الخميس 18 / محرّم / 1446 - 25 / يوليو 2024
وصايا صريحة للشباب
تاريخ النشر: ١٤ / ذو القعدة / ١٤٣٠
التحميل: 16880
مرات الإستماع: 7466

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فأحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أيها الأحبة، كلنا سمع ما قرأه الإمام من سورة الإسراء، أعني قول الله -تبارك وتعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ۝ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ۝ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ۝ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:12-15].

فالله فصل كل شيء مما يحتاج الناس إليه لهدايتهم، وبين لهم تفاصيل الصراط المستقيم، ثم إن الله -تبارك وتعالى- أخبر أن كل إنسان من ذكر وأنثى ألزمه طائره في عنقه، وهو عمله فهو مرتهن به، مرتبط كل الارتباط، ثم بعد ذلك يخرج له كتابًا مفتوحًا يقرأ فيه ما قدم وما أخر، من صغير وكبير، وحقير وجليل، ثم يخبر ربنا -تبارك وتعالى- أن هداية الإنسان إن حصلت، فإنما ذلك يرجع إليه، وأنها إن تخلفت فإنما يكون ضلاله على نفسه، وقد أقام الله الحجة بإرسال الرسل، وقال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15].

ونحن في مثل هذه الأوقات أصبحنا نتقلب في فتنٍ كثيرةٍ تتسارع، وصرنا إلى الحال التي أخبر عنها النبي ﷺ: وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه[1].

يعني: هذه الكبرى، هذه العظمى، أو هذه مهلكتي، فتن يرقق بعضها بعضًا، ويهون بعضها بعضًا، فتن في أبواب الشهوات لم يعرفها الآباء والأجداد، وفتن في أبواب الشبهات لم يعرفها الجيل الذي قبلنا، أصبحت تتعاقب وتتسارع مع قلة العلم وقلة الصبر.

وكما قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله: "ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به، فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر، فالفتنة إما من ترك الحق، وإما من ترك الصبر"[2].

إما أن يترك الإنسان بعض ما أمره الله به، إما جهلًا لقصور علمه، أو لغير ذلك من تأويل ونحوه، أو لقلة الصبر، ينفرط صبره في مقامات ومواقف قد يستفز فيها، فيقع في الفتنة، ومن يتكلم في القضايا الشائكة، والفتن الواقعة، فإنه يجب أن يتصف بأوصاف ثلاث:

الأولى: أن يتكلم بعلم، فإن الجاهل أعمى، لا يصح بحال أن يقود غيره، ولا أن يوجه؛ ولذلك فإن من الغلط والشطط والخطر أن يتلقى الشباب التوجيه ممن لم يُعرفوا بالعلم، ولم يكن لهم دراية في الشرع، ويحصل لهم ضلال وانحراف.

الثاني: أن يتكلم الإنسان بعدل، فإن المتكلم قد يجنح بكلامه، وقد يحصل فيه لون من التعدي مما يكون سببًا في انحرافات أخرى، كما يكون ذلك سببًا أيضًا لرد ما يقول، والله أمر بالعدل حتى مع الكافرين، حتى مع من نعاديهم: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8]، فالعدل مطلوب: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

الثالث: هو حسن القصد، أن يريد المتكلم بكلامه ما عند الله وأن يقصد بذلك النصح لإخوانه، ولا يجوز لأحد أن يتكلم في مصائب الأمة -آلامها وجراحاتها وبلاياها؛ ليحقق بذلك مصالح شخصية، فالأمة وقضياها ليست بهذا المثابة، ليست شيئًا رخيصًا، يُتاجر به صغار النفوس، فلا يحل لأحدٍ أن يتكلم من أجل أن يتوصل بكلامه إلى مطامح وغايات من المكاسب الشخصية، ليتزلف أو يتسلق، كما لا يجوز له أن يتكلم بدافع خصومةٍ أو عداوةٍ، فيكون كلامه من قبيل تصفية حساب، أو نحو ذلك، فإن هذا ليس من النصح للمسلمين في شيء.

وهكذا أيضًا لا يحل له بحالٍ من الأحوال أن يتكلم من أجل أن يسجل موقفًا فقط، الأمر أكبر من ذلك؛ ولذلك أرى أننا لابد في مثل هذه الأوقات من قدر من المكاشفة والمناصحة والمصارحة؛ من أجل أن نتوقى مضلات الفتن، وأن نأخذ بأيدي الشباب إلى الطريق الصحيح، وأن يلزموا الصراط المستقيم، ولا يحصل لهم شطط، ولا خطل، فيسلموا بإذن الله من كثيرٍ من الآفات.

أيها الأحبة، عاش الناس برهة من الزمان في حالٍ من الاستقرار، يتلقون عن علمائهم، ولم يوجد ما يعكر عليهم صفو ذلك، فالذين أدركوا تلك المرحلة وذلك الزمان انتفعوا من العلم، وحصل لهم من تزكية النفوس، وسلموا من كثير من البلايا والفتن، ثم بعد ذلك تتابعت أمور، وهي في بداياتها لربما لم تكن شاغلة للناس عما هم بصده بطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ولم تكن صارفة لهم عن العلم الصحيح، والتلقي من أهل العلم، حصل في زمان متقارب حروب، لكنها كانت بعيدة عن بيئتنا، ولم يكن لها مساس مباشر في هذه النواحي، واستمر الناس على ما عهدوا.

لابد من هذا العرض الموجز من الناحية التاريخية؛ لأن الكثيرين لم يدركوا ذلك، أو كانوا صغارا، ثم وجدوا في وقتٍ يموج الناس فيه، وقد تساوت فيه الرؤوس، ومات علماء كبار، كان الناس يخضعون لهم، واجترأ من اجترأ، فأصبحنا في كل يوم نسمع بأمور عجيبة من الفتاوى المضلة، فكان لابد من هذا الاستعراض، ولو بطريقة مختصرة موجزة.

الحروب التي وقعت قبل ما يقرب من ثلاثين سنة لم تكن مؤثرة تأثيرًا مباشرًا على مجتمعنا، الحرب التي حصلت بين العراق وإيران، والحرب التي حصلت في أفغانستان، إلا أن الجموع التي توجهت إلى أفغانستان تدفعهم الغيرة، والرغبة في ما عند الله -تبارك وتعالى- ذهب الكثيرون، ولم يكن لهم من العلم ما يحصنهم، فوجدوا بيئة مفتوحة، وجدوا غابة من الأفكار من كل مكان، وهذا لابد أن يؤثر ولو بعد حين، ثم بعد ذلك رجع من رجع منهم، ونسأل الله أن يتقبل من قُتل في جملة الشهداء.

