الجمعة 24 / ذو الحجة / 1441 - 14 / أغسطس 2020
[12] من قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} الآية 104 إلى قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الآية 107
تاريخ النشر: ٠٦ / رمضان / ١٤٢٩
التحميل: 2925
مرات الإستماع: 26007

بسم الله الرحمن الرحيم

قال : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [سورة الأنبياء:104].

يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كما قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة الزمر:67]، وقد روى البخاري عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه[1]، انفرد به البخاري -رحمه الله.

وقوله: كَطَيّ السّجِلّ لِلْكُتُبِ المراد بالسجل الكتاب، وقال السدي في هذه الآية: السجل ملَك موكل بالصحف، فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل، فطواه ورفعه إلى يوم القيامة، والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة، والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [سورة الصافات:103] أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم.  

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ السجل أحسن ما يفسر به هو ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وهو الكتاب، خلافاً لمن قال بأن السجل ملك من الملائكة، وأنه يطوي صحيفة الإنسان بعد موته، فهذا لا دليل عليه، وبهذه المناسبة أنبه إلى أن ما يتداوله كثير من الناس في نهاية العام يقولون: طويت صحيفة عام، وفتحت صحيفة جديدة وما أشبه ذلك لا أعلم دليلاً على أنه تطوى صحيفة الإنسان في نهاية العام، وبعضهم يقول: السجل هو كاتب كان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، وهذا لا أصل له، وإنما يقال: السجل هو الكتاب، كطي الكتاب للكتب، وفي القراءة الأخرى "الكتاب"، كله بمعنى واحد يعني المكتوب، فهذه الكتابة التي تكون في الصحيفة، يقال لها: كتاب، ويقال لها: كتب، باعتبار مجموع ما كتب فيها.

كَطَيّ السّجِلّ لِلْكُتُبِ كطي الكاتب لما كتب أو للصحيفة التي كتب فيها، فهذه الكتابة يقال لها: الكتاب، ويقال لها: الكتب، فيكون المعنى هكذا كطي الصحيفة لما كتب فيها، ولهذا قال: المراد بالسجل الكتاب، وقال: "والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة"، فعلى هذا يكون معنى الكلام يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ أي: على هذا الكتاب بمعنى المكتوب؛ لأن الكتاب مصدر، والمصدر يأتي بمعنى الفاعل، ويأتي بمعنى المفعول، كتاب بمعنى مكتوب، وقال: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: على الجبين، كَطَيّ السّجِلّ لِلْكُتُبِ أي: على الكتب، فاللام بمعنى "على"، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ على الجبين، هذا بتضمين الحرف معنى الحرف، والله أعلم.

وقوله: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ يعني: هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم. وذلك واجب الوقوع لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظةٍ: فقال: إنكم محشورون إلى الله حفاة عراةً غُرْلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا، إنا كنا فاعلين[2]، وذكر تمام الحديث، أخرجاه في الصحيحين، وذكره البخاري عند هذه الآية في كتابه.

من أهل العلم من يقول: إن المراد بقوله -تبارك وتعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ أن السماء لما تطوى ويحصل ما يحصل كما قال الله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [سورة إبراهيم:8]، قالوا: إن الإعادة كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ معناها إعادة هذا الخلق بعد الطي.

والمشهور أن هذه الآية إنما هي في إعادة الخلق من جديد بعد أن تفرقت أبعاضهم وأجسادهم في التراب، وهي القضية التي كان يكابر بها المشركون، وهي من القضايا الكبار التي جاء القرآن لتقريرها، وجادل المنكرين بالعبث، وهذا له طرق كثيرة ففي سورة البقرة وحدها نحو خمسة مواضع فيها طريق واحد فقط، وهو إعادة الموتى الذين أماتهم الله من جديد، كما في قصة قتيل بني إسرائيل اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا [سورة البقرة:73]، وهكذا الذي مر على قرية، وإبراهيم ﷺ حينما قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [سورة البقرة:260]، وهذا نوع واحد من الأنواع التي يذكرها القرآن لتقرير الإعادة والبعث من جديد، وأن من مات يحييه الله -تبارك وتعالى- ثانية.

وهناك أشياء أخرى من طرق الاستدلال، مثل الشجر الأخضر كيف يخرج الله منه النار، والخضرة والرطوبة لا تتناسب مع النار والإحراق والحرارة وما أشبه ذلك، وهكذا خلق السماوات والأرض، والأجرام العظيمة، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم [سورة يس:81]، فالمشهور في هذه الآية: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ أن الله يحتج على البعث بابتداء الخلق، ولهذا قال الله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [سورة الروم:27]، وأَهْوَنُ هنا ليست على بابها، وإنما المقصود بها مطلق الاتصاف، يعني وهو هين عليه؛ لأنه سوى بالنسبة لله .

