السبت 16 / ربيع الأوّل / 1443 - 23 / أكتوبر 2021
[1] من قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} الآية:1 إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الآية:4
تاريخ النشر: ١٣ / محرّم / ١٤٢٧
مرات الإستماع: 16901

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال صاحب المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير: تفسير سورة الجمعة وهي مدنية.

فضل سورة الجمعة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة سورة الجمعة:

الجمعة: تقرأ بالحركات الثلاث، يقال: الجمُعة بالضم، وبالفتح: الجمَعة، وبالإسكان: الجمْعة، ليس في القراءة في الآية، وإنما هكذا تنطق لفظة الجمعة، والموضوع الذي تدور حوله هذه السورة يتعلق بالاصطفاء والاجتباء، إذا لاحظتم الآيات التي ذكرها الله في هذه السورة فإنها ترتبط بهذا المعنى الاصطفاء والاجتباء، اصطفاء الأميين، اصطفاء هذه الأمة، واصطفاء يوم الجمعة لهذه الأمة بعد أن ضل عنه اليهود والنصارى وما أشبه ذلك.

عن ابن عباس وأبي هريرة : أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين [1]. رواه مسلم في صحيحه.

وكان ﷺ يقرأ بسبح والغاشية [2]، ووجه ذكر هذا في الفضل -مع أن مثل هذا العنوان هو من المختصر وليس من ابن كثير- أن النبي ﷺ اختصها بهذا لمعنى.

بسم الله الرحمن الرحيم

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ۝ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ۝ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۝ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الجمعة:1-4].

يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما الأرض، أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ [سورة الإسراء:44].

هذا التسبيح الذي ورد في هذه الآية، وورد في الآيات الأخرى بصيغ تدل على وقوعه في الماضي والحاضر والمستقبل، سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [سورة الحديد:1] في الماضي، يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [سورة الأعلى:1] والأمر للمستقبل، والله مستحق للتنزيه والتسبيح والتقديس في الأزمنة الثلاثة: الماضي الحاضر والمستقبل، ومعنى التسبيح معروف وهو: التنزيه، وهنا جاء بلفظ "ما" التي تستعمل عادة في غير العالِم، كما أن "مَن" تستعمل في العالم، فيمن يوصف بالعلم، وهذا لربما -والله تعالى أعلم- من باب التغليب باعتبار أن الأشياء التي لا توصف بالعلم من الجمادات أكثر من الأشياء الموصوفة بالعلم كالملائكة والإنس والجن.

ويقول: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ يعني كل من في السماوات ومن في الأرض فهو مسبح لله ، وهو تسبيح على حقيقته وظاهره، والآيات والأحاديث تدل على هذا المعنى، كما قال الله : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وإن هنا نافية، وَإِن مِّن شَيْءٍ أي: وما من شيء، إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [سورة الإسراء:44]، ولا مانع من أن يجعل الله للجمادات إدراكاً يصلح لمثلها، ولكننا لا نعرف كنهه وحقيقته، فالله -تبارك وتعالى- قال للسماوات والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [سورة فصلت:11]، وقال في ما ذكر -عليه الصلاة والسلام: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سورة سبأ:10]، وهكذا أيضاً ما ذكره النبي ﷺ قال: إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث [3]، إلى غير هذا من الأدلة التي تدل على هذا المعنى -والله تعالى أعلم.

ثم قال تعالى: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ أي: هو مالك السماوات والأرض المتصرف فيهما بحكمه، وهو المقدَّس أي: المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال.

الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ القدوس: هو المنزه، وبعضهم يفسره بالطاهر، وهو يرجع إلى المعنى الأول، وما ذكره الحافظ ابن كثير هو المشهور، الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ قال: "أي المنزه عن النقائص"، فصار التقديس بمعنى التسبيح؛ لأن التسبيح هو التنزيه بهذا الاعتبار، فهو يرجع إليه وهما متقاربان ولهذا قال الله -تبارك وتعالى: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ [سورة الحشر:23].

