الثلاثاء 08 / ربيع الآخر / 1442 - 24 / نوفمبر 2020
[6] من قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ} الآية 35 إلى قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} الآية 42.
تاريخ النشر: ٠٩ / جمادى الأولى / ١٤٢٨
التحميل: 3406
مرات الإستماع: 2705

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [سورة يوسف:35].

يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي إلى مدة؛ وذلك بعد ما عرفوا براءته، وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم ـ والله أعلم ـ إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاماً أنه راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك؛ ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبيّن براءته مما نسب إليه من الخيانة، فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي العرض -صلوات الله عليه وسلامه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ: ما ذكره الحافظ -رحمه الله- من أن هذه الآيات هي الدالة على براءته هو الأرجح من أقوال المفسرين، وينبغي أن لا يدخل مع هذه الآيات تقطيع النسوة لأيديهن، فإن هذا لا تعلق له بهذا الموضع -والله تعالى أعلم، فتقطيع النسوة لأيديهن يمكن أن يتعلق بقول آخر في تفسير الآيات، كقول من قال: إن المراد رأوا الآيات الدالة على كماله وأوصافه العظيمة التي كانت مبهرة، فكان ذلك سبباً لمراودة امرأة العزيز له، ولما رآه النساء قطعن أيديهن، فهؤلاء يقولون: إنهم سجنوه من أجل الحيلولة بينه وبين امرأة العزيز التي فتنت وفعلت كل شيء بمستطاعها من أجل أن تصل إليه، وتوعدته إن لم يفعل.

وعلى هذا القول يمكن أن يدخل ما حصل من هؤلاء النسوة في المراد بهذه الآيات، ولكنه قول مرجوح، وأما على القول الراجح من أن الآيات يعني الدالة على صدقه مثل شق القميص، وقول امرأة العزيز: فَاسَتَعْصَمَ [سورة يوسف:32]، يدل على أنه كان بريئاً لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ إلى زمن من أجل أن تهدأ القالة، ويُنسى خبره، ويترك الناس الانشغال بما جرى بينه وبين امرأة العزيز، -والله تعالى أعلم.

وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنّيَ أَرَانِيَ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنّي أَرَانِيَ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[سورة يوسف:36].

قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه، ثم إنهما رأيا مناماً وطلبا تعبيره.

قوله: وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانَ الفتى يقال للشاب في مكتمل العمر، ويقال للخادم أيضاً، ويقال للمملوك، وبعضهم يقول: هؤلاء كانوا من المماليك للعزيز، وهذا لا دليل عليه، وكثير من الروايات المنقولة عن السلف مرجعها إلى بني إسرائيل، كما ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله: كان أحدهما هو ساقي الملك، والثاني هو الخباز، ويذكرون من خبرهم أشياء -الله تعالى أعلم بها، يقال: إنهم أغراهم أهل مصر بوضع السم في طعامه، فلما أراد أن يأكل قال له الساقي: لا تأكل من هذا الطعام فإن فيه السم، إما لأنه ندم أو خاف، فقال الخباز: فلا تشرب من هذا فإن فيه السم، يعني كأنه أراد أن يتهمه أيضاً في تخصصه وفي صنعته وهي السقاية، سقاية الملك، فأمر بهما إلى السجن.

وفي بعض هذه الروايات، أنه أمر الساقي أن يشرب من هذا الشراب الذي أعده فشرب منه، وما أصابه شيء، وأمر الخباز أن يأكل من هذا الخبز أو الطعام فأبى، فجيء ببهيمة فأعطي لها فماتت، فأمر بهما إلى السجن، ربما لو صح هذا باعتبار أن هذا الساقي كان يعلم، فبينهما مواطأة، لكنه لم يطل مكثه، بل جاء في بعض الروايات أنه لما ذكر الرؤيا ليوسف -عليه الصلاة والسلام- ذكر له أنه سيخرج بعد ثلاثة أيام.

وهذه الروايات لا يعول عليها لأنها من الإسرائيليات، أما يوسف -عليه الصلاة والسلام- فإنه بقي بعده مدة طويلة كما يدل عليه ظاهر الآيات، وظاهر القرآن أن هؤلاء دخلوا في وقت متزامن مع دخوله وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانَ، وهؤلاء سألوه عن تعبير الرؤيا، قال أحدهما كذا، وقال الآخر كذا، يذكرون أنهم سألوه حينما دخل السجن عن عمله، فأخبرهم أنه يعبر الرؤى، وهذا أمر يحصل أن هؤلاء الذين في السجن كلما دخل عليهم واحد جلسوا معه وسألوه: من أين جاء؟ وماذا عمل؟ وأين يعمل؟ ليتعرفوا على أحواله؛ لأنه ليس لهم عمل ولا شغل، فالشاهد أنهم سألوه فأخبرهم أنه يعبر الرؤى.