وذكرنا قاعدة أخرى، وذكرت هذا المثال عليها وهي أن الخطاب في القرآن قد يرد مراعياً فيه حال السامع، فهو أهون عليه هذا بالنسبة إليكم، فجرى الخطاب على تصور السامعين، أن الإعادة ثانياً أسهل من الابتداء، والخلق لأول مرة، فهذا هو المشهور، هذه دليل على قدرة الله على البعث.

فالنبي ﷺ ذكر هذه الآية على المنبر كما في هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد، وهو حديث ثابت صحيح: إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرْلاً يعني: غير مختونين، ثم قرأ هذه الآية: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ، فالنبي ﷺ أوردها في هذا السياق، بمعنى أن الإنسان حينما يبعث يبعث كما ولدته أمه، إن كان فقد عضواً في حياته يرجع إليه، ليس عليه ثياب، ولا معه متاع ولا غير ذلك، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ فالآية في ظاهرها وعمومها تشمل هذا المعنى، وإن كان قد يتبادر إلى الذهن أنها سيقت أولاً لتقرير مسألة البعث، ولذلك ذكرت في القواعد قاعدة وهي: أن الآية قد ترد في سياق فتدل على معنى، ولكنها قد تحمل على غيره مراعاةً لعموم اللفظ، وإن كان السياق في معنى معين، مثل لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [سورة التوبة:108]، سياق هذه الآية في مسجد قباء، لكن لما اختصم الرجل العوفي والآخر الخدري، العوفي يقول: مسجد قباء، والخدري يقول: مسجد النبي ﷺ، قال: هو مسجدي هذا[3]، مسجد النبي ﷺ، لكن لا ينفي ذلك عن مسجد قباء، ولكن ذكر النبي ﷺ الأحق.

وهكذا في قول النبي ﷺ حينما أيقظ علياً وفاطمة -ا: ألا تصليان؟ يعني من الليل، فقال علي -: إن أرواحنا بيد الله متى ما شاء أن يبعثها بعثها، فرجع ﷺ كالمغضب يلطخ فخذه ويقول: وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا[4][سورة الكهف:54]، مع أن هذه الآية جاءت في الكافرين والمجادلين في الوحدانية والنبوة، والبعث، والوحي، واستدل بها النبي ﷺ في هذا المقام، أخذاً من عموم اللفظ، وإن كان السياق في معنى، فهنا هذه الآية السياق في قضية تقرير البعث، والنبي ﷺ ذكرها في صفة حشرهم، فالعموم يشمل هذا جميعاً، وهذا يفيد في مسألة توسيع المعاني، والعلم عند الله .

قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ ۝ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ۝ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [سورة الأنبياء:105-107].

يقول تعالى مخبراً عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [سورة الأعراف:128]، وقال: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُوم الْأَشْهَادُ [سورة غافر:51]، وقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [سورة النور:55].

وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وهو كائن لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ، قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ، فقال الزبور: التوراة والإنجيل، والقرآن، وقال مجاهد: الزبور الكتاب، وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود، والذكر التوراة، وقال مجاهد: الزبور الكتب بعد الذكر، والذكر أم الكتاب عند الله، وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول، وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ.

وقال مجاهد عن ابن عباس أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ قال: أرض الجنة، وكذا قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري -رحمهم الله تعالى.

قوله -تبارك وتعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ، ذكر الحافظ هنا جملة من الأقوال، سعيد بن جبير يقول: الزبور: التوراة والإنجيل والقرآن. يعني جعلها جنس الكتاب، التوراة والإنجيل والقرآن، ولو قيل له: وزبور داود ﷺ، فقد لا يقول: لا؛ لأن المقصود جنس الكتب فهذا للتمثيل فقط، التوراة والزبور والقرآن، وقال مجاهد: الزبور: الكتاب، فهذا أعم في العبارة.

وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور الذي أنزل على داود، بخصوصه، وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [سورة الإسراء:55]، يقول: والذكر التوراة، الزبور من بعد الذكر: يعني أعطي داود الزبور بعد التوراة التي أعطيت لموسى، فموسى ﷺ هو كبير أنبياء بني إسرائيل -عليهم الصلاة والسلام، وكتابه هو أعظم الكتب التي نزلت عليهم، يقول: والذكر أم الكتاب عند الله، يعني اللوح المحفوظ، يقول: قال مجاهد: الزبور الكتب، يعني بعد الذكر، يعني والذكر أم الكتاب عند الله ، يعني اللوح المحفوظ، الزبور الكتب يعني جنس الكتب، كما قال الله : بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [سورة آل عمران:184]، يعني الكتب.

