، فلا يصح عطفه عليه بالفاء. لكن هذا بناء على ما فهموا، ما ذكره احتمالاً هنا أن يكون فَجَاءَهَا بَأْسُنَا من قبيل الاستئناف، يعني: أخبر الله عن إهلاكها، ثم بعد ذلك بيَّن صفة هذا الإهلاك على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج هذا القول إلى دعوى تقديم، وتأخير في الكلام، ولا يحتاج أيضًا إلى تقدير، فيكون هذا الاعتبار هو الأولى - والله أعلم -.

يقول: والمراد أهلكنا أهلها. هذه قضية أخرى باعتبار أن الإهلاك أضيف إلى القرية، وهم يقولون بأن القرية جماد، ومباني، وما يحتف بها طرق، ونحو ذلك، وهذه لا يحصل لها الإهلاك، وإنما الإهلاك لأهلها، فيقولون هذا من قبيل المجاز، العلاقة فيه الحالية، والمحلية، يعني حال، ومحل، فالمحل هو القرية، والحال هم أهلها، فيتجوز في التعبير عن الموضع بالحال فيه، وهم أهله، يقول: أهلكنا القرية، والمقصود أهل القرية وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] يعني: اسأل أهل القرية هكذا يقولون.

يقول: بدليل، أو هم قائلون. يعني أهل القرية.

على كل حال، لا شك أن المراد أهل القرية بصرف النظر هل هذا من قبيل المجاز، أو أن العرب تتوسع في الاستعمال، وتعبر بأحد هذين عن الآخر، يعني تعبر بالقرية عن أهلها مثلاً، ولا إشكال في ذلك، فالمعنى المتبادر هو الحقيقة، وتبادره يكون من جهة السياق، والإلحاق، ونحو ذلك، ولا إشكال.

"قوله تعالى: بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: 4] مصدر في موضع الحال، بمعنى: بائتين، أي: بالليل، وقائلون: من القائلة: أي بالنهار، وقد أصاب العذاب بعض الكفار المتقدمين بالليل، وبعضهم بالنهار، وأو هنا للتنويع."

يقول: بياتًا مصدر في موضع الحال بمعنى: بائتين أي بالليل. البيات يعني بياتًا ليلاً؛ لأن الليل هو وقت البيات، يقال يعني أقام بالليل سواء كان نائمًا، أو لم ينم يقال له: بيات.

يقول: وقائلون، من القائلة: أي بالنهار. يعني: في منتصف النهار، وليس في النهار، ولكنه إنما ذكر النهار مقابلة بالليل، وإلا الأصل أن القائلة هي منتصف النهار وقت القائلة، يعني: في وقت غفلتهم، وهم نائمون ليلاً، أو في وسط النهار.

يقول: وأو هنا للتنويع. المؤلف يذكر مثل هذا في مواضع من كتابه أن، أو للتنويع، وذكر هذا في معانيها في الغريب قبل، ذكر لها عدة معاني، منها التنويع، هذا يصلح مثالاً على ذاك، يعني: الذي في الغريب الألفاظ الغريبة لو ترجعون إلى الغريب، وما ذكر في معاني أو، ذكر للتنويع، فهذا يمثل له من كلام المؤلف بهذا المثال، بصرف النظر هل، أو هنا للتنويع، أو لا؟ بعضهم يقول: للتفصيل، وقلما يستعملون للتنويع في معاني، أو بالنسبة لاستعمالات، أو بالنسبة للتفسيرات الأخرى.

"قوله تعالى: دَعْوَاهُمْ أي: ما كان دعاؤهم، واستغاثتهم إلا للاعتراف بأنهم ظالمون، وقيل: المعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك."

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ الدعوى هنا فسرها بالدعاء، لما نزل بهم الشدة، والعذاب، وبأس الله والهلاك لم يكن لهم دعاؤهم إلا الاعتراف بظلمهم، أو ما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا الاعتراف بظلمهم، كما في قوله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا ويْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الأنبياء: 11 - 15].

فهذه تفسر آية الأعراف فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ يعني: الاعتراف بظلمهم، ما كان قولهم إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين، وذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - نحوًا من هذا المعنى، يعني: ما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم مستحقون: أنهم حقيقون بهذا[3] يعني: العذاب، فالدعوى هنا تكون بمعنى القول.

فالمعنى الأول الذي ذكره المؤلف: الدعوى بمعنى الدعاء، وما كان دعاؤهم، واستغاثتهم، ولكنهم هنا لم يدعوا، وإنما اعترفوا قالوا: إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ولهذا فسره من فسره بالقول، لكن يمكن أن يفسر بالدعاء باعتبار يَا ويْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فتضمن الدعاء، والاعتراف، وهذا معنى كلام المؤلف: وما كان دعاؤهم، واستغاثتهم إلا للاعتراف. على كل حال، لو قال: إلا الاعتراف بأنهم ظالمون، فهذا أوضح.

يقول: وقيل: المعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك. كان دعواهم، ما كانوا يدعون، يعني: من عبادة غير الله ونحو ذلك أنه حق، فلما رأوا العذاب اعترفوا بظلمهم، وتبين لهم بطلان ما كانوا عليه.

"قوله تعالى: أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أسند الفعل إلى الجار، والمجرور، ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أجيبوا به."

هذا سؤال الأمم يمكن أن يكون من قبيل التوبيخ لهم، وليس الاستعمال؛ لأن الله يخفى عليهم ذلك ماذا أجابوا الرسل - عليهم الصلاة، والسلام - وهذا كقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 65].

وهكذا في قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92] فالأمم تسأل، والرسل أيضًا يسئلون يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا [المائدة: 109] فهذا ليس بسؤال تقريع، وتوبيخ، وإنما يمكن أن يكون بمعنى التقريع، والتوبيخ بالنظر إلى المكذبين من أممهم.

فيسأل الرسل والله أعلم بما أجابهم أقوامهم، يقول: ماذا أجبتم، ويسألون - عليهم الصلاة، والسلام - عن الرسالة، وجاء نحو هذا المعنى عن ابن عباس - ا - من طريق أبي طلحة، يعني سؤال الرسل عن البلاغ، وهذا الذي ذهب إليه ابن كثير - رحمه الله -[4].

"قوله تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي: على الرسل، والأمم."

بمعنى الإخبار فلنخبرنهم بما كان منهم من قول، وعمل، والقصص هي الأخبار المتتابعة، وجاء عن ابن عباس - ا - أن هذا القصص يكون بوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون[5].

"قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يعني وزن الأعمال."

كما قال الله : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47] وَالْوَزْنُ يَوْمئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 8] هذه القرينة التي فسر بها - والله أعلم - بأن الوزن أي وزن الأعمال، وإلا فالوزن يكون للأعمال، ويكون للسجلات، ويكون أيضًا للعاملين.

فوزن الأعمال كما جاء عن النبي ﷺ في بعض الأعمال أنها أثقل في الميزان من كذا، وكذا.

وكذلك وزن العاملين، قال ﷺ : إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْنًا [الكهف: 105][6].

كذلك قال في ساقين ابن مسعود كانت رقيقة، فقال: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد[7].

فالعاملون يوزنون، وكذلك الصحف حديث البطاقة[8] والسجلات، فكل ذلك يوزن وَالْوَزْنُ يَوْمئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 8].

 
"قوله تعالى: يَوْمئِذٍ أي: يوم يسأل الرسل، وأممهم، وهو يوم القيامة."

قوله تعالى: بِآيَاتِنا يَظْلِمُونَ أي: يكذبون بها ظلما."

قوله تعالى: خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ قيل: المعنى أردنا خلقكم، وتصويركم ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وقيل: خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف." 

قوله: خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ قيل: المعنى أردنا خلقكم، وتصويركم ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وقيل: خلقنا أباكم، ثم صورناه، يقول: وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف.

عطف التصوير على الخلق خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف: 11] فعطف عليه أمر الملائكة بالسجود.

