الأحد 16 / ذو الحجة / 1445 - 23 / يونيو 2024
[1] من قوله تعالى: {الر} الآية 1إلى قوله تعالى: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} الآية 6
تاريخ النشر: ٢٩ / ربيع الأوّل / ١٤٢٨
التحميل: 2054
مرات الإستماع: 2832

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله:

تفسير سورة يونس وهي مكية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ۝ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ [سورة يونس:1، 2].

أما الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة.

تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين.

وقوله: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا الآية، يقول تعالى منكراً على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر، كما أخبر تعالى عن القرون الماضين من قولهم: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [سورة التغابن:6]، وقال هود وصالح عليهما السلام لقومهما: أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ [سورة الأعراف:63]، وقال تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [سورة ص:5].

وقال الضحاك عن ابن عباس -ا: لما بعث الله تعالى محمداًْ ﷺ رسولاً أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، قال: فأنزل الله : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا الآية.

وقوله: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ اختلفوا فيه فقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس -ا- في قوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ [سورة يونس:2] يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول.

وقال العوفي عن ابن عباس -ا: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ يقول: أجراً حسناً بما قدموا، وقال مجاهد: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ، قال: الأعمال الصالحة، صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم، قال: ومحمد ﷺ يشفع لهم.

وقوله تعالى: قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ أي: أنا بعثنا إليهم رسولاً منهم رجلاً من جنسهم بشيراً ونذيراً قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ أي: ظاهر، وهم الكاذبون في ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

قوله: الر اختلف العلماء في الحروف المقطعة في أوائل السور، وذكروا في معناها عدة أقوال وأقربها والله تبارك وتعالى أعلم: أنها حروف تهجي لا معنى لها في نفسها، ولكنها تشير إلى معنى وهو الإعجاز، أن هذا القرآن مكون من هذه الحروف وأنتم عاجزون عن المجيء بمثله.

وقوله: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين، هذا هو القول الراجح في معناها، وذهب طائفة من السلف إلى أن المراد بآيات الكتاب، أي: الكتاب الأول الذي كان ينزل على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، قال به طائفة من أهل العلم، والذي حملهم على هذا هو الإشارة بـتِلْكَ فالإشارة بها أو بذلك، إنما تكون إلى شيء موجود، وحينما نزلت سورة يونس وهي من السور المكية، لم يكن نزول القرآن قد اكتمل، فورود الإشارة إلى شيء تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ولما يكتمل نزوله بعد، هو السبب الذي جعل البعض يقول: إن الكتاب المقصود به التوراة والكتب السابقة.

والمراد بالكتاب في الآية إشارة إلى القرآن لا شك فيه، ولا مانع من أن يشار إليه وإن لم يكن نزوله قد اكتمل، وقوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ اختلف أهل العلم في المراد بقوله: قَدَمَ صِدْقٍ اختلافاً متقارباً، وعامة أهل اللغة من يفسر معاني القرآن، يفسرون القدم بالتقدم أو المتقدم على غيره بخير أو شر، يعبر عنه بقدم، قدم صدق قدم شر، وكذلك أيضاً المتقدم على غيره في الشرف، وما أشبه ذلك من عباراتهم، وكذا قول من قال بأنه العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا تباطؤ وما يقرب منه من عبارات السلف، فقدم الصدق ما قدموه من خير، وإيمان، وأعمال صالحة، منزل الصدق قَدَمَ صِدْقٍ أي: منزل صدق، وقيل: بأنه الدرجة العالية، وقيل: بأنه سلف صدق، أو ثواب صدق، أو أعمال صدق، وأعمال طيبة فاضلة، كما قال مقاتل واختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله.

وهكذا من قال: ما تقدم وسبق لهم من السعادة في الكتاب الأول، نقله عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة وإسناد جيد، سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، أي: في اللوح المحفوظ، أما ما نقله عن العوفي عن ابن عباس -ا- يقول: أجراً حسناً بما قدموا فهذا لا يثبت عن ابن عباس، وكذا قول من قال: بأنه محمد ﷺ يشفع لهم، إلى غير ذلك من الأقوال.