ثم بعد ذلك حصلت أمور كبار أثرت في واقعنا تأثيرًا مباشرًا من حروب وغيرهم، فحصل اختلاف كثير بين الناس، ولكن وجود العلماء الراسخين الكبار كان حاجزًا دون وقوع كثير من البلايا التي نشاهدها اليوم، ولما قضى هؤلاء العلماء، وانتقلوا من هذه الدنيا تساوت الرؤوس، وبرز كثيرون، وجاءت هذه الوسائل الإعلامية واسعة الانتشار، فأصبح الناس يسمعون الفتاوى المتناقضة، واجترأ الكثيرون، فأظهروا فتاوى شاذة، بل ومقالات منكرة، وأصبح بعضهم يصور ما كان عليه أهل العلم، وأهل الرسوخ أنه لون من التشدد، وأن التلقي عن هؤلاء هو لون من التحجر، فأصبحت كثير من القضايا المسلمات محل جدل ونزاع وأخذ ورد، فالجيل الذي أدرك هذا حصل له نوع اضطراب، هل كنا على صواب، ثم وقع انحراف؟ أو كنا على انحراف وتضييق وتشديد، ثم بعد ذلك حصل لنا معرفة الحق والصواب؟

وإذا كان الأمر كذلك، فبعد عشر سنوات، هل الأشياء التي نقول الآن أنها لا تجوز ستكون بعد عشر سنوات جائزة؟ فوقع لكثير من الناس اشتباه والتباس وتحير، وحصل لبعضهم تراجع، وسقط من سقط، وصارت الجرأة على أهل العلم متنامية، وصارت أعراضهم كلأ مباحًا، يتكلم فيه من يفهم ومن لا يفهم بالقدح والتخطئة، والتقليل من شانهم.

ثم بعد ذلك -كما هي العادة- آل هذا إلى تصرفات غير محمودة، وإلى قناعات منحرفة لدى بعض من يعيش في مثل هذه الأجواء، وكل أحد يدعي أن الحق والصواب معه.

هذا تصوير موجز للحال والمراحل التي مررنا بها حتى أفضت بنا إلى ما نعيشه اليوم، وما كنا نظن أن تصل بنا الحال إلى ما وصلت إليه، نعم إن الذين يحملون هذه الانحرافات الكبيرة قله، ولكن الإنسان ينبغي أن يحصن نفسه، وأن يعرف المنهج الصحيح الذي يسلكه، لا سيما أن الشباب مع قلة تجربتهم، ولربما لقلة بصرهم بالعلم فإذا ما حصل مع هذا أمور تستفز، من مقالات لا يمكن أن تفهم، أو تفسر إلا بالزندقة، بالطعن في الدين والثلب والتشكيك في ثوابته، فتستفز كثير من النفوس، ولربما ينفرط صبرها، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في انحرافات، فيكون كالذي يغسل الدم بالبول؛ فكان لابد من ترشيد وتوجيه مع قدرٍ من الصراحة، فالأمور ما عادت كما كانت قبل عشرين سنة.

وسأذكر عشر وصايا، وإذا أمكن أن أزيد زدت عليها، هذه الوصايا أرجو أن تكون وصايا مقتبسة ومستمدة مباشرة من الكتاب والسنة، وكلام ومواقف السلف الصالح قد يختلف الناس فيمن عاصرهم، ولكن حينما يسمعون النصوص الشرعية، وكلام السلف الصالح، وكلام أهل العلم من المتقدمين، فأظن أن ذلك أدعى إلى القبول، وأسال الله أن يكون كلامًا مسددًا نافعًا، خالصًا لوجه الكريم، وأن ينفع به من سمعه ومن قاله.

الوصية الأولى: الشيطان لك بالمرصاد، تذكر قول الشيطان، وهو العدو الذي يتهدد ويتوعد حينما أبى أن يسجد لأبينا آدم ﷺ فطرده الله من رحمته، فرمانا بعداوةٍ ضارية فهو يقول: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ [الأعراف: 16، 17]، فهو بالمرصاد، يأتي لكل إنسان من الطريق التي يجد له ميلا إليها، إن كان هذا الإنسان فيه ميل إلى الغضب جاءه من هذه الناحية، وإذا كان فيه ميل إلى التسامح جاءه من هذه الناحية، وإذا كان فيه ميل إلى الشهوات والنساء جاءه من هذه الناحية، وإذا كان فيه حبٌ غالب للمال جاءه من هذه الناحية، وإذا كان فيه نخوة وحمية جاءه من هذا الطريق، فيحول بينه وبين الحق، ويقطع عليه، صراط الله المستقيم.

انظروا إلى الطوائف والفرق التي انحرفت، قد يقول الإنسان: هؤلاء ينتسبون إلى الإسلام، فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله ﷺ والله يقول: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، لكن كيف قطع الشيطان عليهم طريق الرجعة؟

خذ أمثلة على ذلك: المعتزلة الذين جعلوا العقل معولا لهم، وعمدة وشككوا بالنقل، وقالوا: إن الحجة في المقاييس العقلية، وأن النقل تهمة، مثل هؤلاء تقول لهم: نرجع إلى سنة رسول الله ﷺ؟

يقولون: هذه جاءت بنقل الآحاد، والعقائد لابد لها من القواطع، تقول لهم: نرجع إلى القرآن، فهو متواتر، يقولون: هو متواتر في ألفاظه ونقله، ولكنه في دلالة يحتمل.

وقالوا: الحجة بالقواطع العقلية، نرجع إلى العقل، وتقرأ في كتاباتهم، وفي كلامهم كأنك تقرأ في كتب اليونان، ليس فيها قال الله، ولا قال رسوله، كأن هؤلاء لم يرسل إليهم رسول أصلًا، فجاء من يقول العقل يحصل له الخلل والخطل، ولا أدل على ذلك من اختلافكم، فالمعتزلة انقسمت إلى اثنتي عشرة فرقة، أبو علي الجبائي، وأبو هاشم الجبائي الأب والابن، كل واحد منهما يكفر الآخر، وهما من شيوخ المعتزلة، فإلى أي  عقل نحتكم؟

فجاءت طائفة وقالت: حتى العقل ما ينفع، لابد من الحس، نعتمد على المحسوس، ما يدرك بالحواس الخمس فقط، فجاءهم من يقول: حتى الحس يخطئ، يرى العصا في الماء منكسرة، ويرى النجم من بعيد صغير، فجاءت طائفة وقالت: حتى الحس إذا لا يعتمد عليه، وجاء قوم يسفسطون تركوا ما بعث الله به نبيه ﷺ وضلوا وتاهوا.

فهؤلاء لا يمكن أن يرجعوا معك إلى الكتاب والسنة؛ لأن الشيطان قد جعل لهم حواجز دونها.

تأتي إلى الصوفي، تقول له: نحتكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يقول: أنتم تأخذون دينكم ميتا عن ميت، حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي مباشرة، هذا كيف يرجع معك ويحتكم إلى الكتاب والسنة؟ رأيتم.

وقل مثل ذلك في هؤلاء الذين يطعنون في القرآن وفي السنة، وفي ثوابت الشرع مما لا خلاق لهم من هؤلاء الكاتبين الذين يفعلون هذه الأفاعيل، يقال لهم: هذا كتاب الله يحكم بيننا، وهذه سنة رسوله ﷺ قال: نعم هذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله ﷺ لكن لسنا ملزمين بفهم السلف الصالح، نحن نفهم القرآن والسنة بمعطيات العصر، فيفهم فهمًا مقلوبًا، هذا متى يرجع إلى الحق؟ فالشيطان قد جعل الحواجز.

وتأتي إلى من ينتسب إلى الكتاب والسنة، وقد وقع في انحرافات -كما نشاهد في مثل هذه الأيام- وتقول: له نرجع إلى النصوص الشرعية، من الذي يفهم النصوص الشرعية؟ الذي يفهمها، ويبين عن الأحكام إنما هم العلماء.