وذكر بعض المفسرين أنه لم يكن ذلك الذي أخبروه به رؤيا حقيقة، وإنما هو شيء مختلق، أرادوا أن يختبروه به، وهذا ظاهر كلام ابن جرير، وهذا لا دليل عليه، وإن قال به بعض السلف، ويقولون: هذا يشير إليه قوله: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [سورة يوسف:41]، يعني أنهم لما سمعوا هذا التفسير أو التعبير، وفيه أن أحدهما يصلب، كأنه أراد أن يتراجع، قال: لا، ما رأيت شيئاً، فقال: الموضوع انتهى، باعتبار أن الرؤيا على رِجل طائر، وأنها تقع كما عُبرت، على هذا التفسير: أنه حتى لو أرى الإنسانُ عينَه مالا ترى، وفُسر له هذا، أنه يقع كما فسر، هذا على قول بعض أهل العلم، وهو ظاهر كلام ابن جرير -رحمه الله، ولا دليل على أن هؤلاء اختلقوا ذلك وافتروه من أجل اختبار يوسف -عليه الصلاة والسلام.

على كل حال فهذا يقول: إِنّيَ أَرَانِيَ أَعْصِرُ خَمْراًأي: أعصر عنباً؛ لأن الخمر لا تعصر كما هو معلوم، وإنما تتخذ من عصير العنب، والعرب تعبر بهذا كثيراً، قد ذكر الأصمعي عن بعض الأئمة أنه لقي رجلاً من الأعراب في البادية وقال له: ما معك؟ فقال: خمر، وهو يحمل عنب، وبعضهم يقول: هذا في لغة أهل عمان، يسمون العنب بالخمر، ولا إشكال أيّاً كان فالشيء يمكن أن يعبر عنه باسم يئول إليه، فسماه بالاسم الذي يئول إليه، إِنّيَ أَرَانِيَ أَعْصِرُ خَمْراً، قالوا: هذا هو الساقي، الذي يسقي الملك، أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنّي أَرَانِيَ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ، قالوا: وهذا هو الذي كان خباز الملك، نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بعضهم يقول: نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: يعني من المحسنين في تعبير الرؤى.

وبعضهم يقول: مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني لأهل السجن، كان يحسن إليهم ويواسيهم ويرفق بهم، ويتفقد حاجتهم، ويخفف عمن كان محزوناً أو يواسي المريض أو نحو هذا، إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، ويحتمل هذا وهذا، فهم رأوا فيه من أمارات الإحسان وأعمال المحسنين ما حملهم على هذا، ولا يقال: لماذا لم يقولوا: إنا لنراك عالماً بتعبير الرؤى مثلاً؟، وإنما قالوا: إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فإنه بتعبير رؤاهم يكون قد أحسن إليهم، فهذا شيء يقدمه لهم، وهم بحاجة إليه، ولربما كانت حاجتهم إليه أعظم من حاجتهم أحياناً لطعام يطعموه أو شراب يشربوه، فإن الكثيرين يتطلبون تعبير الرؤى، ولربما أقلقتهم وشغلتهم عما هم بصدده، والله المستعان.

قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ۝ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [سورة يوسف:37، 38].

يخبرهما يوسف أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم فإنه عارف بتفسيره، يخبرهما بتأويله قبل وقوعه؛ ولهذا قال: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قال مجاهد: يقول: لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ في يومكما، إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا وكذا قال السدي.

قوله: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا، يحتمل أن يكون لا تعلق له بتعبير الرؤى، وإنما هو كالمقدمة لما سيذكره بعده من دعوتهم إلى التوحيد، فأراد أن يبيّن لهما علمه وما أعطاه الله إياه؛ من أجل أن يكون ذلك سبباً داعياً للقبول، وأن الله -تبارك وتعالى- علمه وأطلعه على ما شاء أن يطلعه عليه من الأمور الغيبية، كما قال عيسى ﷺ: وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [سورة آل عمران:49].