فابن جرير -رحمه الله- يحتج للقول الذي اختاره بأنه ما قدمه الإنسان من الأعمال الطيبة الصالحة يقول: فإن العرب تقول: فلان له قدم في كذا، أي: سبق في هذا المجال وبذل، وقد جمع الحافظ ابن القيم -رحمه الله- بين هذه الأقوال وأنه لا منافاة بينها، فقدم الصدق لما تقدمت لهم السعادة في الكتاب الأول في اللوح المحفوظ صار النبي ﷺ شفيعاً لهم، وصارت لهم أعمال طيبة صالحة، من الإيمان وطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، مما أورثهم الدرجة العالية والشرف، كل هذه المعاني إنما تكون مستتبعة لما حصل في علم الله وما سبق لهم في الأزل -والله أعلم.

وقوله: قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ هذه قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم، وقراءة البقية إِنَّ هَذَا لَسِحرٌ مُّبِينٌ وفرق بين القراءتين، على القراءة الأولى لَسَاحِرٌ يعني النبي ﷺ، وعلى القراءة الثانية القرآن، وبين القرآن من جهة المعنى ملازمة، فإذا كان النبي ﷺ ساحراً فإن الذي جاء به هو السحر، وإذا قيل: بأن هذا القرآن سحر، فإن الذي جاء به ساحر، فبينهما ملازمة في المعنى، لكن المعنى مختلف، فليست القراءتان بمعنى واحد.

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [سورة يونس:3].

يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، قيل: كهذه الأيام، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون. كما سيأتي بيانه.

ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ والعرش أعظم المخلوقات وسقفها، وقوله: يُدَبِّرُ الأَمْرَ أي: يدبر أمر الخلائق، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا يشغله شأن عن شأنه، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقفار، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [سورة هود:6] الآية.

وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سورة الأنعام:59]، وقال الدراوردي عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: أنه قال حين نزلت هذه الآية: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [سورة يونس:3] الآية لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم.

وقوله: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، كقوله تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [سورة البقرة:255]، وقوله تعالى: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [سورة النجم:26]، وقوله: وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سورة سبأ:23].

وقوله: ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له. أفلا تذكرون أي: أيها المشركون في أمركم، تعبدون مع الله إله غيره، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق، كقوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة الزخرف:87]، وقوله: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۝ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [سورة المؤمنون:86، 87] وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها.

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ [سورة يونس:4].

يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحداً حتى يعيده كما بدأه، ثم ذكر تعالى: أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [سورة الروم:27].

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ [سورة يونس:4] أي: بالعدل والجزاء الأوفى، وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العذاب من سموم وحميم وظل من يحموم، هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [سورة ص:57-58]، هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ۝ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [سورة الرحمن:43، 44].

قوله: إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول الحافظ -رحمه الله: "يخبر تعالى أنه إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحداً حتى يعيده كما بدأه، ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده"، وظاهر الآية في بدأ الخلق وإعادته، فبدء الخلق أن الله  أنشأه من العدم، وإعادته وذلك بأن يُبعث الإنسان من جديد، بعد أن يصير تراباً. 

وقال بعض المفسرين: يبدأ الخلق ثم يعيده بالوفاة، وهذا هو المعنى الظاهر المتبادر -والله تعالى أعلم، وهو الذي يدل عليه القرآن في مواضع كثيرة، قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ، فيحتمل أن تكون الواو عاطفة، وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ، يعني: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ، يعني ويجزي الذين كفروا بالشراب الذي يكون من حميم.

فالله -تبارك وتعالى- يبدأ الخلق لحكمة عظيمة، وهي الابتلاء والاختبار، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [سورة الملك:2] ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا، فيجزي من أحسن بالحسنى، ومن أساء فيجازى بما يستحق على عمله السيئ، ويحتمل أن تكون الواو استئنافية في قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ، يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أي: بالقسط، ثم بيّن حال المكذبين الضالين الكفار فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ.

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝ إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ [سورة يونس:5، 6].

يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرة، وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياءً، وجعل شعاع القمر نوراً، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيراً ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم بشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر، كقوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ۝ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يــس:39-40]، وقوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا [سورة الأنعام:96] الآية، وقوله وفي هذه الآية الكريمة: وَقَدَّرَهُ أي: القمر، مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ فبالشمس تعرف الأيام وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام.