فجاء الشيطان ووضع لهم حاجزا، فيوسوس لهم، ولربما عن طريق شياطين الإنس، فإن الشياطين يكونون من الإنس والجن، فيقول لهم: هؤلاء العلماء فيهم كذا، وفيهم كذا، وفيهم كذا، ويملأ قلبه بما يزهده فيهم، وينفره منهم، فإذا قيل له: العالم الفلاني يقول كذا، ويستدل بكذا، والعالم الفلاني يقول كذا ويستدل بكذا، فإنه لا يقبل لماذا؟ لأنه قد حيل بينه وبينهم.

وإذا لم يتلقى الإنسان عن العلماء وهو ليس بمتأهل لفهم النصوص الشرعية، فما ظنكم؟ لابد أن يقع في الانحراف، وهذا الذي حصل، هذا يفهم كما يحلو له، ويصير هؤلاء يتلقون من نظرائهم وأمثالهم من الصغار، تركوا العلماء الكبار من الراسخين، وصاروا يتلقون عن جهلة، أو عن أقوام لم يحصل لهم الرسوخ في العلم.

وانظروا ماذا يقول شكري مصطفى، رئيس جماعة التكفير والهجرة -معروف في مصر: "إن الفقيه لا يحمل من العلم أكثر مما يحمله العامة، ودعوى أن الفقيه يحمل علمًا أكثر منا هي دعوى مرفوضة".

هذا رجل جاهل، أوجبوا على الناس أن يهاجروا، ثم لما وصلوا إلى طريق مسدود رأوا أنه يجب عليهم أن يعتزلوا المجتمع، وأن يفارقوه، ثم بعد ذلك حصلت أمور يعرفها كثير منكم.

يقول: "ونحن ننازعهم في ذلك"، وصار هذا الآن يُأصل أصلا، وهو أن الفقهاء لا يفهمون أكثر منا، يعني: معاشر العوام، فإذا وصل معهم إلى هذه النتيجة أقنع الناس بهذا، أو أقنع هؤلاء الأتباع بذلك، إذًا سيتلقون منهم ويتركون العلماء، هل يمكن أن يقبل عاقل أن الفقهاء لا يفهمون أكثر منا؟ إنما يقول ذلك من أراد أن يقطع الطريق على الناس.

النصوص الواردة في فضل العلماء، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، والأحاديث الواردة في هذا الباب، إذا كان هؤلاء الفقهاء والعلماء لا يفهمون أكثر من العامة، إذًا ما وجد تفضيل، وإنما الفقه هو الفهم.

الوصية الثانية: إن العلم عصمة بإذن الله إنما يتسلط الشيطان على الجاهل، انظروا في أدنى الأشياء: الوسوسة التي يُبتلى بها كثير من الناس، يلعب به الشيطان، حتى أن بعضهم أخبرني أنه ترك الصلاة شهرًا كاملا؛ لشدة ما كان يعاني، وبعضهم ترك الغسل من الجنابة؛ لأنه يغتسل باليوم عدة مرات، يظن أنه قد أجنب، ترك الاغتسال من الجنابة سنة كاملة، سمعته من بعضهم، يلعب بهم الشيطان.

هؤلاء لو كان عندهم فقه في الدين، هل يمكن أن يحصل لهم مثل هذا؟ أبدًا، لا يمكن، فهذا مثال بسيط نشاهده، بعضهم يضع مسجلًا عنده، ويتكلم الله أكبر، أنا الآن أصلي الظهر، ثم يسمع هل صلى، يشك، هل صلى أو ما صلى ويشك، هل صلى، أو ما صلى أصلا.

رأيتم كيف يفعل الشيطان؟ فالعلم عصمة؛ ولذلك هناك من يريد أن يصرف الناس إلى مشارب ومسالك منحرفة، إنما يريد أن يصرفهم أول ما يصرفهم عنه هو العلم، يزهدهم في العلماء، وذلك بالوقيعة والقدح.

فإذا سمعت من يقدح بالعلماء الثقات من أئمة المسلمين، ممن جعل الله لهم القبول في الأرض، وأقرت لهم الأمة بالإمامة في العلم، فإذا أرخيت سمعك، فإن نهاية هذا الطريق هي الإلغاء لهؤلاء العلماء، فتعلم والزم مجالسهم.

ومهما قال الإنسان: هل يمكن أن تخلو الأمة من قائم لله بحجة في عصر من العصور؟ هل يمكن؟ هذا لا يمكن أن تخلو، لابد أن يوجد من العلماء الربانيين من تبرأ به الذمة، فارجع إليه واسأله، لكن لابد أن يكون من أهل الرسوخ في العلم، ممن عُرف بذلك، لا يكون نكره من النكرات، فإن الإنسان قد يعظم الصغير.

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها وَتَصْغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

وإنما يُرجع إلى أهل الرسوخ ممن أقر لهم أهل العلم بذلك، وأذعنوا لهم، ممن لهم لسان صدق في الأمة، ولابد أن يوجد في كل عصر من العصور.

ثم إن لم يحصل ذلك وبدأ الإنسان يطالع بنفسه في القضايا الشائكة، ويستنتج ويفهم، ويحكم فإنه غالبًا لن يتوصل إلى النتائج الصحيحة، قد يرجع الإنسان إلى فتاوى صدرت من بعض أهل العلم في مناسبات معينه في القرن الماضي، أو القرن الذي قبله، ثم يجعل من هذه الفتوى قاعدة مضطردة، والعالم إنما قالها في ملابسة معينه.

أنا أعرف كلامًا لبعض أهل العلم، كالشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لو عرض على الإنسان بمفرده هذا المقطع فإنه لا يشك أن رأي هذا العالم في القضية الفلانية هو هذا في كل الحالات، ولكنك إذا جمعت كلامه، ثم قارنت بين ما قاله هنا، وما قاله هنا، فلربما يتوهم بعضهم أن ذلك من التناقض، والواقع أنه ليس بتناقض.

قد يقول العالم قولًا في مقام يحتاج فيه أن يؤكد أمراً، أو أن يدفع شرًا، قد ظهرت أماراته، ويتكلم بكلام قوي في هذا المقام؛ ليحذر الناس منه، ولكنه قد يذكر كلامًا في مقام آخر، في مقام التأصيل، فيختلف كلامه هنا عن كلامه هناك.

وقد رأيت في كثير من الكتابات، مما ينقلون من أهل العلم في المسائل العلمية من ينقل هذا، ثم يأتي آخر ويرد عليه، وينقل كلامه الآخر ولو أنه حصلت آناة، وجمع الإنسان واستقرأ كلام أهل العلم، وترك من لا يحسن الكلام، أو من لا يحسن الكتابة، أو من لا يحسن في باب العلم ترك الكتابة والتأليف في الانترنت، أو في تصنيف الكتب، أو في ما شابه ذلك لانكف شرًا كثيرًا.

الوصية الثالثة: لا تغرر بنفسك، ولا تدخل في أمر لم تتبينه، لا تدخل إلا في أمر واضح، فالمسألة لا سيما في أوقات الفتن قد يكون فيها ذهاب الدنيا والآخرة.

ابن عمر لما وقعت الفتنة بين الصحابة، قال: "إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينا وشمالا فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتى جلَّ الله ذلك عنا، فأبصرنا طريقنا الأول فعرفناه، فأخذنا فيه"[3].

مع أنا ما نشاهده ونسمعه في مثل هذه الأيام في بعض هذه الفتن ليس بمشتبه، ولا ملتبس، نقل المعركة إلى بلاد المسلمين، وما يحصل من جراء ذلك من إزهاق النفوس والأموال والمفاسد الكثيرة التي لا تخفى، هذا ليس فيه شبهة، هذا أمر ظاهر بيِّن البطلان، لكن من التبس عليه ذلك، فهذا كلام عبد الله بن عمر لا تدخل في أمر لم تتبينه.