فبعض أهل العلم يقول: هذا كهذا، ذكره مقدمة للدعوة إلى التوحيد، ولا تعلق له بتعبير الرؤى، وقيل: هذا له اتصال بما ذكر من تعبير الرؤى، فهذا رأى نفسه يعصر خمراً، والآخر يحمل فوق رأسه خبزاً، فهذا مطعوم وهذا مشروب، فقال لهما: لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ يعني في المنام، ما تريانه في المنام، إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، فهذا الذي يعصر خمراً قلنا: يعصر عنباً، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود: ”إني أراني أعصر عنباً“، فهذا مما يشرب، والآخر مما يؤكل، والطعام يطلق على هذا وهذا، والدليل على هذا قول الله -تبارك وتعالى: وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [سورة البقرة(249]، والمقصود به شيء مشروب من النهر.

وبعض أهل العلم يقول: هذا فيما يريانه في المنام، وهذا الذي عليه كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله، وعلى هذا يكون ذلك مرتبطاً بتعبير الرؤيا، وهذا جواب على سؤال يرد، هما سألاه عن رؤيا، فقال لهما: لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا، فإن كان ذلك يتعلق بنفس الرؤيا فالأمر واضح، لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ في الرؤيا، إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، وإن كان لا تعلق له فالجواب أنه مقدمة للدعوة إلى التوحيد.

ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي، لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً في المعاد، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

قوله -عليه الصلاة والسلام: تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ لا يفهم منه أنه كان على هذا ثم تركه، إطلاقاً، فهو ابن نبي ابن نبي ابن نبي، كما في قوله -تبارك وتعالى: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [سورة إبراهيم:13]، الأقرب أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لم يكونوا على دين قومهم، وإبراهيم -عليه الصلاة والسلام- حينما قال في مناظرته: هَذَا رَبِّي [سورة الأنعام:76] للكوكب، قال على سبيل المناظرة، كان مناظراً لا ناظراً، وأنه لم يشك إطلاقاً في أن عبادة الكوكب باطل بكل حال، ولهذا قال الله عنه: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة النحل:120]، ونفْيُ الكون يشمل الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، وكذلك قال يوسف -عليه الصلاة والسلام: مَا كَانَ لَنَآ أَن نّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ، فترك ملة هؤلاء الناس، عرف أنها باطلة وأعرض عنها، ولم يكن عليها في يوم من الأيام، كيف يكون عليها وهو ابن يعقوب ﷺ؟ ولهذا قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ، ابتدأ بالجد الأبعد؛ لأنه هو الأصل، والتوحيد، والحنيفية تنسب إليه -عليه الصلاة والسلام، يقال: ملة إبراهيم ﷺ.

وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إماماً يقتدى به في الخير، وداعياً إلى سبيل الرشاد، مَا كَانَ لَنَآ أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ، هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا أي: أوحاه إلينا وأمرنا به. وَعَلَى النَّاسِ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ.

هذه الآيات وغيرها من الآيات المتعلقة بهذه السورة مليئة بالفوائد، حتى إن ابن القيم -رحمه الله- ذكر أنه يستخرج من هذه السورة أكثر من ألف فائدة، فمن هذه الفوائد العجيبة أن الله -تبارك وتعالى- أعطاه في تعبير الرؤى، فجعل ذلك مفتاحاً لدعوته إلى التوحيد، وأن هذا أول دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- في كل أحوالهم، فهو في السجن يدعو إلى التوحيد، ويبيّن ذلك أحسن البيان، بهذه الطرق التي سمعتم، أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [سورة يوسف:39]، وأيضاً يوسف -عليه الصلاة والسلام- قال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا أن من هداه الله للتوحيد واتباع الحق والسنة فقد أنعم عليه نعمة عظيمة جداً، حُرمها كثير من الناس، فينبغي أن يحمد الله عليها، ويتمسك بها، ويثبت على ذلك، فهي منحة ومنة عظيمة لا يقدَّر قدرُها، كثير من الناس يتمرغون في الشرك وعبادة غير الله وألوان الأهواء والبدع، فإذا منَّ الله على عبد بالتوحيد والاتباع فهذه نعمة تستوجب مزيداً من الشكر والإقبال على الله .

يَا صَاحِبَيِ السّجْنِ أَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ ۝ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ أَسْمَآءً سَمّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مّآ أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلََكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سورة يوسف:39، 40]، ثم إنّ يوسف أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلْع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: أَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ أي: الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه، ثم بيّن لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله.

