الإثنين 15 / ذو القعدة / 1441 - 06 / يوليو 2020
[1] من قوله تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ} الآية:1 إلى قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الآية:8
تاريخ النشر: ١٦ / محرّم / ١٤٢٧
مرات الإستماع: 49169

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

تفسير سورة المنافقون وهي مدنية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ۝ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ۝ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [سورة المنافقون:1-4].

يقول تعالى مخبرًا عن المنافقين أنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي ﷺ، فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك، بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ أي: إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليس كما يقولون، ولهذا اعترض بجملة مُخبِرة أنه رسول الله فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ أي: فيما أخبروا به وإن كان مطابقًا للخارج؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذّبهم بالنسبة إلى اعتقادهم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة من السور التي تتحدث عن موضوع واحد، وموضوعها الذي تتحدث عنه هو المنافقون، والله يقول: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، هنا هذه الجملة تدل على التكرار؛ لأن المعلق على شرط يتكرر بتكرره، يعني من حيث الأصل، وكل شيء بحسبه، فهم كلما جاءوا إلى النبي ﷺ قالوا له ذلك، ولم ينقل عن أحد من أهل الإيمان من أصحاب النبي ﷺ وعلى رأسهم أمثال العشرة وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان أنهم كانوا إذا جاءوا إلى النبي ﷺ قالوا له ذلك، ولكن هؤلاء لِما في قلوبهم من الريبة، وهم يعلمون أن أصابع الاتهام توجه إليهم، فكلما دخلوا قالوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، فجاءوا بهذه المؤكدات بلفظ الشهادة، و"إنّ" المؤكدة التي تقوم مقام إعادة الجملة مرة ثانية، واللام الدالة على القسم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.

ثم قال الله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، فهذه جملة معترضة احترازًا من فهمٍ قد يطرأ على السامع إذا طرق سمعه ما بعدها، وهو قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، والمحترزات في القرآن تقع في كل موضع بحسبه، حسب ما يحتاج إليه، فهنا لدفع فهم فاسد، فلو قال الله : إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ لو قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ لربما يفهم السامع أن ما قالوه غير صحيح من حيث هو، ولكن الله بيّن المراد غاية البيان، فهم كاذبون مع أن ما قالوه مطابق للواقع وصحيح، لكنهم كَذَبة.

والرد الذي رد الله به عليهم مطابق أيضًا لما قالوه من جهة المؤكدات وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ فجاء بهذه المؤكدات الثلاثة ردًا عليهم، وقوله تعالى هنا: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ -مع أن ما قالوه مطابق للواقع لكنه مخالف لما في قلوبهم- يدل على أن الكذب ليس مرتبطًا بمطابقة الواقع فحسب، بل إذا وجد فيه التخالف بين ما في النفس وبين ما ظهر في الإنسان بلسانه أو بحاله، هذا هو الكذب، ولذلك فإن الإنسان إذا قال بلسانه: زيد مسافر وهو يعتقد أنه موجود، وفي واقع الأمر أن زيدًا قد سافر، ولكنه لم يعلم بذلك، فقال: زيد مسافر وفي اعتقاده أنه موجود فهذا يعتبر كذبًا، مع أنه مطابق للواقع، وهكذا لو قال: زيد مقيم، ووافق ذلك الواقع ولكنه يعتقد أنه مسافر، فالمقصود: أن هذا يكون من الكذب، الكذب بالمقال، هناك كذب أيضًا في الحال والعمل أيضًا.

فالمقصود: أن أهل النفاق هنا صاروا كذبة، وقد يطلق الكذب أيضًا على ما خالف الواقع ولو كان اعتقاد الإنسان يوافق ما قال، وهذا مستعمل في كلام العرب، ولكنه لا يقصد به الكذب المذموم الذي يؤاخذ الإنسان عليه، وهذا تجدونه في كلام بعض الصحابة يعبرون عن الخطأ بالكذب، أحيانًا يقصدون به مخالفة الواقع، ما خالف الواقع يقولون له: كذب، لكن الكذب الذي فيه الإثم ويلحقه في الذم هو النوع الأول، سواء كان ذلك باللسان ككذب المنافقين هنا، أو كان ذلك بالعمل والحال كحال المنافقين يُظهرون شيئًا ويبطنون شيئًا آخر، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فهم كذبة في عملهم وكذبة في حالهم، يُظهر الصلاح والتقوى وهو فاسد.

وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلفان الآثمة ليُصدَّقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالًا، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

في قوله: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ الاتخاذ يدل على عناية بهذا المتخذ، فهذا صار ديدنًا لهم وعادة وحرفة، والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف، وقيل له يمين؛ لأنه في الأصل كان الرجل يأخذ بيمين صاحبه تأكيدًا بالفعل كما أكد له بالقول حينما حلف بلسانه، ثم صار ذلك يطلق على الحلف وإن لم يكن فيه أخذ باليمين اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ أصبح ذلك ديدنًا وعادة لهم.

جُنَّةً والجنة هي الوقاية، وذلك كالترس مثلًا، والمِجَنّ الذي يتقي به الإنسان ضرب السلاح، فهؤلاء اتخذوا هذه الأيمان شيئًا يدفعون به ما يوجه إليهم من التهم، ما يقال عنهم، فيردون ذلك بالحلف اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا والفاء هنا تدل على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي تدل على التعليل، فصدوا عن سبيل الله؛ لأنهم اتخذوا أيمانهم جنة، أصبحت القضية عندهم مغرية، يقولون ما شاءوا ويفعلون ما شاءوا، وإذا ووجهوا بذلك أنكروا وحلفوا.

فَصَدُّوا، وصد تأتي لازمة وتأتي متعدية، فهنا تحتمل أن تكون لازمة، صدوا أي في أنفسهم، أي صاروا في حال من الصدود والإعراض عن الله والدار الآخرة والعلم الصالح بسبب هذه الأيمان، استروحوا لها وصاروا على حال من السوء والنفاق والكفر بهذه الصفة، أنهم صادون عن سبيل الله في أنفسهم، أي أنهم مقيمون على الكفر وعلى الضلال.

فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وسبيله يمكن أن يفسر بأنه طريقه التي رسمها لعباده من أجل سلوكها، وهي الصراط المستقيم، يعني الإسلام، فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ صدوا في أنفسهم، صاروا على ضلال وإذا ووجهوا حلفوا فبقوا على ضلالهم، قالوا: نبقى على هذه الحال، والقضية سهلة، هذا معنى أنها لازمة.

وإذا فسرت بأنها متعدية فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ يعني: صدوا غيرهم، فتحتاج إلى مفعول، صدوا المسلمين عن الإسلام، صدوا المؤمنين عن الجهاد قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ [سورة الأحزاب:18]، وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ [سورة التوبة:81]، يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [سورة الأحزاب:13]، ولَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ [سورة آل عمران:156]، لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [سورة آل عمران:168] وما أشبه ذلك من التخذيل والتثبيط، صدوا غيرهم عن الإسلام، وعن اتباع النبي ﷺ، وعن الجهاد في سبيل الله، والقرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة.

وكل هذه المعاني يمكن أن تجتمع في الآية، والمنافقون بهذه الصفة هم صادون في أنفسهم وهم أيضًا يصدون غيرهم عن الإسلام وعن اتباع النبي ﷺ، لا يألون جهدًا في الصد، فكل ذلك متحقق فيهم، ولا حاجة إلى الترجيح بين هذه المعاني -والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أي: إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي.

قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ يحتمل أن الضمير في ذلك يعود إلى الحالة التي كانوا عليها من النفاق، ومن الحلف بالباطل، من الصد عن سبيل الله مِن وصْفهم بما ذكر إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، والذنب الذي عملوه وكان سببًا في الذم من الله لهم قوله سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ.

وقوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ أي: كانوا أشكالًا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخَوَر والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف...

قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ الطبع والختم بمعنى متقارب، فيكون القلب في حال لا يدخل إليه موعظة ولا تذكير ولا ينتفع بآيات الله، ولذلك يجلسون في مجلس النبي ﷺ وتنزل الآيات وإذا خرجوا قالوا: مَاذَا قَالَ آنِفًا [سورة محمد:16]، ويتساءلون فيما بينهم عن تأثير آيات الله وزيادة الإيمان الحاصل بسماعها، أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا [سورة التوبة:124]، فلا ينتفعون بشيء من ذلك بحال من الأحوال لوجود هذا الطبع على القلوب. 

ووصفهم هنا أيضًا بعدم الفقه لَا يَفْقَهُونَ وهم عند أنفسهم أن المسلمين هم الذين لا يفقهون، وأن العقل المعيشي يقتضي تصليح الأمور على أي وجه كان من أجل أن تبقى للإنسان مصالحه الدنيوية العاجلة، هذا إذا كان الإنسان لا يجاوز نظرُه أنفَه، فالمهم عنده أن يبقى حيًّا على أي وجه من الذل كان، وعلى أي ملة، يتلون مع من غلب، ويسلك حاله مع الناس من أجل أن يحفظ ماله وأن يحفظ دمه، فهذا مقتضى العقل عندهم، وأن المسلمين يتهورون ولا يفقهون ولا يحسنون التعامل مع الناس، وإنما في نظرهم أنهم غير ناضجين، وأنهم في حال من ضعف العقل والتفكير في الأمور، فلا يزِنُون الأمر بطريقة صحيحة، ما يفهمون، هو الذي يفهم، والله يقول: فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ.

والفقه هو الفهم، وإنما يقال ذلك لما يحتاج إلى استنباط ودقة نظر بخلاف نفي العلم، قال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وهذا أمر لا يستغرب؛ لأنهم إنما ارتكبوا هذه الشنائع من النفاق والتلون وبذل الدين مع من غلب، كل ذلك إحرازًا لدنياهم، فهذه الأجسام هي غاية مطلوبهم، فصارت هذه الأجسام بهذه الصفة منعمة مترفة، فإذا رأيت الواحد منهم طولًا وعافية أعجبك بهيئته وقامته، وهو ممتلئ نفاقًا من أخمص قدمه إلى مفرق رأسه.

وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ تسمع كلامًا جميلًا يدل على الإيمان ونصرة النبي ﷺ، وما أشبه ذلك، وهم بمنأى عن ذلك كله، كلام يستهوي السامعين، تقول: ما شاء الله، ماذا بقي لأبي بكر وعمر ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ، وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ هذا التشبيه حاول جماعة من أهل العلم أن يبيّنوا وجهه، فمن قائل: هؤلاء كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ الخُشب إنما ينتفع بها كعمود أو سقف أو نحو ذلك في شيء، أما إذا كانت مسنّدة فهي تحجز مكانًا من غير فائدة، أعداد وأرقام وتضيق المجلس، ولكنه لا يَنتفع إطلاقًا لأنه لم يكن مقصوده الانتفاع، خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ.

وأيضًا مما يمكن أن يوجه إليه هذا التشبيه كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ أنها تعتمد في قيامها على غيرها، لا تقوم بنفسها، وهكذا أهل النفاق هم متكئون مستندون إلى غيرهم من أهل الإيمان الذين يذبون عن حياض الدين وعن أعراض المسلمين وعن بلادهم، وهؤلاء عالة عليهم مثل الطفيليات، ويمكن أن يقال: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ -وهذا من أحسن ما يقال فيه: أنهم صور وهيئات أشباح بلا أرواح، وجسوم بلا فهوم، ولا زالت العرب تعبر بذلك عن البليد الذي لا ينتفع، فهؤلاء في الصورة إذا رأيتهم تغتر، ما شاء الله على هذه المخرجات التي تستهوي الناظرين! وفي الواقع أنه لوح، فهو من الداخل منخور لا ينتفع ولا يفقه، نسأل الله العافية.