وكان مسروق بن الأجدع من التابعين إذا قيل له أبطأت عن علي وعن مشاهده، فكان يقول: "أرأيتم لو أنه حين صف بعضكم لبعض فنزل بينكم ملك، فقال: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، أكان ذلك حاجزًا لكم؟ قالوا: نعم، قال: فوالله لقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم ﷺ وإنها لمحكمة ما نسخها شيء"[4].

وهذا شريح القاضي لما كانت فتنة ابن الزبير، والسلف وأهل العلم إذا ذكروها قالوا: فتنة ابن الزبير، مع أن ابن الزبير دانت له الحجاز، والعراق، وخرسان، ومصر، وبعض الشام، ومع ذلك يسمونها، فتنة ابن الزبير.

فكان ميمون بن مهران يقول: "لبث شريح في الفتنة، -يعني: فتنة ابن الزبير- تسع سنين لا يخبر -ما يتكلم فيها، لا يذكر لها خبرا- فقيل له: قد سلمت، يعني: لماذا لا تتكلم ألم تشارك فيها، فقال: كيف بالهوى"[5].

يعني: يخشى أن يداخل كلامه شيء من الهوى، والله يقول: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

ولما جاءت الحرورية -نسبة إلى حروراء- وهم الخوارج لمطرف بن عبد الله بن الشخير -رحمه الله- يدعونهم إلى رأيهم، قال لهم: "يا هؤلاء إنه لو كانت لي نفسان تابعتكم بأحدهما، وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولونه هدى اتبعتها بالأخرى، وإن كان ضلاله هلكت نفس، وبقيت لي نفس، ولكنها نفس واحده، وأنا أكره أن أغرر بها"[6].

إذا فاتت النفس هذه، وذهبت ما فيه مجال للاستدراك، يقول: الإنسان يا ليت، أريد كرةً أخرى أتثبت وأُراجع وأتبين، لا هي مرة واحدة، نفس واحدة.

وأتاه ناس زمن ابن الأشعث، ويسمونها فتنة ابن الاشعث لاحظ، ابن الاشعث ما الذي تابعهُ؟ علماء وفقهاء مقابل الحجاج، وحصلت حروب، هُزموا فيها، وقتل ابن الأشعث، وقُتل كثيرٌ ممن معه، واختفى كثيرٌ من العلماء طلبهم الحجاج.

جاء أُناس إلى مطرف -رحمه الله- يدعونه إلى قِتال الحجاج، فلما أكثروا عليه، قال: "أرأيتم هذا الذي تدعون إليه هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله؟ قالوا: لا، قال: فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها، وبين فضل أصيبه"[7].

وقال: "لأن أخذ بالثقة بالقعود، أحب إليَّ من أن ألتمس فضل الجهاد بالتغرير"[8].

وكان يقول: "أتى على الناس زمان خيرهم في دينهم المتسارع"، يعني: الذي يبادر، لا يتريث في الاستجابة "وسيأتي على الناس زمان خيرهم في دينهم المتاني".

يقول أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب الفراء: "سألت علي بن عثام عن تفسير هذا، ماذا يقصد بقوله: "خيرهم في دينهم المتسارع سيأتي على الناس...." إلى آخره.

فقال: "كانوا مع رسول الله ﷺ وأصحابه إذا أمروا بالشيء تسارعوا إليه، وأما اليوم فينبغي للمؤمن أن يتبين، فلا يقدم إلا على ما يعرف"[9].

وله موقف آخر في غاية الأهمية، يذكر ذلك عن نفسه، يقول: "كنا نأتي ابن صوحان، وكان يقول: يا عباد الله، أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين: الخوف والطمع".

يكرر ذلك على أصحابه، يقول" فأتيته ذات يوم، وقد كتبوا كتابا، فنسقوا كلاما من هذا النحو...." كأنهم أردوا أن يكونوا مجموعة طائفة لها مبادئ خاصة، لها أصول خاصة، غير أصول الإسلام العامة المعروفة، ماذا كتبوا؟ "أن الله ربنا، ومحمد نبينا، والقران إمامنا، ومن كان معنا كنا وكنا له، ومن خالفنا كانت يدنا عليه، وكنا وكنا".

يقول مطرف: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلًا رجلًا، فيقولون: أقررت يا فلان، -كأنها بيعة- يقول: حتى انتهوا إلي، فقالوا: أقررت يا غلام، قلت: لا، فقال: ابن صوحان لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟ قال: قلت: إن الله قد أخذ عليَّ عهدًا في كتابه فلم أحدث عهدًا سوى العهد الذي أخذه الله علي، قال: فرجع القوم من عند آخرهم، ما أقر به أحد منهم، فقيل لمطرف: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثين رجل[10].

وكان يقول "إن الفتنة ليس تأتي تهدي الناس، ولكن إنما تأتي تقارع المؤمن عن دينه، ولأن يقول الله: لما لا قتلت فلانًا؟ أحب إليَّ من أن يقول لما قتلت فلانًا"[11].

لاحظوا بصر السلف الصالح وأرضاهم، هذا المجلس لم يعقد لمدح أحد من الخلق كائنا من كان، ولا لدفاع عن أحد من الخلق، إنما هو مذاكرة ونصيحة، أسال الله أن ينفع بها.

الوصية الرابعة: أن نعتبر بالتاريخ، التاريخ سجل كبير حافل بالأحداث، والله يعيد التاريخ حينا بعد حين، وتتكرر كثير من الأحداث، وإن اختلفت الأسماء، ومن الخطأ أن نغفل عن هذه الكنوز في تاريخنا وتراثنا، ونكرر الأخطاء نفسها.

يقول شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- معلقا على الحوادث التاريخية والمآسي والفتن والحروب التي وقعت بين المسلمين: "فإن الله تعالى بعث رسوله ﷺ بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تولى خليفة من الخلفاء كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم، فإما أن يُقال يجب منعه من الولاية، و قتاله حتى يولى غيره، كما يفعله من يرى السيف، فهذا رأي فاسد، فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته، وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير... إلى أن قال: وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا، وإما أن يُغلبوا، ثم يزول ملكهم، فلا يكون لهم عاقبة.... إلى أن قال: وأما أهل الحرة، وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم، فهزموا وهزم أصحابهم، فلا أقاموا دينا، ولا أبقوا دنيا، والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصل به صلاح الدين، ولا صلاح الدنيا"[12].

يبين هذا بعض المنقولات عمن عاصروا هذه القضايا، أيوب السختياني إمام في العلم والزهد والعبادة والورع، تعرفونه جميعًا، يقول: "وفي القراء الذين خرجوا مع ابن الأشعث -لاحظ القراء، يعني: طلبة العلم العلماء- لا أعلم أحدًا منهم قُتل إلا رغب له عن مصرعه.."[13].

يعني: تمنى من أدرك ذلك، أنه لم يمت، ولم تكن نهايته بهذه الطريقة، الذين خرجوا مع ابن الأشعث مقابل لحجاج.

أيوب السختياني ليس بمتهم، وكل هؤلاء الذي أنقل عنهم هم أئمة هدى، يقول في القراء الذين خرجوا مع ابن الاشعث: "لا أعلم أحدًا منهم قُتل إلا رغب له، وعن مصرعه أو نجا إلا ندم على ما كان منه".