هنا يقول: قيل أردنا خلقكم، وتصويركم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أردنا خلقكم، هذا باعتبار أن الخطاب لعموم الخلق، إخبارا عن حالهم خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ يعني: أردنا خلقكم، وتصويركم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.

لكن المعنى الثاني الذي ذكره: خلقنا أباكم، يعني آدم ثم صورناه، وهذا الذي اختاره ابن جرير[9] وابن كثير[10] ومن المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي[11] والسعدي[12] والطاهر ابن عاشور[13].

خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ صورنا آدم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وهذا هو الأقرب- والله أعلم -. 

وخطابهم بذلك، يعني خطاب الذرية خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ المقصود خلق آدم باعتبار أن الذرية قد تخاطب بما وقع لآبائها، وهذا كثير في القرآن، وذكرنا له أمثلة في خطاب بني إسرائيل وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الأعراف: 141] والذين أنجوا كانوا أجداد الذين خوطبوا بذلك وقت نزول القرآن.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55] وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ واحِدٍ [البقرة: 61] إلى غير ذلك كثير.

فالذرية تخاطب بما وقع لأسلافها في الخير، والشر يعني في مقام الإنعام، وفي مقام الذم، فيما يتعلق بالإنعام فإن النعمة الحاصلة للآباء واصلة للأبناء، والذرية، فيمتن عليهم بذلك وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الأعراف: 141] وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ والسَّلْوَى [الأعراف: 160] ونحو هذا النعمة الحاصلة للآباء واصلة للأبناء.

وفي الشر: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55] ونحو هذا، هذا على اعتبار ما إذا كانوا على طريقتهم، إن كانوا على طريقة الأسلاف في الشر، والكفر، والعتو على الله - تبارك، وتعالى - فتكون المذمة تلحقهم، فيذكرهم بما ذكر أسلافهم، قلتم كذا فعلتم كذا قتلتم الأنبياء، وكذبتم الرسل، بهذا الاعتبار.

فهنا خوطبت الذرية بما،وقع لآدم فخاطب الجميع خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف: 11] فيكون المراد بـ خلقناكم، أي: خلقنا أبيكم آدم، فأضاف ذلك إلى الذرية؛ لأنها منة يمتن الله بها عليهم، فما وقع لأبيهم آدم من التكريم يصل إلى ذريته، فهذا المعنى أقرب - والله أعلم - من تفسيره بإرادة الخلق، والتصوير.

قال: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ والذي يظهر - والله أعلم - فيما يتعلق بأمر الملائكة في السجود لآدم: أن الله أخبرهم قبل خلقه، وأمرهم إذا خلقه أن يسجدوا له، هذا أولاً، يدل عليه: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ويَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة: 30].

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف: 50] وآية البقرة هذه، وإن كانت تحتمل يعني بعدما خلقه أمرهم بالسجود، لكن قوله: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر: 29]؛ فيه تصريح بأنه أمرهم بالسجود قبل خلقه، وكذلك أمرهم - والله أعلم - بالسجود بعد خلقه، كما تدل عليه هذه الآية.

فلما خلقه أمرهم بالسجود له، يعني: أعلمهم قبل خلقه أنه سيخلق آدم فإذا خلقه فهم مأمورون بالسجود له، فلما خلقه أمرهم فعلاً بالسجود هذا الجمع بين الآيات خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.

يقول: "وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف" وبعضهم يقول: خَلَقْنَاكُمْ يعني: باعتبار الخطاب للذرية خلقناكم نطفًا، ثم صورناكم بعد ذلك، وقيل خلقنا آدم من تراب، ثم صورناكم في ظهره، في صلب آدم، لكن هذا بعيد.

وبعضهم يقول: بأن، ثم هنا بمعنى الواو، يعني لا تقتضي الترتيب، وإنما مطلق الجمع، يعني خلقناكم من ظهر آدم، ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق، استخرجهم كأمثال الذر من صلب أبيهم آدم .

وبعضهم يقول: خلقنا الأرواح، ثم صورنا الأشباح، وبعضهم يقول: خلقوا في الأصلاب، ثم صوروا في الأرحام، يعني: ما تكون في آدم أصلاً .

وبعضهم يقول: خلقوا في ظهر آدم، ثم صوروا في أرحام الأمهات.

والأقرب - والله أعلم -: خلقناكم أي خلقنا أباكم آدم، فأضاف ذلك إليهم باعتبار ما ذكرت من مخاطبة الذرية بما وقع لآبائها، لأسلافها ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ صورنا أباكم آدم ثم أمرنا الملائكة بالسجود له.

"قوله تعالى: أَلَّا تَسْجُدَ لا زائدة للتوكيد."

مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ لا نافية، ما منعك أن لا تسجد، فالمنع يدل على الجحد، وهنا كيف يكون المعنى ما منعك أن لا تسجد فاجتمع جحدان؟، ولهذا قالوا بأن لا هذه زائدة للتوكيد، يعني: العرب تأتي بلا هذه للتوكيد، كما تدخل في القسم على أحد الأقوال المشهورة لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: 1] لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: 1] يعني أقسم، فتكون لتوكيد القسم.

فهي هنا يقولون زائدة لتوكيد النفي، لئلا تجتمع مع جحد آخر، فيكون جحدان مَا مَنَعَكَ اجتمع الجحود، والنفي، وإتيان لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد هذا كثير في كلام العرب، وجاء في القرآن، والقرآن نزل بلغة العرب، وهذا المعنى اختاره الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله -[14] أن لا هذه صلة.

وبعضهم يقول: ما منعك مضمنة يعني فعل المنع هنا معنى فعل آخر هو ألجأ، فلا تكون زائدة، ما ألجأك، لئلا يجتمع جحد، ونفي، فتكون معنى منع بمعنى جحد، أو مضمن معنى آخر، وهو ألجأ فيكون ما ألجأك يصح أن يقال مع أن لا تسجد، ما ألجأك، وأحوجك أن لا تسجد، هذا المعنى اختاره أبو جعفر ابن جرير[15] واستحسنه ابن كثير[16].

وهذا المعنى لا يحتاج معه إلى دعوى الزيادة، والأصل عدم الزيادة، وإذا دار الكلام بين دعوى الزيادة، وعدمها فالأصل عدم الزيادة، وتكلمنا على مسألة الزائد في القرآن، هل يوجد زائد في القرآن، أو لا؟

طبعًا هم يقصدون زائدا إعرابًا كما نبهنا مرارًا، وإلا بالإجماع لا يوجد حشو في القرآن، كما قال صاحب المراقي: ولم يكن بالوحي حشو يقع.

لأن هذا نقص، ولا شك أنه إزراء في القرآن إذا، وجد فيه كلام لا معنى له، ولا فائدة منه، ولكنهم يقولون هو زائد إعرابًا، ولكن له معنى من ناحية اللغة، والبلاغة، فهو يفيد التوكيد، ونحو ذلك؛ لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى دائمًا.

وهذا القول الآخر يسلم الدعوى في الزيادة، وأما التضمين فهو موجود في القرآن، وفي كلام العرب أن يضمن الفعل معنى الفعل فيعدى تعدية، وذكرنا لهذا أمثلة كثيرة، يعني يكون فعل بداخله معنى فعل آخر يعرف هذا من خلال الحرف المعدى به، أو نحو ذلك، مثلنا لهذا بأمثلة، كقوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان: 6] هل يشرب منها حرف مضمن معنى الحرف، أو يشرب بها يعني يلتذ بها، أو يرتوي بها، فيصح فعل الارتواء، أو الالتذاذ أن يعد بالباء يلتذ بها يرتوي بها، فصار ذلك يدل على معنى الشرب، والالتذاذ، والارتواء، فهذا أبلغ، وهو الذي يسميه الحافظ ابن القيم - رحمه الله - مذهب فقهاء النحاة[17] هذا مذهب البصريين، بخلاف الكوفيين الذين يقولون: بتضمين الحرف معنى الحرف، فالقول الثاني أسلم من القول بالزيادة.