قوله: يَا صَاحِبَيِ السّجْنِ، نسبهما إلى السجن باعتبار أنهما يقيمان فيه، ولا إشكال في هذا، يقال: أصحاب النار، أصحاب الجنة، وما أشبه ذلك، فقوله: أَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ، أرباب متفرقون في الذوات، في الصفات، في العدد، في كل ذلك أرباب متفرقون، خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ، و”خير“ أفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأن ”خير“ تأتي بمعنى التفضيل، كما هو معلوم، كما قال ابن مالك:

وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر

لكن هنا ليست على بابها، وإنما المقصود بها مطلق الاتصاف؛ لأن أفعل التفضيل تكون بين اثنين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها، فهذه المعبودات من الأحجار والأشجار لا يمكن أن تقارن، أو أن يوجد بينها اشتراك في معنىً مع الله -تبارك وتعالى- أبداً، ففي الخيرية لا وجه للمقارنة حتى يقال: هي خير أم الله الواحد القهار؟

أما ترى أنّ السيفَ يَنقصُ قدرُه إذا قيل إنّ السيفَ أمضى من العصا

ثم قال لهم: مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ أَسْمَآءً سَمّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مّآ أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ، إِلاّ أَسْمَآءً، يعني هي ليس لها حظ من الإلهية والربوبية سوى أنكم سميتموها بهذه الأسماء التي لا تغير من الحقائق شيئاً، أنتم أضفيتم عليها أسماء الآلهة، وذلك لا يصيرها آلهة، فهي أسماء لا حقيقة لها ولا نصيب لها من هذه المعاني التي تضمنتها، كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله: إذا سُمى قشر البصل لحماً، فإنه لا يتحول إلى لحم، وإذا سُمى التراب خبزاً فأكله، فإنه لا يكون خبزاً بهذه التسمية، وهكذا أيضاً في سائر الأشياء، فالتسمية لا تغير من الحقائق، فهذه عبارة عن أحجار وأشجار، فإذا سموها بأسماء الآلهة، وعدّوها آلهة، فهي مجرد أسماء سموها هم وآباؤهم، مّآ أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ أي: حجة.

ولهذا قال: مّآ أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ أي: حجة ولا برهان، ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه، ثم قال تعالى: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ.

ولما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما فقال: يَا صَاحِبَيِ السّجْنِ أَمّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبّهُ خَمْراً وَأَمّا الآخر فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطّيْرُ مِن رّأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [سورة يوسف:41].

يقول لهما: يَا صَاحِبَيِ السّجْنِ أَمّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبّهُ خَمْراً وهو الذي رأى أنه يعصر خمراً، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك؛ ولهذا أبهمه في قوله: وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِه وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً، ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رِجل طائر ما لم تُعبر، فإذا عُبرت وقعت.

وروى الثوري عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم عن عبد الله قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما، قالا: ما رأينا شيئاً، فقال: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ، وحاصله أن من تحلَّم بباطل، وفسره فإنه يُلزم بتأويله، والله تعالى أعلم، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ قال: الرؤيا على رِجل طائر ما لم تُعبر، فإذا عُبرت وقعت[1].

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [سورة يوسف:42].

ولما ظن يوسف أن الساقي ناج، قال له يوسف خفية عن الآخر -والله أعلم- لئلا يشعره أنه المصلوب قال له: اذْكُرْنِي عِندَ رَبّكَ.

لا يلزم أن يكون قاله خفية؛ لأن التعبير واضح جداً أن الذي يعصر خمراً هو الذي يسقِي، والثاني يصلب فتأكل الطير من رأسه؛ لأنه قال: أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، وهو سيفهم مباشرة أنه هو المراد، ومثل هذا لا يخفى إطلاقاً، وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا، الظن يأتي بمعنى العلم، وعلى هذا: كثير من أهل العلم سلفاً وخلفاً على أن يوسف -عليه الصلاة والسلام- علم أنه سينجو، وعبّر بالظن عن العلم، كما قال الله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُو رَبِّهِمْ [سورة البقرة:46]، أي: يتيقنون ويعلمون، فأحياناً يطلق الظن على الطرف الراجح، فيقال مثلاً: أظن كذا، يعني بحسب الغلبة؛ لأن القسمة كما هو معلوم رباعية، فطرفان: الظن، والوهم، والشك في الوسط -وهو استواء الطرفين، واليقين -وهو ثبوت العلم وتحققه، فهذا الطرف المرجوح يقال له: وهم، والطرف الراجح يقال له: ظن، والمستوي يقال له: شك.

الظن والوهم وشك محتمل لراجح وضده وما اعتدل

هذه ثلاثة أشياء، أعلاها اليقين، فلا يمكن أن يكون تعبير يوسف من باب الظنون التي تصيب وتخطئ، وبعضهم حمله على ظاهره، فقال: المقصود به الظن، أي ما يترجح عنده وإن لم يقطع به، والأول أقرب، -والله أعلم، ولما ظن يوسف  أن الساقي ناجٍ قال كما قال الله: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ.