إذًا لماذا الإنسان يعيد يجرب على نفسه، ويقع فيما وقع فيه غيره أو أسوأ؟ والعاقل من وُعظ بغيره، والشقي من وُعظ بنفسه.

انظروا في الفتن، والتاريخ يعيده الله -تبارك وتعالى- واعتبروا ما ذكره ابن الاثير، وابن كثير، وآخرون كتاج الدين السبكي، في ما وقع من التتر في عام 616 عبرت التتار نهر جيحون بصحبة ملكهم جنكيز خان، وكانوا يسكنون جبال طغماج، من أرض الصين، وكانوا من أشجع أهل تلك النواحي، ومن أصبرهم على القتال، ما سبب دخولهم نهر جيحون وغزو البلاد الإسلامية إلى الشام، وقتلوا الخليفة، وخربوا بغداد، وبلاد كثيرة؟

السبب: أن جنكيز خان بعث تجارًا له، ومعهم أموال كثيرة إلى بلاد خوارزم شاة يبتضعون له ثيابًا للكسوة، فلما انتهوا إلى الأترار -ناحية من البلاد التي يملكها خوارزم شاة، وهذا ملك من ملوك المسلمين في تلك النواحي، فكتب نائب الأترار إلى خوارزم شاة يذكر له ما معهم من كثرة الأموال التي لا تعد، ولا تحصى، وقال له: الرأي قتلهم، وأخذ أموالهم، فأرسل إليهم بأن يقتلهم ويأخذ ما معهم، ففعل ذلك، فلما بلغ ذلك جنكيز خان أرسل يتهدد خوارزم شاة.

يقول ابن كثير: ولم يكن ما فعله خوارزم شاة فعلًا جيدًا[14]، فلما تهدده، أشار عليه من أشار بالمسير إلى التتر إلى جنكيز خان؟ قالوا: لخوارزم شاة الرأي أن تغزوهم، فقام ولده السلطان جلال الدين، وكان عاقلًا، وسأل عن طاعة جند جنكيز خان له، فعرف أنهم يطيعونه ولا يخالفونه، فأشار على والده بأن يتلطف في الجواب، ويخلي ابن جنكيز خان، وبين نائب الأترار ويسلطه على دم واحد يحمي به المسلمين من نهر جيحون، إلى قريب من بلاد الشام، ومساجد لا تحصى، ومدارس وأمم لا يحصيهم إلا الله ومدائن وأقاليم، فأبى والده إلا السيف، وأمر بقتل رُسل جنكيز خان الذين جاءوا يتوعدون.

يقول ابن السبكي: فيا لها فعلة ما كان أقبحها أجرت كل قطرة من دمائهم سيلًا من دماء المسلمين[15].

فماذا حصل؟ سار إليهم خوارزم شاة، وهم في شغل شاغل بقتال في تلك النواحي، فنهب أموالهم، وسبى ذراريهم وأطفالهم، فأقبلوا إليه محروبين في غاية الغيث فقتتلوا معه أربعة أيام قتالا لم يسمع بمثله، ثم رجع عنهم فقصدت التتر بلاد بخارى، وبها عشرون ألف مقاتل فحاصرها جنكيز خان ثلاثة أيام، فطلب منه أهلها الأمان فأمنهم ودخلها، فأحسن السيرة فيها مكرًا وخديعة، وامتنعت عليه القلعة وحاصرها وفتحوها قصرا في عشرة أيام، فقتل من كان بها، ثم عاد إلى البلد فصطفى أموال تجارها، وأحلها لجنده، فقتلوا من أهلها خلقا لا يحصيهم إلا الله وأسروا الذرية والنساء، وفعلوا معهن الفواحش بحضرة أهلهن، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل، ومنهم من أُسر فعذب بأنواع العذاب، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال، ثم ألقت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها، فاحترقت حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها، ثم كروا راجعين عنها قاصدين سمرقند[16].

وهكذا في حكاية طويلة مليئة بالمآسي والأحزان، والسبب هو هذا التصرف الذي فعله خوارزم شاة، أدى إلى هذا الفساد العريض.

التصرفات يجب أن تكون محسوبة، ومن الخطأ أن يقول الإنسان: نحن نقاتل، أو نفعل هذا الأمر أو نحتسب، أو ننكر هذا المنكر، والنتائج ليست إلينا، لا لابد من مراعاة المآلات، وإلا فإن الإنسان يتحمل ما يحصل من فعله من النتائج الوخيمة التي لم يحسب لها حسابًا.

الوصية الخامسة: لا يكن دافعك أو قائدك الحماس ودافع الشباب، الحماس للدين مطلوب، ويدل على الصدق، ولكن لا يصلح أن يكون الحماس قائدًا وموجهًا وسائقًا للإنسان، بل يجب أن يزم بزمامين:

الأول: بزمام النقل، وكثيرون يعبرون في هذا المقام، وما شاكله بالشرع.

والزمام الآخر: العقل، ولم أعبر به ابتداء؛ لأن دليل العقل من أدلة الشرع، فلابد من ضبط التصرفات بالضوابط الشرعية، ولابد من عقول راجحات تجعل الإنسان يتبصر فيما يأتي وما يذر.

الوصية السادسة: الرؤى مبشرات، ولكن لا يبنى عليها حكم، هذه قاعدة شرعية، فمن الخطأ أن يتعلق الإنسان بالرؤى، ويبني عليها أحكامًا أيًا كانت هذه الأحكام، سواء في العبادات أن هذا مشروع أو غير مشروع، أو كانت أحكامًا على الناس، أو كانت أحكامًا في سائر التصرفات، وهذا باب واسع دخل الشيطان منه على أقوام، فحصل بسبب ذلك فساد كبير.

انظروا الفتنة التي وقعت في الحرم قبل نحو ثلاثين سنة، أكثر من مائة رؤيا لأناس لا يعرفون هذا الرجل، يرونه يقولون: نحن رأيناك، أنت المهدي، فتنة، أكثر من مائة رؤيا أناس ما يعرفونه.

وهكذا هؤلاء الذين يتبعون هذا الضال المضل الذي يدعي أنه رسول، لم يكتف أنه المهدي فقط، ويتكلم بكلام في غاية الكفر والقبح، أن القرآن محرف، وأمور عجيبة موجودة في موقعه في الإنترنت، يدعي أنه رسول، هذا الذي يسب أصحاب رسول الله ﷺ ويستهزئ بهم، ويسب علماء المسلمين، كثير من أصحابه تتلاعب بهم الرؤى، تلعب بهم الشياطين، وتسمع أحيانًا أمورًا من المضحكات المبكيات، مبناها على الرؤى.

وتكلم العلماء كالشاطبي -رحمه الله- وغيره في أن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال، إلا أن نعرضها على ما في أيدينا من أحكام الشرعية، فإن سوغتها عملنا بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة والنذارة، أما أن يؤخذ منها أحكام فلا[17]، لا يمكن هذا.

الرؤى هذه التي تنقل، قد يكون الرائي يكون كاذبًا، أليس ذلك بوارد؟ قد يكون كاذبًا، رأى كذا وكذا وكذا، وإذا فرضنا صدقه، فإن ذلك قد يكون من قبيل حديث النفس، أو من إلقاء الشيطان ليضلل الناس، والنبي ﷺ قال: الرؤيا ثلاث: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان ...[18].