"قوله تعالى: إِذْ أَمَرْتُكَ استدل به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب، والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود."

هذا مشهور في كتب الأصول أن الأمر يقتضي الفور، يعني فورًا بلا مهلة، يعني مثلاً حينما أمر الله بالحج هل هذا على المهلة بحيث يحج متى شاء، والظرف لذلك العمر في حال تغليب السلامة، أو يكون ذلك للفور متى، وجدت القدرة يجب عليه أن يحج، ولا يؤخر إلا ما دل الدليل على التوسعة فيه فيلأوقات الصلوات، ونحو ذلك، فالأمر للفور، كذلك أيضًا هو للوجوب إلا لصارف، فيستدلون على هذا بأدلة من النقل، ومن النظر، واللغة.

يقول: إذا أمر عبده، وقال له افعل كذا فتباطأ باعتبار أن ذلك موسع، يقول: فإنه يستحق العقوبة، وهذا هو الأقرب أن الأصل في الأمر أنه للفور إلا بدليل، وكذلك بالوجوب إلا لصارف.

"قوله تعالى: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ تعليل علّل به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله - تعالى - في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود."

هذا الآن مقابلة النص بالعقل، والقياس، يعني: معروف أن القياس الباطل ما كان مخالفًا للنص، فهذا يكون فاسد الاعتبار، يقدح فيه بالقادح المعروف فساد الاعتبار، كل ما خالف النص من القياس فهو فاسد الاعتبار عند الأصوليين هكذا يسمونه، ويقولون: أول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس، وقد رد عليه العلماء من وجوه كثيرة، رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وممن رد عليه ردًا مطولاً أيضًا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.

وبيَّنوا فساد قياس إبليس بأنه خير من آدم باعتبار أنه من نار، وأن آدم من الطين، وبينوا أن الطين أفضل من النار من وجوه متعددة، قالوا النار متلفة، محرقة، إذا، وضع فيه الشيء أحرقته، بينما الطين توضع فيه الحبة فتكون شجرة مثمرة، والنار من طبعها الخفة، والطين من طبعه الرزانة، ولذلك الجن لما كانوا خلقوا من نار كان من طبعهم الخفة، وكما قال شيخ الإسلام - رحمه الله - بأن الغالب فيهم الظلم فيهم خفة[18] إلى غير ذلك من الوجوه التي ذكروها، فليس لأحد أن يقابل النص برأيه، فيكون بذلك مشابهًا لإبليس.

"قوله تعالى: فَاهْبِطْ مِنْهَا أي: من السماء."

فَاهْبِطْ مِنْهَا هذا الذي اختاره الواحدي[19] والقرطبي[20] وبعضهم يقول: فَاهْبِطْ مِنْهَا أي: من الجنة، وهذا الذي اختاره ابن جرير[21] وابن عطية[22] ومن المعاصرين الشيخ عبد الرحمن السعدي[23].

لا شك أن الهبوط يدل على النزول من أعلى، لكن هل كان إبليس في الجنة، أو كان في السماء في الملأ الأعلى، أم كان ملكًا من الملائكة؟ من يقول: إنه ملَك من الملائكة؛ يقول: كان في الملأ الأعلى، وهذا قول لجمع من أهل العلم كما هو معروف، والأقرب أنه ليس من الملائكة كما تدل عليه آية الكهف كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف: 50] والذين يقولون بأنه من الملائكة، يقولون الجن قبيل من الملائكة، وهذا لا حاجة إليه بل كان من الجن كما هو الظاهر المتبادر أن الجن هم الذين خلقوا من نار كما في الحديث: خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم[24] يعني: من الطين.

فالقولان بينهما ملازمة، من جهة أنه من قال بأنه أمر بأن يهبط يعني من الجنة فَاهْبِطْ مِنْهَا؛ لأن الضمير يرجع إلى الجنة فالجنة في السماء وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ومَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 21] لكن القول بأنه أمر بأن يهبط من السماء لا يلزم منه أن يكون في الجنة-  والله أعلم - لكن هنا الضمير يعود إلى غير مذكور، والضمير إذا كان يعود إلى غير مذكور يعني في اللفظ قبله؛ فإنه يفهم من السياق يعني ما يعود إليه.

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] هنا هذه أول آية في السورة، والضمير أنزلناه يعود إلى ماذا؟ غير مذكور في السياق قبله إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فهنا قطعًا المراد القرآن، فهذا يفهم من السياق.

فهنا فَاهْبِطْ مِنْهَا يحتمل أن يكون السماء، ويحتمل أن يكون الجنة؛ باعتبار أن آدم كان في الجنة، لكن هل يعني هذا أن إبليس كان في الجنة؟ - والله أعلم -.

"قوله تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي الباء للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية، ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر."

الباء للتعليل، يقول: تتعلق بقسم محذوف يعني بسبب إغوائك لي فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، ويمكن أن تكون الباء هذه للقسم، يعني: فأقسم بإغوائك لأقعدن لهم فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي أقسم بإغوائك فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي فما مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر، تؤول مع الفعل بعدها بما أغويتني، بإغوائك، أقسم بإغوائك، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره أقسم بسبب إغوائك.

الكلام ليس في الفاء، وإنما الكلام في الباء عدلوها كل النسخ كذلك، هذا غلط، فبما أغويتني، الفاء تأتي للتعليل لكن هنا الكلام للباء، يقول تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره أقسم بالله بسبب لما ذكر سبب هذا واضح أنه هو التعليل يقصد الباء، ولا يقصد الفاء، الباء، وليس الفاء، وكما سبق أنه يمكن أن تكون الباء للقسم، وليست للتعليل فبإغوائك، أقسم بإغوائك لأقعدن.

يقول: "بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم" بما أغويتني يعني أضللتني، كما جاء عن ابن عباس - ا -[25] والغي هو جهل من اعتقاد فاسد، وهو يقابل الرشد، وما مصدرية بما أغويتني تؤول بما بعدها بمصدر، وقيل: استفهامية، ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي يعني: لو كانت استفهامية تحذف الألف، فيقال: فبم، لم فعلت ذلك بدون ألف، لم، فهذا وجه صحيح في بيان بطلان بعض الأقوال أنها خطأ في اللغة.

هنا هذا مثال على بعض المعاني، والتفسيرات التي مبناها على غلط لغوي عند المفسر يعني ترد بهذه الطريقة هذه من طرق الترجيح، طرق الترجيح كثيرة جدًا غير قواعد الترجيح، طرق الترجيح في التفسير، فمنها هذا النوع، أن يكون أحد الأقوال قد بني على معنى غير صحيح في اللغة، فلو كانت ما هذه استفهامية، ففيها ألف ما بما أغويتني، يعني: بماذا أغويتني، هذا يُفسد المعنى هذا بالإضافة إلى وجود الألف فبما، لو كانت استفهامية لقال فبم أغويتني.

"قوله تعالى: صِرَاطَكَ يريد: طريق الهدى، والخير، وهو منصوب على الظرفية."

وهو منصوب على الظرفية،"

أو لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ الصراط صار ظرفًا للقعود، وموضعًا له، أو منصوب على نزع الخافض حرف الجر على، والتقدير: لأقعدن لهم على صراط، لو كانت على موجودة لقال على صراطك، فلما نزع حرف الجر انتصب الفعل، فلأقعدن لهم صراطك، أو على أنه مفعول به لفعل أقعدن، على تضمين الفعل قعد معنى فعل متعدٍ؛ لأن قعد هذا فعل قاصر يكون التقدير: لألزمن صراطك المستقيم بقعودي عليه لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ فصراطك هنا منصوب يحتمل هذه الأوجه من الإعراب في نصبه، لأقعدن لهم صراطك، والمقصود بالصراط هنا طريق الهدى، والخير، يعني هو الإسلام، وشرائعه.