وبعضهم قال: إن القدوس هو المنزه عن كل عيب في الماضي والحاضر، والسلام: هو السالم من كل عيب في المستقبل، وبعضهم يفسر القدوس بغير هذا، كقولهم: المبارك، ولكن التقديس في التنزيه أظهر -والله تعالى أعلم.

الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ تقدم تفسيرهما غير مرة.

العزيز: هو الذي لا يغالب، والعزة إنما تكون من مجتمع أوصاف، إذا اجتمعت هذه الأوصاف من القوة والقهر والغلبة وما أشبه ذلك من صفات الكمال كان ذلك عزة، والحكيم هو الذي يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها، والحكمة هي الإصابة في القول والعمل، وقد ذكرنا هذا مراراً، وأصلها ترجع إلى المنع، وإذا نظرت إلى كل لون من ألوان الاستعمال لهذه اللفظة وجدت أن الحكْم يرجع إلى المنع، فالقاضي يمنع أحد الخصمين من أخذ حق الآخر، يقال له: حاكم وحكَم، والحكمة تمنع من اتصف بها من الشطط والخطل في الرأي، أو الخطأ في التصرف والفعل، فتكون أفعاله واقعة على وجه الصواب وأقواله أيضاً كذلك.

وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ الأميون هم العرب، كما قال تعالى: وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [سورة آل عمران:20].

هذا لا شك فيه، أي أن الأميين هم العرب، قيل لهم ذلك، بناء على أميتهم، والأمي هو الذي يرجع إلى وصف -كما يقال- مأخوذ من الأُمّ، يعني كأنه على خلقته الأولى حينما خرج من بطن أمه، لا يعلم شيئاً فهو منسوب إلى الأم بهذا الاعتبار، والأمي بعضهم يقول: هو الذي لا يكتب، يقرأ ولكنه لا يكتب، مثل قريش وقيل: الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، والمقصود: أن الأميين العرب من عرف منهم القراءة أو الكتابة ومن لم يعرف، فهم أمة أمية، كما قال النبي ﷺ: إنا أمة أمية لا نكتب... [4] وهذا صادق على الأمة بعمومها، من عرف الكتابة منها أو القراءة ومن لم يعرف. 

وكانوا حينما بعث النبي ﷺ أو قبل مبعثه بوقت ليس بالبعيد لا تُعرف القراءة فيهم، لا يُعرف في مكة وما حولها –كالطائف- أحدٌ، وقريش كانت تعتبر أكثر قبائل العرب تحضراً، وكان الذين يعرفون فيهم بالقراءة والكتابة نفر لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، ولو نظرتم في تاريخ الكتابة العربية، لوجدتم أن هؤلاء قد ذكروا بأسمائهم، والذي علمهم هذا هو واحد، رجل واحد أخذ ذلك من الحيرة أو بعض نواحي العراق ثم جاء به إليهم، فهم أمة أمية، لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، ثم بعد ذلك فشا ذلك فيهم أعني القراءة والكتابة، ولم يرفع ذلك وصف الأمية، باعتبار أن ذلك صار علماً بالغلبة أو كالعلم بالغلبة إذا أطلق توجه إليهم، فهي صفة قد عرفوا بها، والله تعالى أعلم، فالمقصود بهم العرب بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ.

وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر، كما في قوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [سورة الزخرف:44]، وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وكذا قال تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء:214]، وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [سورة الأعراف:158]، وقوله: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [سورة الأنعام:19]، وقوله تعالى إخباراً عن القرآن: وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [سورة هود:17].

قوله: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ لا يعني هذا أنه لم يبعث لبقية قريش مثلاً، فالنبي ﷺ بدأ بالجد العاشر: يا بني عبد مناف، ثم بعد ذلك نزل إلى بطون قريش أو إلى الأقرب فالأقرب، ثم قال: يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت [5]، فكون النبي ﷺ قد قيل له: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ لا يعني أن بقية القوم لم توجه إليهم بعثته -عليه الصلاة والسلام.