يقول: اذكر قصتي عند ربك، وهو الملِك، فنسي ذلك الموصَى أن يذكّر مولاه الملِك بذلك.

يقول: ذكِّر الملك، يعني الملِك الأكبر ما هو العزيز، وإنما ملك مصر، اذكر له شأني، قل له: يوسف في السجن مظلوم، الرجل رأينا منه كذا وكذا وكذا، يعني مما رأوا من إحسانه، اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ، تركوه في السجن ونسوه فيه، اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ، باعتبار أن هذا قريب من الملك، هو ساقي الملك، فهذا من اتخاذ الأسباب، والرب في قوله: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ أي: عند سيدك، فالرب يتأتي بمعنى السيد.

وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي الله من السجن.

هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: فَأَنْسَاهُ الشّيْطَانُ ذِكْرَ رَبّهِ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد.

قوله: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ يعني: أنسى الشيطان هذا الرجل الذي نجا، أنساه أن يذكر يوسف -عليه الصلاة والسلام- عند الملك، وهذا قال به كثير من أهل العلم، والمعنى الثاني الذي تحتمله الآية: ”أنساه“ أي أنسى يوسفَ ﷺ الشيطانُ أن يذكر ربه، فعاقبه الله بالبقاء هذه المدة الطويلة في السجن، بمعنى أنه توجه إلى هذا الملِك وأراد الخلاص منه، ولم يتوجه إلى الله -تبارك وتعالى، وكان ينبغي أن يعتمد عليه، دون أن يلتفت إلى أحد سواه، هكذا قال بعض المفسرين، فلما حصل هذا، أي الالتفات إلى هذا المخلوق كان نتيجة ذلك أن بقي يوسف ﷺ مدة طويلة في السجن، والآية تحتمل المعنيين.

يقول: وَقَالَ، يعني يوسف، فالضمير يرجع إليه، لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فالضمير في قوله: لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا، يرجع إلى هذين السجينين، والقائل هو -يوسف ، اذْكُرْنِي، والياء هنا ياء المتكلم -كما هو ظاهر- ليوسف -عليه الصلاة والسلام، عِندَ رَبِّكَ، وكاف الخطاب لهذا الساقي، فَأَنسَاهُ الضمير يحتمل أن يرجع إلى هذا الساقي أو يرجع ليوسف -عليه الصلاة والسلام، فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فإذا جعلناه يرجع إلى يوسف -عليه الصلاة والسلام- فالمعني: فأنسى الشيطانُ يوسفَ ﷺ ذكر ربه، يعني أن يتوجه إلى الله، فتوجه إلى هذا المخلوق بأمر يجوز أن يطلبه بلا إشكال، وهذا من اتخاذ الأسباب المباحة فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.

وأما البِضْع فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع، وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعًا، ويوسف في السجن سبعًا، وعذّب بختنصر سبعًا.

البضع: بعضهم يقول: من واحد إلى أربعة، وقيل: من ثلاثة إلى سبعة، وقال ابن جرير -رحمه الله: إنه من الثلاثة إلى التسعة إلى العشرة، ولا يزيد على العشرة، ولا يقل عن الثلاثة بحال من الأحوال، وقيل: من الثلاثة إلى الخمسة، فهذا الذي يدور عليه عامة أقوال أهل العلم في تفسير البضع، وبهذا نعرف أن قول من قال: إن يوسف -عليه الصلاة والسلام- بقي أربع عشرة سنة في السجن، وقول من قال: إنه جلس اثنتي عشرة سنة فيه إشكال؛ لأنه بقي بضع سنين؛ لأن هذا التعبير للرؤى كان عند دخوله للسجن، في أول الأمر، فلا يقال بأن هؤلاء العلماء ذكروا معنى البضع باعتبار أنه مثلًا من الثلاثة إلى التسعة أو إلى العشرة، وأنه جلس قبل أن يقول له: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ مثلًا لمدة سنتين فيكون المجموع اثنتي عشرة سنة، والله أعلم؛ لأن تعبير الرؤيا وقوله: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ، كان في وقت دخول أو عند دخول السجن، والعلم عند الله .

  1. رواه أبو داود برقم (5020)، كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا، من حديث أبي رزين ، وابن ماجه برقم (3914)، كتاب تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا يقصها إلا على وادّ، وأحمد في المسند (26/100)، برقم (16182)، وقال محققوه: حديث حسن لغيره، من حديث أبي رزين ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3535).

مواد ذات صلة