الإسلام، وشرائعه، ويدل على هذا الحديث المشهور: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم، وتذر دينك، ودين آبائك، وآباء أبيك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر، وتدع أرضك، وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس، والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال، فعصاه فجاهد، فقال رسول الله ﷺ : فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو، وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة[26] فالوقص كسر العنق، وقصته دابة، فهذا يفسر ما جاء في الآية: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ.

"قوله تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيّئات[27]."

هذا جاء ثابت عن ابن عباس - ا - من طريق ابن أبي طلحة، أيضًا من بين أيديهم، قال أشككهم في أخرتهم، ومن خلفهم قال أرغبهم في دنياهم، وعن أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم أشهي لهم طريق المعاصي[28].

وأما الرواية الثانية عن ابن عباس هي التي ذكرها ابن جزي من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيّئات.

المقصود أنه توعد أن يأتيهم من كل ناحية، وذكر النواحي الأربعة، فيأتيهم في أمور دينهم، ودنياهم، وبطريق الشهوات، والشبهات.

"قوله تعالى: مَذْؤُمًا من ذأمه بالهمز إذا ذمه."

يعني بأبلغ الذم، ذمه بأبلغ الذم، والذأم العيب، أو العيب الشديد، وهكذا يدل أصل هذه المادة على العيب، والكراهة، ولهذا فسره ابن جرير - رحمه الله - بالمعيب[29] مَذْؤُمًا يعني: معيبًا مستحقًا للذم، والعيب.

"قوله تعالى: مَدْحُورًا أي: مطرودا حيث وقع."

حيث وقع يعني في القرآن، إذا رأيت هذه اللفظة، فهي بمعنى الطرد، فالدحر بمعنى الطرد، والإبعاد، وجاء عن ابن عباس - ا - من طريق ابن أبي طلحة: صغيرًا مقيتًا[30] وجاء عن السدي مقيتًا مطرودًا[31] المقيت يكون تفسيرًا للمذؤم، وعن قتادة لعينًا مقيتًا[32] وعن مجاهد منفيًا مطرودًا[33].

على كل حال، الدحر يدل على الطرد، والإبعاد، فهو مذؤم، بمعنى أنه بعيد، ومبعد، فالإبعاد اجتمع مع الذم، والعيب، فقد يوجد الذم، والعيب من غير إبعاد، وقد يوجد الإبعاد من غير ذم، وعيب، فهنا أبعد مع استحقاقه للعيب.

"قوله تعالى: فَوَسْوَسَ إذا تكلم كلامًا خفيًا يكرره، فمعنى وسوس لهما: ألقى لهما هذا الكلام."

هذه الألفاظ التي يتكرر فيها الحروف مثل: الوسوسة – صلصلة – جلجلة، ونحو ذلك تكرر الحروف يدل على تكرر في المعنى، أو الحدث، أو الفعل، أو ما تضمنه اللفظ، يدل على تكرر فيه، دائمًا إذا رأيت لفظة فيها تكرر في الحروف فهي تدل على التكرار؛ يعني مثلاً: الوسوسة، تقال للخطرة السيئة الرديئة التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، وتقال لحديث النفس، وإلقاء الشيطان ما لا ينفع من الخواطر، والوساوس.

والوسوسة تقال لصوت الحلي لما يضطرب فيخرج من صوت متكرر، هذا يقال له وسوس بهذا الاعتبار، المعنى الذي ذكرته في أصل اللغة، يدل على تكرر في الصوت وسوس، وأصوات الحلي إذا اضطربت فيها تكرر، فهذه يقال لها وسوسة وسوسة الحلي، أو صوت الحلي، يقال لها وسوسة، وكذلك الهمس الخفي يقال له وسوسة، أو خصوص ما يقصد به الإضلال منه من الصوت الخفي، فأصلها تدل على صوت خفي، أو رفيع.

على كل حال، المقصود بذلك ما يلقيه الشيطان في قلب العبد من الخواطر السيئة، وتزيين المنكر، والكفر بالله والضلال، ويُلبس عليه في دينه، أو يوقع في قلبه المخاوف، ونحو هذا، يوهمه بالأمراض، يوهمه بالمكروه، يترقب الشر يترقب المكروه كل هذا من إلقاء الشيطان.

فإذا أصغى إليه العبد شغله بهذه الأمور، إذا يئس من إضلاله يعني يدعوه إلى الكفر، فإن لم يستطع فالبدع، فإن لم يستطع فالكبائر، فإن لم يستطع فالصغائر، فإن لم يستطع أشغله؛ يُلبس عليه طهارته، يلبس عليه صلاته، يلبس عليه في أمر دينه، إذا قرأ القرآن صارت الخواطر السيئة في عقله، إذا تفكر في عظمة الله تأتيه الخواطر السيئة، هذا يقع للمؤمن، ولا يضره.

فإن عجز عنه كما قال ابن القيم: أجلب عليه بخيله، ورجله شياطين الإنس، والجن، يشنعون عليه، ويذمونه، ويلمزونه، ويعيبونه، ويتنقصونه، ونحو ذلك يسلط عليه أعوانه، وجنده بالأذى.

"قوله تعالى: لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا أي: ليظهر ما ستر من عوراتهما."

مِنْ سَوْآتِهِمَا يعني: العورات، أو كناية عن الفرج، وبين المعنين الملازمة، فلما بدت هذه العورات صارا يخصفان عليهما من، ورق الجنة لسترها، فما كانت عوراتهما بادية في الجنة، ولذلك فإن الستر كما يقول الطاهر بن عاشور يعني هذا الصنيع من آدم، وحواء يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ ورَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: 22] يقول: هذا أول نموذج حضاري في بداية الخليقة[34] وهو ستر العورات بخصف، ورق الشجر.

فالستر لا شك أنه مظهر حضاري بخلاف التكشف، وإظهار العورات، وإبدائها، ونحو ذلك فهذا عمل جاهلي وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: 33] نسبة إلى الجهل، وللأسف كثير من النساء تظن أنها إذا تكشفت، وأظهرت، وحملت معها كتاب رواية تقرأها في السيارة في المقعد الخلفي أنها بهذا مثقفة، وحضارية، وأنها امرأة عصرية، وما عرفت المسكينة أن ذلك جهل يضعها من مراتب عليا إلى ما دونها بحسب ما عندها من التضييع بهذا الباب.

"ليظهر ما ستر من عوراتهما" سميت العورة بهذا؛ لأنه يسوء صاحبها انكشافها، وكل ما سميت سوءة، وكل ما يحترز له، ويحتاط له يقال له عورة، ولهذا قال النبي ﷺ : المرأة عورة[35] قاله النبي ليس على سبيل النقص، والعيب، وإنما كل شيء يحتاط له، ويصان، ويحفظ فهو عورة بهذا الاعتبار، المرأة تصان، وتحفظ، ولذلك فإن المنافقين قالوا: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ [الأحزاب: 13] لا يقصدون الذم، والعيب، بل يقصدون بأنها مكشوفة عرضة للسرَّاق، ونحو ذلك ليس هناك من يحرسها.

"واللام في قوله ليبدي للتعليل إن كان في انكشافهما غرض لإبليس، أو للصيرورة إن وقع ذلك بغير قصد منه إليه."

ذكر هذين الاعتبارين، يعني اللام هنا هل هي للتعليل، هل كشف هذه العورات مقصود لإبليس لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا هل هو قصد هذا بما فعل من الوسوسة إلى آخره، أو قصد إخراج آدم من الجنة، وإغوائه، ولم يقصد كشف العورة؟

فإذا قيل: بأن ذلك كان مقصودًا فاللام للتعليل، وإذا قيل لم يكن مقصوده ذلك، وإنما كان مقصوده الإغواء، والإخراج من الجنة كما هو ظاهر؛ فإن ذلك يكون للصيرورة، والعاقبة، يعني لام العاقبة.