وكذلك ما جاء في أن هذا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [سورة الشورى:7]، مَن حولها فسره بعض أهل العلم بالعالم، وبعضهم قال: بالنواحي القريبة وَمَنْ حَوْلَهَا باعتبار أن هذا هو المتاح في ذلك الوقت، أو أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب فلا يذهب إلى الأبعدين ويترك الأقربين، ولهذا قال الله : قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ [سورة التوبة:123]، فهكذا علمنا الله -تبارك وتعالى. 

والمقصود بهذا أن الأدلة إذا جمعت في هذا فإنها تدل دلالة صريحة قوية لا مرية فيها بأن بعثة النبي ﷺ عامة للأحمر والأسود؛ ولهذا قال النبي ﷺ: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار[6]، وكتابه ﷺ للملوك، يدعوهم إلى الإسلام كل هذا يدل على عموم بعثته -عليه الصلاة والسلام، بعث في الأميين رسولاً منهم، وهذا القدر من الآية يدل على امتنان خاص على الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ [سورة البقرة:129]، يمتن عليهم بأنه بعث منهم رسولاً أمياً، ووجه الامتنان بهذا من وجوه متعددة: ليكون مشاكلاً لأحوالهم، فهم أمة أمية، لو أرسل عليهم فيلسوفاً مثلاً لم يفهموا عنه شيئاً، هذه واحدة.

والثانية: أنه أظهر في الإعجاز، لو أرسل إنساناً متعلماً عالماً لقيل: هذا الذي يأتي به من التشريع وكذا هو مما عرف وتعلم ودرس.

والأمر الثالث: ليكون تصديقاً بما أخبر به الرسل قبله، وما جاء في الكتب من صفته الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ [سورة الأعراف:157]، فهذا تصديق لما جاء في صفته -عليه الصلاة والسلام، وهذه ثلاثة أمور يمكن أن تذكر في وجه الامتنان ببعثه ﷺ بهذه الصفة.

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته -صلوات الله وسلامه عليه- إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام، بالآيات وبالأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.

وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله وله الحمد والمنة- على حين فترة من الرسل وطُموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، أي نزراً يسيراً ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم ، ولهذا قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وذلك أن العرب كانوا قديماً متمسكين بدين إبراهيم الخليل فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركاً، وباليقين شكاً، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله.

وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها فبعث الله محمداً -صلوات الله وسلامه عليه- بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة -ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع، وجمع له تعالى -وله الحمد والمنة- جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يعط أحداً من الأولين ولا يعطيه أحداً من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.

في قوله -تبارك وتعالى: رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، لم يتعرض لها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- فيما ذكره هنا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، يعني آيات القرآن، وَيُزَكِّيهِمْ كل المعاني التي ذكرها السلف في معنى التزكية داخلة في هذا، فالتزكية يدخل فيها هنا تزكية النفوس، والدعوة إلى الإيمان من تزكية النفوس، إلى غير ذلك من العبارات وَيُزَكِّيهِمْ، إلا أن قول من قال: إنّ يزكيهم أي يزكي الأموال بالزكاة المعروفة يطهرها، فيه بعد وتوجيهه يحتاج إلى شيء من التكلف، باعتبار أن قوله: وَيُزَكِّيهِمْ أي: يطهرهم، فنقول: التطهير هنا يكون عامَّاً، فيكون هذا التطهير للنفوس وللأموال، فيكون ذلك من قبيل المثال بهذا الاعتبار، ولا حاجة للجوء إلى مثل هذا، لكنه يقال: يُزَكِّيهِمْ أي: يطهر نفوسهم من الأدناس والأرجاس، والشرك والمعاصي وما إلى ذلك من الأوضار التي كانوا يتلوثون بها في جاهليتهم. 

وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ في غالب الاستعمال، وحينما يرد مثل هذا -الكتاب والحكمة- الكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي سنة النبي ﷺ، ومن فسر الحكمة بأنها الفقه في الدين فإن هذا لا يعارض أنها السنة؛ لأن سنة النبي ﷺ مفسرة للقرآن، ومن ذلك يؤخذ الفقه في الدين باستشراح القرآن ومعرفة ما جاء عن النبي ﷺ فهي شارحة ومبينة له، وفي بعض المواضع تفسر الحكمة بالنبوة، في بعض المواضع من القرآن، ويمكن أن يرجع المعنى فيها أو أن يربط بالفقه في الدين، كما ذكر ذلك جماعة من المحققين كالحافظ ابن القيم -رحمه الله، فلا تعارض بين هذه المعاني؛ لأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- هم أعلم الناس بدين الله ، وحينما نقول: إن الحكمة هي الإصابة في القول والعمل فإن أعظم من يتصف بذلك، وأولى من يوسم به هم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، وهكذا الأمثل فالأمثل. 

ومن أهل العلم من فسر الكتاب هنا وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ قال: يعني الخط بالقلم، وقالوا: في الآية قرينة تدل على هذا، وهو قول له وجه من النظر، إلا أن الذي يمكن أن يشكل عليه أن غالب الاستعمال في القرآن إذا ذكر الكتاب والحكمة هو الكتاب والسنة، القرآن والسنة، فبعضهم قال: الكتاب خاصة في هذه الآية هو الخط بالقلم، قالوا: والقرينة على ذلك من وجهين في الآية:

الأول: أن هذا في معرض ذكر الأميين والامتنان عليهم، فكانت بعثته -عليه الصلاة والسلام- سبباً لفُشُوّ القراءة والكتابة فيهم، انتشر هذا كثيراً، وتعرفون ما حصل مع أسارى بدر حيث إن النبي ﷺ جعل الفداء لمن يعرف الكتابة منهم أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين.

وأمر آخر في نفس الآية وهو أن الله  ذكر قبله يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ والآيات هي القرآن، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ فإذا قيل الكتاب هو القرآن قد يكون ذلك من قبيل التكرار، والقاعدة: أن التأسيس مقدم على التوكيد، فهاتان قرينتان دالتان على أن المراد بالكتاب هنا هو الكتابة، لكن الذي يشكل عليه هو ما ذكرت، والمقصود أن هذا القول ليس ببعيد، وهو محتمل.

وقوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، روى الإمام أبو عبد الله البخاري -رحمه الله- تعالى عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسي ، فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان الفارسي ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء [7]. ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير.

العطف في قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ هل هو على الأميين، فيكون معنى الكلام هكذا هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ وبعث في آخرين؟ إذا قلنا: إن قوله: وَآخَرِينَ معطوف على الأميين، يكون المعنى هكذا، هو الذي بعث في الأميين وفي آخرين، بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يعني في الأميين وفي آخرين. 

وإذا قيل: إنه عائد إلى الهاء يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ فيكون المعنى هكذا بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وعلى آخرين، وَيُزَكِّيهِمْ ويزكي آخرين، وهذان تحتملهما الآية، والاحتمال الأول أقرب، ويكون ذلك بهذا الاعتبار أوضح في الدلالة على عموم بعثته ﷺ إلى عموم الناس، مع أن القول الآخر لا يعارضه فإذا كان يزكي آخرين فمعنى ذلك أنه يكون من باب الملازمة، يكون القولان بينهما تلازم، فإذا كان بعث إلى آخرين، إذا كان معطوفاً على الأميين هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ وفي آخرين، فمعنى ذلك أنه سيحصل لهم النتيجة المذكورة بعده يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ.