افترض أنها ليست من الشيطان، وليست من حديث النفس، قد يكون التعبير لها غير صحيح، وكم عبر من الرؤى بالتاريخ وباليوم وبالساعة، ولم يحصل هذا؟ ولكن الناس يحفظون الشواهد والأمثلة التي يقع فيها ذلك، أما التي يخطئ فيها، فإن ذلك لا يحفظ.

فإذا كانت هذه الأمور ترد على الرؤى، فكيف نثق إذا بالرؤى لتكون معولًا في الأحكام، وينطلق منها الإنسان بقناعات، ونظرة للحياة، والكون والمجتمع؟

الوصية السابعة: هؤلاء الذين يقتحمون هذه الفتن، هل يدري الواحد منهم إلى أي شيء يقدم؟ هذه أمور عظام، قتل النفوس، الله يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:93]، كل هذه الأمور، قد يكون هذا الشاب عابثًا يجول في الطرقات، ويفرط في كثير مما أمره الله به في لهو وغفلة، واشتغال عن كثير من الخير، ثم بعد ذلك تحصل له إفاقه فيستقيم ويتوب، ولكن هل هذا نهاية المطاف؟

لا، الشيطان جالس له، فقد يوقعه في أمورٍ أعظم مما كان فيه، وهذا أمر في غاية الخطورة، الانحراف ليس فقط في سماع المعازف، ورؤية المشاهد الفاضحة في القنوات، وفي الانترنت، أو مقارفة الفواحش، لا، هناك فواحش أخرى أعظم من الزنى، الله يقول مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32].

{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ۝ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان:68-71].

والأحاديث الواردة في هذا الباب كثيرة جدًا، أورد طرفًا مما صح منها عن النبي ﷺ إيرادًا سريعًا:

خطب ﷺ الناس يوم النحر، فقال: يا أيها الناس ... فإن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه ثم، قال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، يقول ابن عباس رضي الله عنهما "فو الذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب[19].

وقال ﷺ: لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض[20]، رواه البخاري.

وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا متعمدًا، قال ابن عباس: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، قال ابن عباس: لقد أنزلت في آخر من نزل، ما نسخها شيء، حتى قبض رسول الله ﷺ وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ قال: أرأيت إن تاب، وآمن وعمل صالحًا، ثم اهتدى، قال: وأنى له بالتوبة".

هذا رأي لابن عباس.

يقول: وقد سمعت رسول الله ﷺ: ثكلته أمه رجل قتل رجلًا متعمدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه، أو بيساره، وآخذًا رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في قبل العرش، يقول: يا رب سل عبدك فيما قتلني[21].

وفي حديث لابن عباس أنه سأله سائل: يا أبا العباس، هل للقاتل من توبة؟ فقال: كالمعجب من شأنه، ماذا تقول؟ فأعاد عليه مسألته، فقال: ماذا تقول مرتين أو ثلاثة، ثم قال: أنى له التوبة، سمعت نبيكم ﷺ يقول: يأتي المقتول متعلقًا رأسه بإحدى يديه، متلببًا قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، ثم يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار[22]، الأمور ليست بالسهلة.

في حديث ابن مسعود مرفوعًا: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء[23].

وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: اجتنبوا السبع الموبقات... وذكر منها: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق[24].

وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا: لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا[25].

يقول ابن عمر -رضي الله عنهما: "من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله"[26].

وقد فسر ابن العربي -رحمه الله- الفسحة في الدين: بأنها سعة الأعمال الصالحة، حتى إذا جاء القتل ضاقت؛ لأنها لا تفي بوزره، يقول: والفسحة بالذنب قبوله الغفران بالتوبة، حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول"[27]. نسأل الله العافية.

وفي حديث البراء مرفوعًا: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق[28].

وفي حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم[29].

وجاء في حديث بريده : قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا[30].

وفي روايةٍ عنه: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبك، وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم حرمة منك ماله ودمه، وأن يظن به إلا خيرا[31].

وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما: لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار[32].

وفي حديث جندب مرفوعًا: من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم أن يهريقه كما يذبح به دجاجة، كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال الله بينه وبينه، ومن استطاع منكم أن لا يجعل في بطنه إلا طيبًا، فليفعل، فإن أول ما ينتن من الإنسان بطنه[33]، رواه الطبراني وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني.

في حديث معاوية: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا[34].

وفي حديث أبي الدرداء : كل ذنب عسى الله أن يغفر إلا الرجل يموت مشركًا، أو يقتل مؤمنًا متعمدًا[35].                                                                                      

وفي حديث أبي موسى  مرفوعًا: إذا أصبح إبليس بث جنوده، فيقول: من أخذل اليوم مسلمًا البسه التاج، قال: فيجيء هذا، فيقول: لم أزل به حتى طلق امراته، فيقول: أوشك أن يتزوج، ويجيء هذا، فيقول: لم أزل حتى عق والديه، فيقول: يوشك أن يبرهما، ويجيء هذا، فيقول لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا، فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت، ويلبسه التاج[36].

وفي حديث عبادة مرفوعًا: من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله، لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا[37].

معنى اغتبط بقتله -كما فسره بعضهم، قال: الذين يقاتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم فيرى أحدهم أنه على هدى، ولا يستغفر الله من ذلك، يعني: هو يرى أنه فعل فعلًا جيدًا يغتبط به ويفرح به ويسر.

وفي حديث أبي سعيد مرفوعًا: يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير حق، فينطوي عليهم، فيقذفهم في غمرات جهنم[38].

قال ابن العربي: ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير الحق والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بقتل المسلم؟ فكيف بقتل الولي أو التقي الصالح[39].

أما قتل المعاهد، فقد جاء في حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا: من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا[40].

وفي حديث أبي بكرة مرفوعًا: من قتل معاهدًا في غير كنهه، يعني: في غير الوقت الذي يحل قتله فيه، كأن ينقض عهده حرم الله عليه الجنة[41].

ومن قتل رجلًا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا[42]، وفي رواية: من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام[43].

هذا في قتل المعاهد، أما قتل الإنسان نفسه، يعني: هذا الإنسان الذي يفجر نفسه كل الأدلة التي يستدل بها ويجيز ذلك في ميادين الجهاد الصحيحة لا أعلم دليلًا واحدًا منها يدل على أنه قتل بيد نفسه، كل الأدلة التي يستدل بها من يجيز ذلك كلها القتل فيها يقع بيد العدو، لا بيد نفسه.

وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردى فيه خالدا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سُمًّا فقتل نفسه، فسُمَّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا[44].

وفي رواية: الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار[45].

وفي حديث جندب : كان برجل جراح، فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه، فحرمت عليه الجنة[46].

وفي رواية: أن رجلًا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة، فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات، قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة[47].

وفي حديث جابر بن سمرة : أن رجلًا كانت به جراحة فأتي قرنًا له، فأخذ مشقصًا فذبح به نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ[48].

والقرن: هو جعبة النشاب، والمشقص: سهم فيه نصل عريض.

وفي حديث ثابت بن الضحاك أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به  يوم القيامة....[49]، الحديث.

وفي حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ التقى هو والمشركون، فاقتتلوا فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم  شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال النبي ﷺ: أما إنه من أهل النار[50]، وخلاصة الحديث: أنهم تبعوه فأصابته جراحة، فجزع فاستعجل الموت، فقتل نفسه.