مثل: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وحَزَنًا [القصص: 8] هم ما التقطوه من أجل أن يكون عدوا، وحزنا؛ ليكون ولدا ينفعهم، لكن لتكون العاقبة كذلك - والله أعلم -.

"قوله تعالى: الشَّجَرَةِ ذكرت في [البقرة: 35]."

وهذه الشجرة لا حاجة للاشتغال بتعينها ما نوع هذه الشجرة؛ لأن الله أبهمها، ولو كان في ذلك مصلحة لبينها، وما يذكر في هذا فهو من قبيل الإسرائيليات، ولا ينبغي الاشتغال به، لكن العلماء يتكلمون هل هي شجرة محددة معينة؟ لا شك أنها شجرة معينة - والله أعلم -هل هي شجرة بعينها بخصوص هذه الشجرة الفلانية، أو جنس شجر معين في الجنة، شجر كذا قد يكون يوجد أكثر من شجرة، فبعضهم يتكلم في هذا المعنى، والعلم عند الله .

"قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أي: كراهة أن تكونا ملكين."

وابن كثير - رحمه الله - يقول: إلا أن تكونا ملكين لئلا تكونا ملكين، أو خالدين ها هنا[36] على كل حال هذا على قول الكوفيين.

وذكر ابن جرير - رحمه الله - أن أصله: لئلا تكونا ملكين[37] يعني: منعكم ما منعكم إلا لئلا تكونا ملكين، وأن إسقاط لا نظرًا لدلالة ما ظهر عليها كما في يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176] أي أن لا تضلوا، كراهة أن تكونا ملكين إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ لئلا تكونا ملكين، أو خالدين.

"واستدل به من قال: إن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقرئ ملكين بكسر اللام."

على كل حال، هذه المسألة بعضهم يقول هذا، وبعضهم يقول: بأن الأنبياء، وصالحي البشر أفضل من الملائكة، ويستدلون على هذا أيضًا بأدلة، لكن لا حاجة لهذه المسألة، هذه المسألة لا يترتب عليها عمل، فالاشتغال بها من الفضول، والاشتغال بما لا يعني، ولا ينفع.

والشاطبي - رحمه الله - في الموافقات ذكر هذه المسائل التي لا يترتب عليها عمل، ومن، ثم لا ينبغي الاشتغال بها، فليست من العلم الذي ينفع، وإنما العلم الذي ينفع هو العلم الذي يترتب عليه عمل، أو اعتقاد صحيح يطالب به المكلف.

أما مثل هذا هل الأفضل الملائكة، أو الأفضل الصالحين من البشر؟ فهذا لا دليل عليه، ولا حاجة إليه، ولا يترتب عليه عمل، يعني: من يقولون بمثل هذا، يقولون أيضًا بأن النساء قلن في حق يوسف : مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 31] هذا قول هؤلاء النساء الذي هو حجة، لكن يمكن أن يصحح باعتبار أن ما ذكر في القرآن، وهذه قاعدة من الحكايات إن لم يرد قبله، أو بعده، أو معه ما يدل على بطلانه، فهو صحيح غالبًا وسبق ذكرت هذه القاعدة في مناسبات سابقة، وقلنا غالبًا؛ لأنه يوجد ما يستثنى منه، والقواعد أغلبية.

وما ذكره النساء في يوسف يدل على القول الآخر أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة.

"وقرئ ملكين بكسر اللام، ويقوي هذه القراءة قوله: وملك لا يبلى."

إلا أن تكونا ملكين؛ هذه القراءة تنسب لابن عباس - ا - ويحيى بن أبي كثير، والضحاك، وهي رواية علي بن حكيم عن الإمام ابن كثير القارئ المعروف[38] وهي اختيار شبل، والزعفراني.

"قوله تعالى: وَقَاسَمَهُمَا أي: حلف لهما: إنه لمن الناصحين، وذكر قسم إبليس."

حلف لهما أنه من الناصحين وَقَاسَمَهُمَا أصله من القسامة، القسامة معروفة أيمان تقسم على أولياء المقتول، ثم صار اسمًا لكل حلف، يعني سواء كان من قبيل القسامة، أو من غيرها، كما يقال في اليمين بأن أصله أن كان الواحد عند العهد، والحلف، أو التأكيد يأخذ بيمين صاحبه مع القول، ثم تنوسي ذلك فصار إلقاء اليمين لكل حلف، ويقال العهد المؤكد، ونحو هذا.

"وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين؛ لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته."

يعني: هذا بأي اعتبار الآن، قاسم على وزن فاعل، والمفاعلة في الأصل تكون بين طرفين، فهنا من الذي أقسم هو إبليس فهي من طرف واحد، فكيف جاءت صيغة المفاعلة؟

ذكرت لكم من قبل بأن صيغة المفاعلة الأصل أن تكون بين طرفين، لكن قد تأتي من طرف واحد، وذكرت لكم أمثلة مثل تثائب، تقاعس، تحامل على نفسه، تقاعد، فهذا من طرف واحد لتأتي هكذا.

فهنا يقول بأن المفاعلة يعني باعتبار المبالغة مثلاً؛ لأنه اجتهد في القسم، أو لأن أقسم لهما، وأقسما له، يعني: وجدت فعلاً من الطرفين، لكن هذا لا حاجة إليه، ولا دليل على أن هذا أقسم له إطلاقًا، وكان الذي حمل هذا القائل على هذا القول وجود لفظ المفاعلة، ولفظ المفاعلة كما ذكرت لا يلزم أن يكون بين طرفين دائمًا فهي للمبالغة، هنا - والله أعلم - ليدل على أنه حصلت بينهما في ذلك، كما يقول بعض أهل العلم مراوغات، ومحاولات بذل فيها الجهد، يعني: ما استجابا له مباشرة، وإنما كان يوسوس، ويحاول إقناعهما بطرق مختلفة، وذكر ابن كثير - رحمه الله - أنه من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين[39] يعني ما ذكرت لكم أن المفاعلة تأتي مرادة بها، تأتي، وتستعمل من طرف واحد، وهذا هو الأقرب - والله أعلم -.

"قوله تعالى: فَدَلَّاهُمَا أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة."

فَدَلَّاهُمَا أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، بعضهم يقول: أهبطهما من المرتبة العالية إلى الأكل من الشجرة؛ لأن التدلية تدل على النزول، يعني: خدعهما دلاهما، أو أوقعهما في الهلاك، أو جرأهما على المعصية، ويقال لكل من ألقى غيره في بلية دلاه في كذا، يقولون هو مأخوذ من تدلية العطشان في البئر ليروى من مائها، فلا يجد فيها ماء، فيكون مدلاً بغرور، نزل، ولم يجد شيئًا، أو أُنزل في البئر، فوضعت التدلية موضع الأطماع فيما لا يجدي نفعًا على هذا المسكين الذي دلي في البئر، ولم يجد ماء، وهو عطشان، فأصل المادة يدل على مقاربة الشيء، ومداناته بسهولة، ورفق، لكنها تدل أيضًا في أصلها على إرسال شيء من أعلى إلى أسفل.

"قوله تعالى: بِغُرُورٍ أي: غرّهما بحلفه لهما؛ لأنهما ظنّا أنه لا يحلف كاذبًا."

يقال: غره إذا أصاب غرته يعني غفلته في اليقظة، ونال منه ما يريد، فأصل المادة يدل على نقصان فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ غرهما.

"قوله تعالى: بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا أي: زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان لباسهما نورًا يحول بينهما، وبين النظر."

قيل كان لباسهما يحول بينهما، وبين النظر، نورًا بالنصب، كان لباسهما نورًا خبر كان، وهذا لا دليل عليه، يعني: أن اللباس كان نورا يحتاج إلى دليل - والله أعلم - أخبر الله عن لباس أهل الجنة السندس، والاستبرق ثياب خضر.

"قوله تعالى: يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ ورَقِ الْجَنَّةِ أي: يصلان بعضه ببعض ليستترا به."