وإذا قلنا: إنها معطوفة على الضمير الهاء يَتْلُو عَلَيْهِمْ  وعلى آخرين، وَيُزَكِّيهِمْ ويزكي آخرين، فمعنى ذلك أنه بعث إليهم إذا تلا عليهم الآيات، وزكاهم فإن التزكية لا تحصل إلا بدخولهم في الإسلام، فالقولان متلازمان وبهذا الاعتبار إذا قلنا بأنهما متلازمان لا نحتاج إلى الترجيح بينهما؛ لأنهما في المآل يرجعان إلى شيء واحد -والله تعالى أعلم.

ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية، وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله تعالى:وَآخَرِينَ مِنْهُمْ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله وإلى اتباع ما جاء به؛ ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: هم الأعاجم، وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب.

قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ "الآخرين" معناها أنهم غير المذكورين أولاً، والذين ذكروا أولاً من هم؟ قلنا: هم العرب بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعني هم العرب، وَآخَرِينَ إذاً هم غير الأولين، فلهذا فسره النبي ﷺ بأن أشار إلى سلمان وإلى قومه، ففسره بعض أهل العلم بالفرس، ومنهم من نظر إلى المعنى، قال: هذا لا يختص بالفرس وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ فهم الأعاجم، فالأولى في العرب، هم الأميون وبعث في آخرين وهم الأعاجم، وهو قول جيد.

وبناء عليه يمكن أن يحمل قوله: لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ على المرتبة والمنزلة والفضل لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ أي: في المرتبة والفضل والمنزلة؛ لأن العرب أشرف من حيث الجنس من الأعاجم، وهذا الفضل المشار إليه، أو على هذا المعنى مما تحتمله الآية ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء بإلحاق الأعاجم بالعرب طَفّ الصاعِ، لا فضل لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، فيتفاضلون بالتقوى، فإن استووا بالتقوى، فإن العرب أفضل من غيرهم، كما أن قريشاً أفضل العرب، و بنو هاشم أفضل قريش. 

فالمقصود هنا أن قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ فسر بالأعاجم، لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يمكن أن يكون في الفضل والمنزلة والمرتبة، ويحتمل أن يكون ذلك وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ من جاء بعد النبي ﷺ ودخل في الإسلام من العرب والعجم، ويكون تفسير النبي ﷺ من قبيل ذكر بعض الأفراد الداخلين تحت معنى الآية.

وهذا له نظائر من تفسير النبي ﷺ، ومن كلام السلف ، فيكون المقصود كل من دخل في الإسلام بعد النبي ﷺ وهذا الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله، أنه كل من دخل في الإسلام بعد النبي ﷺ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ، ولذا عبر بعضهم عن هذا فقال: هم التابعون، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا فيكون لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ هنا من جهة الزمان، ما أدركوهم، وهذان القولان بينهما ملازمة ظاهرة، فإن هؤلاء الذين لم يلحقوا بهم من جهة الزمان لم يحلقوا بهم أيضاً من جهة المرتبة، وإذا فسر هذا بالأعاجم أيضاً قيل: لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ لمّا يدخلوا في الإسلام بعد، ما دخل الفرس في الإسلام أو الروم أو بقية الأعاجم في ذلك الوقت إنما هم أفراد، ومعنى ذلك أنهم لم يلحقوا بهم أيضاً في المرتبة، فبين القولين ملازمة، وبناء عليه لا نحتاج أن نرجح بين هذين القولين.

  1. رواه الإمام مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في يوم الجمعة، برقم (879).
  2. رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، برقم (878)، من حديث النعمان بن بشير .
  3. رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، برقم (2277)، من حديث جابر بن سمرة .
  4. رواه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: لا نكتب ولا نحسب، برقم (1814)، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم (1080)، من حديث ابن عمر -ا.
  5. رواه النسائي، كتاب الوصايا، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين، برقم (3646)، من حديث أبي هريرة ، وابن حبان في صحيحه برقم (6549)، وقال محققه الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7982).
  6. رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، برقم (153)، من حديث أبي هريرة .
  7. رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [سورة الجمعة:3، برقم (4615)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل فارس، برقم (2546)، من حديث أبي هريرة .

مواد ذات صلة