وكذلك -أيضا- حَمْل السلاح على المسلمين، وقد قال النبي ﷺ: لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعله الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار[51].

وفي الحديث الآخر: من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه[52]، ما حاجة الإنسان لدخول هذه المضائق؟

وفي الحديث الآخر: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار[53].

وفي رواية: إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على حرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلها جميعًا[54].

وفي الحديث الآخر: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر[55].

الأموال المعصومة، ما الذي يبيحها؟ حديث أبي أمامه مرفوعًا : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة[56].

هذه الأموال لما تتلف، ما الذي يسلطه على سيارة هذا، وسيارة هذا ينزل من سيارة إلى أخرى وثالثة ورابعة وخامسة، هذه أموال معصومة، ما الذي يبيحها له؟ ما الذي يبيح له السطو على مال هذا، أو ترويع الناس كذلك أيضًا، والنبي ﷺ يقول: لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا[57].

وقال: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا، ولا جادًا[58].

ينضاف إلى ذلك أمور، من تزويرٍ، وخيانةٍ، وغدرٍ وتوريطٍ للأبرياء يسرق بطاقة هذا، ويستأجر بها مكانًا، أو نحو ذلك، أو يسرق سيارة هذا، ويعمل بها عملًا، ثم بعد ذلك الذي يصطلي بحرها هو ذلك المسكين، ما الذي يبيح للإنسان هذه الأمور؟ أين الخوف من الله ؟.

اخفار ذمة المسلمين، وقد جاء عن علي:  (ما عندنا شيء إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ وفيها ذمة المسلمين واحده، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)[59]، شاب صغير يأتي ويجترئ على الأمور الكبار، كيف استنتج هذه الأحكام؟ وكيف فرق بين هذا وهذا؟ وكيف وصل إلى الحكم ثم التنفيذ؟

يقول النووي -رحمه الله: "وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم "المراد بالذمة هنا الأمان معناه: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمنه به أحد المسلمين -جابهم يشتغلون في مؤسسة، في شركة- يقول: حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم.

وقوله ﷺ: فمن اخفر مسلم فعليه لعنة الله، معناه: من نقض أمان مسلم، فتعرض لكافر أمنه مسلم، قال أهل اللغة، يقال: أخفرت الرجل، إذا نقضت عهده"[60].

ويقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في قول النبي ﷺ: ذمة المسلمين واحدة: أي: أمانهم صحيح، فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له، وقوله: يسعى بها، أي: يتولاها ويذهب ويجيء، والمعنى: أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد، أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحده"[61]، هذا كلام أهل العلم.

يقول شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله: "جاءت السنة بأن كل ما فهم الكافر -لاحظ كل ما فهم الكافر- أنه أمان كان أمانا؛ لئلا يكون مخدوعًا، وإن لم يقصد خدعه"[62].

كل ما فهم أنه أمان، التأشيرة اليوم، ماذا يفهم منها؟ في الأعراف، في العالم كله أنها أمان.

يقول الإمام أحمد -رحمه الله: "إذا أشير إليه -أي الكافر- بشيء غير الأمان، فظنه أمانا فهو أمان، وكل شيء يرى العلج أنه أمان فهو أمان"[63].

ويقول شيخ الاسلام -معلقا على كلام الإمام أحمد هذا: "فهذا يقتضي انعقاده بما يعتقده العلج، وإن لم يقصده المسلم، ولا صدر منه ما يدله عليه"[64].

ويقول ابن قدامه: "إن أشار المسلم إليهم بما يرونه أمانا، وقال: أردت به الأمان فهو الأمان، وإن قال: لم أرد به الأمان فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته، فإن خرج الكفار من حصنهم بناء على هذه الإشارة لم يجز قتلهم، ولكن يردون إلى مأمنهم"[65].

يقول عمر : "والله لو أن أحدهم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل بأمانه فقتله لقتلته به"[66].

بصرف النظر عن مسألة قتل المسلم، والكافر ليس هذا محل البحث.

"وإن مات المسلم -هذا كلام ابن قدامه- أو غاب فإنهم يردون إلى مأمنهم". يعني: هذا الذي أمنهم مات أو غاب اختفى، "وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر"[67].

وقال شيخ الاسلام: "ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم"[68].

يقول السرخسي من الحنفية: "الأمان مبني على التوسع، وأدنى الشبه يكفي لإثباته"[69].

ويقول القرافي من المالكية: "لو ظن المسلم أن الكافر أرد الأمان ولم يرده لم يقتل"[70].

يعني: أدنى ما يفهم به الكافر الأمان فإنه يثبت به الأمان، وأين هذا مما نسمع ونشاهد؟

وهكذا مسائل الأسماء والأحكام، مسائل الأسماء مثل: مسلم مؤمن فاسق كافر منافق، ومسائل الأحكام، هي الحكم على إنسان بالخلود بالنار –مثلا- أو الحكم عليه بالجنة، أو ما يقتضي ذلك، وقد جاء في الحديث: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما[71].

وفي رواية: إيما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما[72].    

وفي الحديث الآخر: من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم ... ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله[73].

وفي الحديث الآخر: من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه[74].

فالمسألة ليست سهله، هذه من دقائق مسائل العلم، وإنما يتكلم بها أهل الرسوخ من العلماء، وأما الإنسان الذي لم يحصل من العلم شيئًا تبرأ به الذمة في الكلام بمثل هذه القضايا والخوض فيها، فإنه لا يجوز له أن يتشاغل بذلك كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله: "بأن من ادعى دعوى، وأطلق فيها عنان الجهل مخالفا لجميع أهل العلم، ثم مع مخالفتهم يريد أن يكفر ويضلل من لم يوافقه عليها، فهذا من أعظم ما يفعله كل جهول"[75].

لا يمكن لي، ولا أظن أن غيري يستطيع أن يأتي في هذه المسألة، المسائل الدقيقة، مسائل العذر بالجهل، ومسائل التكفير الشائكة أن يأتي بها بقول فاصل بالمسطرة، يرفع الاشكال والخلاف ويوافقه عليه الآخرون، لا يمكن.

لكن أنا أقول لمن يلتبس عليه ذلك، أو يلبس عليه ذلك، أقول: المسألة ليست بالسهولة التي يتصورها كثير من الشباب، المسألة في غاية الدقة والصعوبة.

عمر لما سمع من النبي ﷺ حديث الفتان، أن الملكين يسألانه من ربك؟ ماذا قال عمر؟ والله لأن سألني لأقول: بل أنتما من ربكما[76].

وهذا يصلح لمناقشة الذي يوجد عنده شيء من الإشكال في هذه القضايا، أو توجد عنده شبه، فهذه الكلمة لو قالها أحد متلاعب أو مستهزئ لذهبت بآخرته، بل وبدنياه، أليس كذلك؟ لكنها صدرت من كمال اليقين عند عمر ؛ ولذلك قال شيخ الاسلام وابن القيم بأن الكلمة قد تصدر من محب فتحتمل؛ ولهذا لما قال سعد : "لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف"[77]، هل يفسر بأنه اعتراض كما فهمه بعضهم، إنما حمله على ذلك شدة الغيرة.