يعني: يخصفان يرقعان، ويلصقان، أو يجعلان، ورقة على، ورقة، فأصله اجتماع شيء إلى شيء، هذا الخصف، خصف النعل يجعل طبقة فوق طبقة هذا الخصف، فيلصقان شجر الجنة بعضه على بعض ليستترا به، وهذا يدل على أن ستر العورات أنه أمر فطري، وأن التكشف خلاف الفطرة، وأنه مما يدعو إليه الشيطان.

"قوله تعالى: وَنادَاهُمَا رَبُّهُمَا يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير، واسطة."

يقول: "يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير، واسطة".، والنداء كما هو معروف، صوت رفيع، وبكلام يسمع حروف، وصوت، وهنا أضافه إلى الله تعالى، فالأصل أنه من الله، صدر عنه، ولا يقال بأن ذلك بواسطة ملك؛ لأنه بخلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلا بدليل وَنادَاهُمَا رَبُّهُمَا فظاهر الآية أن الله هو الذي ناداهما.

"قوله تعالى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا اعتراف، وطلب للمغفرة، والرحمة."

ظاهره أنه خاطبهما مباشرة.

"وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها."

هذا قاله الضحاك[40] وقاله جمع من المفسرين الكلمات التي فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37] وهو قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23].

وعلى كل حال، آدم كلمه الله ويدل على هذا مواضع من كتاب الله فيمكن أن يكون هذا من جملته، والأصل في ظاهره أن ظاهر السياق، أو ظاهر اللفظ أن الله كلم آدم مباشرة.

"قوله تعالى: اهْبِطُوا وما بعده مذكور في البقرة."

اهْبِطُوا يعني: هل المراد بذلك آدم، وحواء اهبطا، وهنا بصفة الجمع آدم، وحواء، وإبليس، هناك اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا [طه: 123] هل هو آدم، وإبليس؛ وحواء تبعًا لآدم فجيء بصيغة التثنية؟ أما الأمر بالإفراد فهو لإبليس كما ذكر الحافظ ابن القيم، ويدل عليه السياق.

اهْبِطُوا آدم، وحواء، وإبليس اهْبِطَا آدم، وإبليس هذا يحتمل، وحواء تبع، أو آدم، وحواء، لكن قوله تعالى: اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا إلى أن قال: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه: 123] هذا ظاهره من؟ آدم، وحواء.

"قوله تعالى: فِيهَا تَحْيَوْنَ أي في الأرض."

لكن في طه قال: اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا فهذا يظهر أنه آدم، وحواء فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه: 123]؛ لأن إبليس لا يقال له هذا؛ لأنه غير مخاطب أصلاً بهذا، فقد لعنه الله، وطرده من رحمته فما يرد فيه فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه: 123] - والله أعلم -.

ولقائل أن يقول: الذرية ذرية إبليس هم الجن فهم مخاطبون، ولكن هنا الكلام في آدم، وحواء، وإبليس؛ إذا قلنا اهبطا آدم، وإبليس، إبليس غير مخاطب بها - والله أعلم -.

"قوله تعالى: لِبَاسًا أي: الثياب التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلنا ما يكون عنه اللباس، وهو المطر، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة."

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ لباسًا يعني: الثياب التي تستر، معنى أنزلنا: الأصل في الإنزال أنه من أعلى إلى أسفل، هذه قاعدة، لكن كل شيء بحسب على اختلاف بين المفسرين، وإلا النزول فنزول القرآن من أعلى؛ لأنه من الله، لكن في قوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: 25] يحتمل أن أصله من السماء، أو باعتبار أن أجود الحديد يكون في أعالي الجبال.

ويمكن أيضًا في قوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: 6] أن أصولها نزلت من السماء، فتناسلت، أو باعتبار أن ذكورها تنزوا على إناثها، فينزل ذلك منها في أرحامها، فهو نزول من أعلى إلى أسفل، أو باعتبار أن الولد إذا،ولد يسقط ينزل إلى الأرض، أولادها إذا ولدت ينزل يعني فيها معنى النزول من أعلى إلى أسفل على أي اعتبار، يعني: على الأقوال فيها معنى النزول.

يقول: أنزلنا، خلقنا، يعني على اعتبار أن اللباس لم ينزل من السماء، وإنما خلق، تفسيره بخلقنا مروي عن جماعة من السلف كسعيد بن جبير[41] واختاره ابن جرير - رحمه الله -[42] وكذلك الشوكاني[43].

أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ بمعنى خلقنا.

يقول: وقيل: المراد أنزلنا ما يكون عنه اللباس، لاحظ هذا راعى لفظة النزول، وأنه من أعلى إلى أسفل، فقال الإنزال السبب، وهو المطر ينزل من أعلى إلى أسفل هذا من أجل أن تعرف لماذا قال هذا؟ لأنه لاحظ لفظة نزول فأراد أن يفسر بشيء هذا ذكره صاحب التفسير الكبير قال: وهو المطر[44].

شيخ الإسلام ابن تيمية على طريقته حمله على معنى أنه ينزله ظهور الأنعام[45] فينتفع به بنو آدم في اللباس، والريش أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ورِيشًا وهو ما يكسو ظهور الأنعام فيتخذ من اللباس؛ لأن هذه الأنسجة تنسج من الصوف، والوبر، والشعر، ونحو ذلك.

يعني: شيخ الإسلام راعى لفظة النزول، فهو دائمًا يراعيها، وما ذكرته مثلاً في نزول الحديد، ونزول الأنعام، وهو من كلام شيخ الإسلام، ويحتج به نزول القرآن نزل من أعلى، أي من الله، وإثبات صفة العلو، يرد على المتكلمين.

قوله تعالى: رِيشًا أي: لباس الزينة، وهو مستعار من ريش الطائر.

مستعار من ريش الطائر لباس الزينة، وبنحو هذا قول ابن جزي هذا في اللباس، والرياش، قال ابن كثير: فجعل اللباس لستر العورات، والرياش ما يتجمل به ظاهرًا[46] يعني ما زاد على ستر العورة مثل هذه العمامة، ونحو ذلك مما يلبسه الناس، ويتجملون به.

والرياش عند ابن جرير المتاع مما يلبس، أو يحشى من الفرش، أو الدثار[47].

الريش يقال: للمتاع، والأموال عند العرب، وربما استعمله في الثياب، والكسوة دون سائر المال.

وبعضهم يقول: بأن المراد به الخصب، ورفاهية العيش، ولذلك لا زال الناس يستعملون هذا المنعم، أو الكثير المال يقولون: فلان مريش، من هذا المعنى فهو استعمال صحيح من هذا الاعتبار.

وشيخ الإسلام فسره الأثاث، والمتاع[48] ومن فسره بالمال كأنه أراد مالاً مخصوصًا، وابن زيد - رحمه الله - فسره بالجمال لباسًا، وريشًا؛ وذلك أنه مأخوذ من ريش الطائر، وهو ما يروش به، ويدفع عنه الحر، والبرد، يقولون: جمال الطائر في ريشه، وكذلك ما يبيت فيه الإنسان من الفرش، وما يبسطه تحته، وكذلك يطلق على ما ظهر من اللباس، ولباس الزينة، وكل ما ستر الإنسان في جسمه، ومعيشته، فأصل المادة يدل على حسن حاله أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ورِيشًا فالعطف يقتضي المغايرة، أن الريش غير اللباس، ولهذا قال بعضهم: ما زاد على ستر العورة، أو فسره بعضهم بالمال، أو الأثاث، أو نحو هذا بهذا الاعتبار، فهو يدل على حسن حال، وما يكتسب الإنسان من خير، ومن هنا فسره بعضهم بالمال.

أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ورِيشًا شيء زائد على الناس، من لباس، وغيره مما يتنعمون به من أثاث، ونحوه - والله أعلم -.