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ يعني في الكتاب، فالزبر في الأصل هو الكتب، الزبر الكتب، يقال: زبرت يعني كتبت، ولا يختص هذا بكتاب داود ﷺ، فيصح أن يطلق على كل كتاب أنه زبور، أي: مزبور، بمعني مكتوب، فالزبر هو الكتابة، أو الكتب، وفي قراءة حمزة وهي قراءة متواترة بضم الزاي وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزُّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ، فهذه قطعاً ليس المراد بها كتاب داود ﷺ بخصوصه وإنما عموم الكتب، والقراءات يفسر بعضها بعضاً إذا كان معناها واحداً، كما أن القراءة الأحادية تفسر المتواترة، لكن هنا متواترة تفسر متواترة.

فقوله: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ يحتمل أنه خصوص كتاب داود ﷺ، ويحتمل أنه جنس الكتب، لكن القراءة الثانية وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزُّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ فيدخل في الزبر التوراة وصحف إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- والقرآن والإنجيل والزبور، مِن بَعْدِ الذِّكْرِ، ويكون المقصود بالذكر هو اللوح المحفوظ، وهذا هو الأرجح والأقوى في تفسير هذه الآية، -والله تعالى أعلم، وهو اختيار المحققين من المفسرين، وقال به كبير المفسرين ابن جرير، واختار هذا القول ابن القيم، ورجحه من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، فيكون الزبور مفسراً بالزبر -قراءة حمزة، والمقصود جنس الكتب، أن الله كتب في الكتب التي أنزلها على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كتب من بعد ما كتب في اللوح المحفوظ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.

وقوله -تبارك وتعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ، الذكر هو اللوح المحفوظ، يقول: وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ، وابن جرير -رحمه الله- قال بأن الذكر هو اللوح المحفوظ، واحتج له بأشياء منها أن دخول "ال" للدلالة على معهود، مِن بَعْدِ الذِّكْرِ، فحينما دخلت "ال" فهي عهدية، ما هو المعهود إذا قيل: الذكر، مِن بَعْدِ الذِّكْرِ؟ اللوح المحفوظ، فهو شيء معهود، وإلا فكل كتاب أنزله فهو ذكر، ولهذا يقول ابن جرير: إن صحف إبراهيم ﷺ كانت قبل التوراة فلماذا لا يقال بأن الله كتب في الزبور من بعد الذكر؟ ولماذا يقال: التوراة، لماذا لا يقال: صحف إبراهيم ﷺ فإنها قبلها، فهؤلاء العلماء رجحوا أن الذكر هو اللوح المحفوظ.

وقوله -تبارك وتعالى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ قال: أرض الجنة، قبل أن أدخل في هذه المسألة انظروا إلى عبارة ابن كثير -رحمه الله، وهي دقيقة جداً، وهذا من مزايا هذا الكتاب، يقول: "يقول تعالى مخبراً عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة". 

وكثيراً ما يعبر ابن كثير بهذه العبارات الدقيقة، لكن قد لا يعرف قدرها من لم يطلع على كلام أهل العلم في هذا الموضع، والاختلاف الواقع فيه، فعبارة ابن كثير هذه عبارة جامعة، جمع فيها بين أقوال السلف، وهذا مما يميز هذا الكتاب، ويجعله بهذه المنزلة، فكتاب ابن كثير -رحمه الله- لا يعوض عنه غيره، أبداً، كثير من الكتب الآثار الموجودة فيها موجودة في التي قبلها، إن كانت من كتب المأثور، وكثير من الكتب التي تعنى بالجوانب البلاغية أو بالأحكام أو نحو ذلك فيها كلام مكرر في كتب قبلها، لكن هذا الكتاب لا يعوض عنه غيره، من أجلّ الكتب فعلاً.

فانظر إلى عبارته، وانظر إلى عبارات السلف ماذا قالوا: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ قال: أرض الجنة هذا عن ابن عباس -ا، أرض الجنة، وهذا هو الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير أرض الجنة، باعتبار أن الكافرين قد يكون لهم ظهور، وأن الصالحين إنما يكون جزاؤهم عند الله في الجنة، وهكذا يحتجون بقوله -تبارك وتعالى- عن أهل الجنة إذا دخلوها: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء [سورة الزمر:74]، قالوا: الأرض هي الجنة، فهذه تفسر هذا، أَنَّ الْأَرْضَ هي أرض الجنة، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء.