هذا التشبيه في غاية الدقة كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ثم ذكر صفتهم الباطنة، المشاعر التي تعتلج في نفوسهم، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ كلما نزلت آيات خافوا أن تكون فيهم، وإذا سمعوا صائحًا يصيح للجهاد أو نحو ذلك ظنوا أنهم المقصودون بذلك، وهذا يدل على كثرة التوجس والترقب في داخلهم، وهذا شأن من لا يكون على حالة مستقرة، فهو خائف يترقب دائمًا، وكلما رأى شبح إنسان من بعيد ظن أنه أحد يطارده، كما قال جرير يهجو الأخطل النصراني يقول:

ما زلتَ تحسبُ كلَّ شيء بعدهم خيلًا تكر عليهمُ ورجالا

لما انهزموا هزيمة منكرة صاروا يظنون كل شجرة وكل شيء من بعيد يظنون أنها خيل تكر عليهم، وكما قال المتنبي أيضًا:

وضاقت الأرضُ حتى ظن هاربُهم إذا رأى غيرَ شيءٍ ظنه رجلًا

هذا حال الإنسان الذي دائمًا يتوجس، يخاف من كل شيء.

ولهذا قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم، كما قال تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [سورة الأحزاب:19]، فهم جهامات وصور بلا معانٍ، ولهذا قال تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَأي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال.

وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، لا يقربون المساجد إلا هجرًا،[1]ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا،[2]مستكبرين لا يَألفون ولا يُؤلفون، خشب بالليل صُخُب بالنهار، وقال زيد بن مرة: سُخُب بالنهار[3].

هذه يحصل بينها التناوب، على كل حال هذا الحديث فيه ضعف لجهالة بعض رواة الإسناد، وضعف آخر، والله يقول: هم العدو فاحذرهم هم العدو هذا يشبه الحصر، كأنه يقول: لا عدو إلا هم، والمراد هنا التنبيه على شدة عداوتهم وشدة خطرهم لأنهم عدو يتحرك في الداخل ويعرف عورات المسلمين، وما يدور في داخل المجتمع الإسلامي، فيستطيع أن يفتك، بخلاف العدو الخارجي، ولذلك تجدون العدو الخارجي لا يكاد يتغلب على المسلمين إلا على هذه الجسور، يبدأ تحرك أهل النفاق، فيعطونه ما يحتاج إليه من معلومات عن المسلمين وكل ما يتطلبه انتصاره عليهم، وظفره بهم، نسأل الله العافية.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءٌُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ۝ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ۝ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ۝ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [سورة المنافقون:5-8].

يقول تعالى مخبرًا عن المنافقين -عليهم لعائن الله- أنهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارًا عن ذلك واحتقارًا لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ، ثم جازاهم على ذلك فقال تعالى: سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ كما قال في سورة براءة وقد تقدم الكلام على ذلك وإيراد الأحاديث المروية هنالك، وقد ذكر غير واحد من السلف: أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبيّ بن سلول كما سنورده قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.

وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة يعني مرجعه من أُحد وكان عبد الله بن أبي بن سلول -كما حدثنا ابن شهاب الزهري- له مقام يقومه كل جمعة لا يُنكَر شرفًا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفًا إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس.

حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع -يعني مرجعه بثلث الجيش- ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله لست لذلك بأهل وقد صنعتَ ما صنعتَ، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرًا، أن قمت أشدد أمره!، فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك؟

قال: قمت أشدد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره!، قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.

فبعض هذه الروايات هي مراسيل، لكن صح أنها نزلت من غير هذه الروايات في عبد الله بن أبي، ولعل الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يورد بعضها.

  1. يعني إلا تركًا وإعراضا، ليسوا من عمار المساجد.
  2. أي هذا إذا صلوا، ففي آخر الوقت صلاة المنافق، يرقب الشمس كما قال النبي ﷺ.
  3. رواه الإمام أحمد في المسند برقم (7926)، وقال محققوه: إسناده ضعيف لضعف عبد الملك بن قدامة، وجهالة إسحاق بن بكر بن أبي الفرات، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (2963)، والبزار في مسنده برقم (8444)، وقال الألباني: "ضعيف الإسناد" في السلسلة الضعيفة برقم (5872).

مواد ذات صلة