قوله تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى استعار للتقوى لباسا كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقى به في الحرب من الدروع، وشبهها، وقرئ بالرفع على الابتداء، أو خبره الجملة، وهي: ذَلِكَ خَيْرٌ.

وَلِبَاسُ التَّقْوَى يقول: استعار للتقوى لباسا كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه.، والمقصود لباس الخشية، والورع، وبعضهم يقول: الحياء، وبعضهم يقول: العمل الصالح، وكل هذا عن التقوى، كما قيل:

إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى تقلب عريانًا، وإن كان كاسيًا

والعرب تعبر باللباس عن مثل هذا، وكما هي عادة القرآن حينما يذكر شيئًا قد يذكر يعني من الأمور المادية، أو نحو ذلك يذكر ما يقابل من ذلك من الأمور المعنوية المتعلقة بالنفس، والقلب، وصلاح الحال، هذا ذكرنا له أمثلة في مناسبات مختلفة.

الله حينما قال: وَتَزَوَّدُوا [البقرة: 197] تزودوا، يعني: من الأزواد الحسية الطعام، والشراب في الحج، والسفر، ثم قال: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: 197] فلما ذكر هذا ذكر هذا.

ولما ذكر مباشرة النساء في ليالي الصوم: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: 187] فأمر بالمباشرة الجماع.

قال: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ كثير من المفسرين فسروه بطلب ليلة القدر، يعني: لا ينسيكم مباشرة النساء، والتمتع بهن، لا ينسيكم ذلك طلب ليلة القدر.

وبعضهم يقول: قيام ليالي رمضان، طلب ما عند الله، وبعضهم يقول: طلب الولد يكون لك نية في هذا الجماع، المقصود أنه يذكر هذا، وهذا.

فهنا لما ذكر اللباس الحسي قال: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ.

قال: وقيل: لباس التقوى ما يتقى به في الحرب من الدروع، وشبهها.، وهذا عجيب لاحظ أنه فرَّغ المعنى لباس التقوى، يعني أن الدروع، ونحو ذلك تقيه ضرب السلاح لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ورِيشًا وريشا هذا لباس الزينة، وستر العورات، ولباس التقوى ما يقيكم السلاح من الدروع، ونحوها، هذا تفريغ للمعنى العميق الذي دلت عليه الآية، وأشار إليه كثير من أهل العلم: من أن المقصود لباس التقوى تقوى الله والتجمل لذلك، فهذه أجمل الحلية لاحظ هي أجمل حلية، وهذا واضح، لكن تفرغ أحيانًا هذه المعاني بهذه التفسيرات، وهذا تجده في مواضع.

وابن جرير - رحمه الله - يقول في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183] يعني: تتقون المفطرات من الأكل، والشرب، والجماع، يعني: كلام أن الصيام يورث التقوى أن الآية لا تدل عليه عند ابن جرير[49].

وهكذا وَأَقِمِ الصَّلَاةَ قال: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] قال: إذا اشتغل بالصلاة انشغل عن الفحشاء، والمنكر؛ لأنه يصلي، لا أنها تورثه تقوى، ينزجر معها فعل الفحشاء، والمنكر، هذا قول ابن جرير[50] لكن لا يعني بالضرورة أن هذا صحيح.

لكن أذكر هذا من باب أن بعض المعاني، والتفسيرات تسلك الآية معان عميقة دلت عليها - والله أعلم -.

والله يقول: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ يعني: لباس الدروع، والحديد خير من لباس العورات، والزينة، والتجمل، هذا ليس بصحيح، ليس بصحيح لا من جهة الزينة؛ فليس فيه زينة لباس الحرب، ولا من جهة أيضًا النفع؛ لأن لباس الحرب استثناء في حالات قليلة، وفي ساعات قليلة، وفي أوقات قليلة، لكن لباس ستر العورات، ونحو ذلك شرط من شروط الصلاة، والله يمتن على عباده بهذا اللباس.

يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: 31] كما سيأتي في ستر العورات، وما يضاف إلى ذلك من التجمل.

 قوله تعالى: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية، واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت، وخصف الورق عليها؛ ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس.

قوله هنا: قرئ بالرفع هذه قراءة الجمهور على الابتداء وَلِبَاسُ التَّقْوَى وخبره الجملة ذَلِكَ خَيْرٌ وقرئ بالنصب، ولباسَ التقوى، وهي قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي[51] وقراءة النصب هذه، ولباسَ التقوى، فيكون معطوفًا على لباسًا قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ورِيشًا ولِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ وأنزلنا أيضًا لباس التقوى، وتكون جملة ذلك خير استئنافية لا محل لها من الإعراب، أو حالاً من لباس، وما عطف عليه، حال كونه خير - والله أعلم -.

قوله تعالى: يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا أي: كان سببا في نزع لباسهما عنهما.

قبل هذا ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يقول: الإشارة إلى من أنزل من اللباس، يعني: الريش، وكل ذلك من آياته الدالة على إحسانه، ورحمته بعباده، وليعرفوا إنعامه، وإفضاله، ولطفه فيتعظوا، ويعتبروا في صنعه، ويوحدوه، ويعبدوه، وحده اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا ومِنْهَا تَأْكُلُونَ ولَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وعَلَيْهَا وعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ويُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [غافر: 79 - 80] لاحظ هذه تفسر آية الأعراف - والله أعلم -.

يقول هذه الآية، واردة على وجه الاستطراد عقب ما ذكر من ظهور السوآت، وخصف الورق عليهما.. إلى آخره.

يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِباسَهُمَا أي: كان سببا في نزع لباسهما. يعني ما باشر هذا لنفسه، وإنما كان السبب.

"قوله تعالى: مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ يعني: في غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا يرون، وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر جمعا بينها، وبين الأحاديث."

يعني: هو الأصل أنهم لا يرون إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ الأصل أنهم لا يرون، فقد يرون في حالة استثنائية، وإلا الأصل فهم لا يرون قد يكون في هذا مس من الجن، ولا نراهم كما هو معلوم، وذكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - أنه في بعض دروسهم، وهم جالسون سماحة المفتي الأسبق الشيخ محمد إبراهيم، وهو أنهم سمعوا صوت رجل يتكلم، ويقول: أنه كان يحضر معهم، وأنه سيذهب إلى الجهاد، يجاهدون قومًا من الكفار، رجل من الجن يودعهم، فهم لا يرون على كل حال.

وقد يكونون مع الناس في بيوتهم، ولا يرونهم، ولو رأوهم لربما فزعوا، وكرهوا هذه البيوت، وقد يراهم بعض الناس لأمر، إما لاعتلالٍ يعني أن يكون هذا الإنسان فيه شيء من المس، أو نحو ذلك فقد يراه لكنها حالة استثنائية.

فقد جاء عند مسلم عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثا، وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: إن عدو الله إبليس، جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك، ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر، ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة[52].

وأما تمثلهم بشيء آخر، فهذا يحصل يتمثل كما في حديث أبي هريرة في قصة الشيطان الذي جاء في هيئة رجل يحثوا تمر الصدقة[53] فقد يتمثل في صورة رجل.

وجاء في بعض الآثار ذكر الشياطين في نفوس الآدميين الإنس يحدثونهم بأحاديث، وأشياء، فيقول الرجل: رأيت رجلاً يحدث بهذا أعرف وجهه، ولا أعرف اسمه، هو شيطان، يضللون الناس.

وشيخ الإسلام - رحمه الله - كان يقوم بعض الناس في المسجد، وشيخ الإسلام في الحبس فيتكلم، ويعظ بصورة شيخ الإسلام تمامًا، فيقول: بعض الناس رأيناك، وأنت تقول كذا، وكذا، قال: لعله بعض إخواننا من الجن[54] فيتمثل بصورته هذا يحصل.