وهذا التفسير يشهد له القرآن كما ترون، ومن حيث النظر قالوا ما ذكرتُ من أن الصالحين جزاؤهم على الله في الآخرة، أما في الدنيا فقد يحصل لهم الفقر والضيق والأذى، والقتل، وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ [سورة آل عمران:146]، وفي هذه القراءة المتواترة قُتل معه ربيون كثير أي: جماعات كثيرة، فابن جرير حملها على هذا المعنى أرض الجنة، وهذا قال به جماعة من السلف، كأبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبي صالح، والربيع بن أنس، والثوري، كل هؤلاء قالوا: أرض الجنة، لهذين الاعتبارين؛ دليل من المنقول، ودليل من النظر.

ولكن القول الآخر قال به طائفة كثيرة من أهل العلم، بل نسبه ابن القيم -رحمه الله- إلى أكثر المفسرين، وهذا يحتاج إلى تأمل، لكن قال بأن المقصود بالأرض أرض الكافرين، واستدل بآيات من القرآن، كقوله -تبارك وتعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا [سورة الأحزاب:27]، وهكذا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [سورة النور:55]. 

وهكذا في قوله -تبارك وتعالى: وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [سورة إبراهيم:14]، وهكذا في قول موسى ﷺ: إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وفي قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [سورة الأعراف:137]، فقالوا: هذه في الدنيا.

وعبارة ابن كثير السابقة حملها على ماذا؟ تأملوها وانظروا فيها، حملها على المعنيين، أن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض أرض الدنيا والأرض في الجنة، فليس العبرة بوقت يحصل فيه هزيمة أو ضيق لأهل الإيمان، وإنما العبرة بالعواقب والنهايات، ولهذا لما قال الله في حق عيسى ﷺ: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [سورة آل عمران:55]، لم يكن للنصارى ظهور، إلا ببعث محمد ﷺ فصار الظهور لأهل الإيمان، أهل التوحيد، وإلا فإن الذين اتبعوا عيسى ﷺ من أهل التوحيد كانوا قلة مستضعفة، ودخل قسطنطين في النصرانية كما هو معلوم وجرها إلى الوثنية، وتسلطوا كما حصل في المجمع الذي أقروا فيه التثليث، تسلطوا على أهل التوحيد وصاروا يقتلونهم ويستضعفونهم، وصار لهؤلاء النصارى ظهور على اليهود.

 وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فبعض أهل العلم كابن القيم يقول: المقصود بهم النصارى، ظهروا على اليهود فأذلوهم وكانوا ينادون عليهم في ممالك الروم حيناً بعد حين، ويقتلون في تلك الأمصار، يقتلون اليهود، فابن القيم يقول: من كان له شائبة في اتباع المسيح أولى ممن كفر به بالكلية، يعني اليهود، فيرى أنها في النصارى.

ولكن هذا يشكل عليه بعض الأمور التي أشرت إليها، والأقرب أن ذلك كان ببعث محمد ﷺ، فالعبرة بالعواقب، وإلا ففي الآية السابقة وكأين من نبي قُتل إذا وقفنا هنا فالنبي قد يقتل، والمقتول قد يقال: إنه مغلوب فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ [سورة النساء:74]؛ لأن الله قابل الغلبة بالقتل، فالمقتول مغلوب، قد يقول قائل هذا، ولكن إذا جمعت النصوص فإن العبرة بالعواقب والنهايات، ليست العبرة بضعف البدايات وإنما بكمال النهايات.

فهنا هذه الآيات يحتج بها أمثال ابن القيم -رحمه الله، على أن الأرض أرض الدنيا، وابن كثير في ظاهر كلامه جمع بين المعنيين، وهذا الذي ذهب إليه الشنقيطي، وهو من أحسن ما يقال -والله أعلم- في تفسير الآية، إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ [سورة الأعراف:128]، فدل القرآن على أنها الجنة، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء [سورة الزمر:74]، وأن الأرض أيضاً في الدنيا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ [سورة الأحزاب:27]، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ، وما شابه ذلك، فالآية قد تحتمل معنيين يشهد لكل واحد منهما قرآن، فتحمل على هذا وهذا، ما لم يوجد دليل يمنع من ذلك، أي دليل يوجب حملها على أحد هذه المعاني، ما عندنا دليل، هذا يشهد له قرآن وهذا يشهد له قرآن، فنحملها على الجميع، هذا مقتضى القواعد العلمية، والله تعالى أعلم.

  1. رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [سورة ص:75]، برقم (6977).
  2. رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [سورة النساء:125]، برقم (3171)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (2860)، وأحمد في المسند، برقم (2096).
  3. رواه النسائي، كتاب المساجد، باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى، برقم (697)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة التوبة، برقم (3099)، وأحمد في المسند، برقم (11846)، وقال محققوه: حديث صحيح.
  4. رواه البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، برقم (1075)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما روي فيمن نام الليلة أجمع حتى أصبح، برقم (775).

مواد ذات صلة