بالشمس تعرف الأيام، فإذا طلعت الشمس طلع النهار، فكل يوم تطلع شمسه هو يوم جديد، وبالقمر تعرف الشهور والأعوام، فالقمر يبدو في أول كل شهر دقيقاً كالشعرة، يتراآه الناس بصعوبة، ثم بعد ذلك يقطع ثمان وعشرين منزلة من منازل القمر المعروفة، كل يوم وليلة يقطع منزلة واحدة، فلا يزال يكبر شيئاً فشيئاً في كل يوم يمضي، حتى يكتمل في منتصف الشهر، والناس يعرفون بالنظر إليه، ثم بعد ذلك يبدأ بالصغر، يصغر حتى يتقوس ويبدو دقيقاً، مثل عمر الإنسان يبدأ صغيراً ضعيفاً فلا يزال يكبر في كل مرحلة حتى يصل إلى الاكتمال، ثم بعد ذلك يبدأ في مراحل الضعف شيئاً فشيئاً.

فهذا القمر جعله الله مثل الساعة، بهذا صفحة هذا الكون الفسيح يعرف الناس فيه الشهور والأعوام، فإذا نظروا إليه عرفوا الوقت من الشهر، ثم بعد ذلك إلى الثامن والعشرين المنزلة الأخيرة، وإذا كان الشهر مكتملاً احتجب ليلتين، وإذا كان الشهر ناقصاً احتجب ليلة واحدة يحتجب بالكلية، ثم يعود من جديد، فلا يلتبس لأنه يحتجب تماماً فهو بغاية الدقة، ويطلع من الجهة الثانية جديداً بعد احتباسه، فيبدأ العد من جديد في شهر آخر، وهذه الشهور تكون الأعوام، لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ يعرفون السنوات ويعرفون الحساب، وأوقات العِدد –عِدد النساء، ويعرفون الآجال في الديون وغيرها، وما إلى ذلك من مصالحهم.

مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ [سورة يونس:5] أي: لم يخلقه عبثاً، بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة، كقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [سورة ص:27]، وقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ۝ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [سورة المؤمنون:115-116].

وقوله: نُفَصِّلُ الآيَاتِ [سورة يونس:24] أي: نبيّن الحجج والأدلة، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [سورة التوبة:11] وقوله: إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سورة يونس:6].

الإمام ثعلب من أئمة اللغة، أو أبو عبيد القاسم بن سلام، اختارا القراءة بالياء {يفصل باعتبار النظر إلى ضمير الغائب هو يفصل، لكن نفصل هذه صيغة المتكلم، ولم يقل: نحن الذين جعلنا الشمس ضياء، والقمر نوراً نفصل الآيات، ولهذا هذه من وجوه الترجيح والاختيار في القراءة، فتجد بعض الأئمة يرجح قراءة على قراءة بناء على اعتبارات معينة، ولا إشكال في القراءة ب(نفصل)، فهذا يسمى الالتفات.

وهذا كثير في القرآن مثل قول الله: الْحَمْدُ للّهِ [سورة الفاتحة:2] هذه للغائب رَبِّ الْعَالَمِينَ هو رب العالمين، الرَّحْمنِ [سورة الفاتحة:3]، هو الرحمن، الرَّحِيمِ ۝ مَلِكِ هو مالك يوم الدين، ثم انتقل الكلام من الغائب إلى المخاطب فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ۝ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ [سورة الفاتحة:5، 6].

وقوله: إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سورة يونس:6] أي: تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئاً، كقوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ [سورة الأعراف:54]، وقال: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يــس:40] الآية.

اختلاف الليل والنهار هو التعاقب الذي يحصل بينهما، وقد يشمل ما يحصل من اختلاف في الطول والقصر، فهذه فيه آيات وهو أحد المعاني في قوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [سورة الحديد:6]، وفي قوله -تبارك وتعالى- هنا: نُفَصِّلُ الآيَاتِ [سورة يونس:24] قال ابن كثير -رحمه الله: نبيّن الحجج والأدلة، وأجملها، فيمكن أن تكون آيات القرآن فهي آيات، ويمكن أن تكون الآيات الكونية، فالآيات تشمل الدلائل على قدرته وعظمته وحكمته وكمال اقتداره، وما يحصل به الاهتداء، وهذا واقع بالنوعين، والسياق كله في الآيات الكونية، إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فهذه آيات كونية.

وقال تعالى: فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا [سورة الأنعام:96] الآية، وقوله: وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى، كما قال: وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة يوسف:105] الآية، وقوله: قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [سورة يونس:101]، وقال: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ [سورة سبأ:9]، وقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ [سورة آل عمران:190] أي: العقول، وقال هاهنا: لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ [سورة يونس:6] أي: عقاب الله وسخطه وعذابه.

مواد ذات صلة