وقد يتمثل بصورة كلب، أو حية، أو حمار، أو غير هذا، لكن الأصل أنهم لا يرون على هيئتهم، هذا الأصل، وما ينشر هنا، وهناك من صور يقال هذه صورة في غار، وصورة الشيطان كذا، هذا كله صور ملفقة ملعوب بها، يعني صور ملعوب بها ليست صور شياطين.

وكذلك الملائكة الأصل أنهم لا يرون، ولكن قد يتمثلون في صورة رجل، ورأى النبي ﷺ جبريل مرتين على المشهور على هيئته الحقيقية، لكن الناس لا يرون الملائكة بهيئتهم، وما يذكر أنه، وجد نور في مكان، وأن هذا ملك هذا كله كذب، سواء كان في ساحة قتال، أو في الحرم، هذا ملك، وهذه الصورة التقطته هذا كله كذب، لا صحة له.

"قوله تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [الأعراف: 28] قيل: هي ما كانت العرب تفعله من الطواف بالبيت عراة الرجال، والنساء."

قال به جماعة من أهل العلم وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً فسر بالطواف بالبيت عراة؛ لأن هذا الذي كانوا يفعلونه تدينًا، والفاحشة هي الفعلة المتناهية في القبح، ففسر بهذا، وهذا الذي اختاره ابن جرير - رحمه الله -[55].

قال: ويحتمل العموم في الفواحش، يعني: أي فاحشة يقولون: قَالُوا وجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا.

"قال: ويحتمل العموم في الفواحش. قوله تعالى: قَالُوا وجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا اعتذروا بعذرين باطلين أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله."

كما قال شيخ الإسلام - رحمه الله - بأن أولياء الشيطان إذا فعلوا هذه الفاحشة، وهي إبداء السوآت في الطواف، كما قال ابن جرير يحتجون بشيئين:

قَالُوا وجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا يقول: هذا هو الرجوع إلى العادة، وتقليد الأسلاف.

يقولون: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا وهذا القول على الله بلا علم[56].

على كل حال، ذكرت قاعدة في بعض المناسبات، وذكرتها في أول هذا المجلس أن من عادة القرآن إذا حكى قول قائل فإما أن يأتي معه بما يدل على بطلانه، أو يسكت عنه فيدل على صحته غالبًا، وقد يذكر شيئين فيبطل أحدهما، ويسكت عن الآخر، فيدل على صحته هذا مثال له: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف: 28] فسكت عن وجدنا عليه آباءنا، فدل على صحته أنهم، وجدوا آباءهم على ذلك، لكن الله أمرهم بذلك أبطله.

"قوله تعالى: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ قيل: المراد إحضار النية، والإخلاص لله، وقيل: فعل الصلاة، والتوجه فيها."

إقامة الوجه يقصد به إقامة الوجه لله أقيموا وجوهكم بالإخلاص.

فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق، والإيمان

ولهذا قال ابن جرير[57] والحافظ ابن القيم[58] وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يعني بالإخلاص لله وحملها ابن كثير على هذا المعنى الإخلاص، وزيادة، وهي متابعة الرسول ﷺ[59] متابعة في العمل، وذلك الاستقامة في عبادته في محالها، يعني: بمعنى أنه أن إقامة الوجه الاستقامة يدل على الإقامة استقامة، وهذه لا يكون العمل مستقيمًا إلا بالإخلاص، والمتابعة بهذا الاعتبار فسره بهذين.

وابن جرير فسره بالإخلاص إقامة الوجه، باعتبار أنه أضافه إلى الوجه، ما قال أقيموا أعمالكم مثلاً، وإنما قال: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.

المعنى الآخر هنا فعل الصلاة، والتوجه فيها، يعني اتجهوا إلى القبلة، وتفسيره بالإخلاص، يعني توجهوا في صلاتكم لله، وحده في أي مسجد كنتم وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ واجتهدوا في إقامة الصلاة ظاهرًا، وباطنًا، وفق ما شرعه الله، كما قال ابن كثير - رحمه الله - في المعنى السابق، متابعة وَأَنْ أَقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا [يونس: 105][60].

لاحظ هنا يعني التوحيد، والإخلاص، وكذلك إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات، والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، هذا كله في التوحيد، والإخلاص.

فقد كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات، والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين... [61].

وفي الحديث: إذا أخذت مضجعك، فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت،وجهي إليك...[62].

هذا الحديث هذا كله في التوحيد، والإخلاص، فهو يفسر هذه الآية وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ كما قال: فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18].

  1. تفسير ابن كثير (3/387).
  2. تفسير الطبري (12/296).
  3. تفسير ابن كثير (3/388).
  4. تفسير ابن كثير (3/388).
  5. انظر: تفسير الطبري (12/308).
  6. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب أولئك الذين كفروا بآيات ربهم، ولقائه فحبطت أعمالهم [الكهف: 105] الآية، رقم: (4729)، ومسلم، كتاب صفة القيامة، والجنة، والنار، (2785).
  7. أخرجه أحمد، رقم: (3991).
  8. أخرجه الترمذي، أبواب الإيمان عن رسول الله ﷺ باب ما جاء فيمن يموت، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، رقم: (2639)، وابن ماجه، أبواب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، رقم: (4300).
  9. تفسير الطبري (12/320).
  10. تفسير ابن كثير (3/391).
  11. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/46).
  12. تفسير السعدي (ص: 284).
  13. التحرير، والتنوير (8 - ب/37).
  14. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/9).
  15. تفسير الطبري (12/326).
  16. تفسير ابن كثير (3/392).
  17. انظر: بدائع الفوائد (2/21).
  18. مجموع الفتاوى (15/5).
  19. التفسير الوسيط للواحدي (2/354).
  20. تفسير القرطبي (7/173).
  21. تفسير الطبري (12/329).
  22. تفسير ابن عطية (2/379).
  23. تفسير السعدي (ص: 284).
  24. أخرجه مسلم، كتاب الزهد، والرقائق، باب في أحاديث متفرقة، رقم: (2996).
  25. تفسير الطبري (12/332).
  26. أخرجه النسائي، كتاب الجهاد، ما لمن أسلم، وهاجر، وجاهد، رقم: (3134)، وأحمد، رقم: (15958).
  27. تفسير الطبري (12/339).
  28. تفسير الطبري (12/338).
  29. تفسير الطبري (12/342).
  30. تفسير الطبري (12/344).
  31. تفسير ابن كثير (3/396).
  32. المصدر السابق.
  33. المصدر السابق.
  34. التحرير، والتنوير (8 - ب/64).
  35. أخرجه الترمذي، أبواب الرضاع عن رسول الله ﷺ رقم: (1173).
  36. تفسير ابن كثير (3/397).
  37. تفسير الطبري (12/348).
  38. تفسير ابن كثير (3/397)، تفسير القرطبي (7/178).
  39. تفسير ابن كثير (3/397).
  40. تفسير الطبري (12/357).
  41. تفسير القرطبي (7/184).
  42. تفسير الطبري (12/361). 
  43. فتح القدير للشوكاني (2/224). 
  44. تفسير الرازي (14/221).
  45. مجموع الفتاوى (12/255).
  46. تفسير ابن كثير (3/400).
  47. تفسير الطبري (12/364).
  48. دقائق التفسير (2/148).
  49. تفسير الطبري (3/413).
  50. تفسير الطبري (20/42).
  51. اللباب في علوم الكتاب (9/69).
  52. أخرجه مسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، والتعوذ منه، وجواز العمل القليل في الصلاة رقم: (542).
  53. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس، وجنوده، رقم: (3275).
  54. مجموع الفتاوى (17/458).
  55. تفسير الطبري (12/379).
  56. تفسير الطبري (12/379).
  57. تفسير الطبري (12/381).
  58. مفتاح دار السعادة (2/10).
  59. تفسير ابن كثير (3/403).
  60. تفسير ابن كثير (3/403).
  61. أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل، وقيامه، رقم: (771).
  62. أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام رقم: (6313)، ومسلم، كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، باب ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع، رقم: (2710).

مواد ذات صلة