بل في قول الله -تبارك وتعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [يوسف:110]، هذه القراءة التي نقرأ بها أنكرها بعض أهل العلم، راجعوا في كتب التفسير قراءة متواترة أشكل عليهم المعنى، الرسل يظنون هذا ظنوا أنهم قد كذبوا، بمعنى تخلف وعد الله عنهم، لكن هذا كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله-[78] والشيخ عبد الرحمن السعدي[79] أن هذه من الخواطر التي تقع في قلب الإنسان في أوقات الشدائد، ثم ما يلبث أن يدفعها، الإنسان في وقت الشدة، أو الخوف الشديد، أو الفرح الشديد، قد يقول كلمة: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح[80].

فلا يؤاخذ بهذا، بل أوضح من هذا حديث المخرج في الصحيح: الرجل الذي قال لأولاده: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابا ما عذبه به أحدا[81].

 هذا الرجل هل هو شاك في قدرة الله على الاعادة أن يعيده بعد أن أحرق وذري؟

شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: نعم، إنما فعل ذلك فكان معذورا به؛ لغلبت الخوف، لشدة الخوف فقال مثل ما قال، فغفر له ذلك[82].

بعض أهل العلم، يقول: كان يشك بالقدرة على الإعادة ما يشك في البعث، يشك في القدرة على إعادته، وهو في هذه الحال، لكن عذر لجهله القضية ليست بالسهلة، ومع ذلك نص الحديث أن الله غفر له سواء كان على الاحتمال الأول، أو الاحتمال الثاني.

عائشة -رضي الله عنها- لما غضبت من رسول الله ﷺ قالت: ألست تزعم أنك رسول الله؟ والنبي ﷺ يتبسم، فأبو بكر رضي الله عنه لطمها"[83].

هذه الكلمة لو صدرت من إنسان قد لا يعذر فيها، إنسان آخر قد يكون شاكًا، أو نحو ذلك.

حاطب بن أبي بلتعة لما كتب للمشركين يخبر عن مسير النبي ﷺ لهم، عمر قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، واعتذر له بما اعتذر به[84].

لم يخرج من الإسلام بهذا الفعل، كان يعتقد أن هذا الفعل لن يغير في ميزان المعركة، وأن الله ناصر نبيه ﷺ وإنما أراد أن يتخذ يدا عند المشركين.

فانظر في هذه النصوص، كيف تنزلها؟ كيف تفهم؟

الذين يغزون الكعبة كما في حديث عائشة -رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم[85].

ما الذي جعلهم يسيرون معهم؟ يبعثون على نياتهم، فعوقبوا بالدنيا بنفس العقوبة التي وقعت لهم، لكن أحكامهم في الآخرة تختلف.

شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- له كلام كثير وجيد في هذه القضايا منه ما ذكر عن النجاشي، يقول: كان ملكا في الحبشة، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه.

يقول شيخ الاسلام: ونحن نعلم قطعًا أنه لم يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه ﷺ بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل الله، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه.

يقول شيخ الاسلام: وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا، بل وإمامًا، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه من ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها[86].

لاحظ قاضي عند التتر، مع أن شيخ الإسلام كفرهم، وحينما كان التتار في مقام قتال المسلمين، وأرد أن يحرض المسلمين على قتالهم. قال: "إذا رأيتموني في صفهم فاقتلوني، ولو كان على رأسي المصحف"[87].

وكان يقول: "بأن من جمز إليهم من الجندي والتجار وغيرهم فإنه يكون مرتدا"[88]، لاحظوا العبارتين.

وهنا يقول: "قد يكون الرجل قاضيًا عند التتر، أو إماما، ولا يمكنه أن يقيم ما يريد من العدل، ومما أمره الله به؛ لأنه يوجد من يمنعه من ذلك، والله لا يكلِف نفسا إلَّا وسعها[89]. ما الفرق بين المقامين؟

هناك يكفر من ذهب إلى صف التتر، وهنا قد يفهم منه الاعتذار، بل هو اعتذار لمن تولى القضاء عند هؤلاء الذين كانوا يحكمون بالياسق.

وذكر عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أنه أوذي على ما أقامه من العدل، وقيل أنه سم على ذلك، يقول: "فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شعائر الإسلام ما لم يقدرون على التزامه بما كانوا يحكمون، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها"[90].

شيخ الاسلام ما قال أن النجاشي لم يحكم بما أنزل الله في لأهل الحبشة، وترك بعض ما يجب عليه، ولا أقصد الحديث هنا عن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، هذه مسألة أخرى، والله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، ليس الحديث عن هذا، أنا أتحدث عن قضايا أنه يوجد في الأدلة، ويوجد في كلام أهل العلم ما يجعل هذه المسائل شائكة، فقط أريد هذا القدر فقط، لا أريد أن أحقق هذه المسائل الآن، أو أبين فيها حكمًا، إنما أريد أن أقول: أن هذه المسائل ليست سهلة فقط، لا يحق لشاب صغير، أو من لم يتأهل بالعلم أن يخوض في غمارها، ثم بعد ذلك لا يستطيع الخروج منها، فقط أريد هذا القدر.

وشيخ الاسلام تكلم على مسألة تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وذكر كلاما كثير في ذلك، ثم يصرح بأن ذلك الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه بأنه شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وقال: هذا كفر باتفاق المسلمين، لكنه كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتاول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول ﷺ أولى بالمغفرة من ذلك، وذكر حديث قدامه بن مظعون لما شرب الخمر، ولما سأله عمر تبين أنه كان يستحل ذلك ويحتج بالآيات: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [المائدة:93]، فعلمه عمر ولم يكفره.

يقول شيخ الاسلام: -بعد هذا- وعلى هذا كان عمل السلف -رضوان الله عليهم- فقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- لا يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال إنه جهمي، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا عليه، ولم يكفرهم، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم مع إنكارهم ما قالوه من الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا أنه كفر؛ لأنهم تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك[91].

وهكذا الشافعي -رحمه الله- لما ناظر بعض من قال القرآن مخلوق، قال له الشافعي: كفرت بالله العظيم، يقول: بين له كفره، ولم يحكم بردته بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله[92].

وتكلم شيخ الإسلام عن الخوارج وغيرهم من أهل الضلال ممن يقول الكفر، ويفعل أفعالًا من جنس الكفار، يقول شيخ الإسلام: "هي كفر باتفاق المسلمين، ولكن تكفير الواحد المعين منهم، وحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه"[93].

هذا كلام أهل العلم، يعني: قد يطلقوا من قال القرآن مخلوق، فهو كافر لكن تسأله فلان، فتنزيل ذلك على المعين هذا أمر، فكيف باتخاذ الاجراءات العملية بعد ذلك؟ هذا في غاية الخطورة.

وتكلم شيخ الإسلام عن تولي الولايات التي يحصل بسبب ذلك فيها خير كثير، ودفع مظالم، وإن لم يستطع أن يرد جميع المظالم، فيجري بعضها على يده فإن توليه ذلك فيه مصلحة وخير للمسلمين.

وهكذا –أيضًا- ذكر ما وقع ليوسف وأنه لم يكن يستطيع أن يحكم في أرض مصر في وقت ذلك الملك الوثني أن يحكم بكل ما يريد، وأن يفعل كل ما يريد من العدل[94].

والله -تبارك وتعالى- يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، فيحتاج الإنسان أن يتبصر، قد تحول الغفلة، أو الجهالة بين الإنسان، وبين هذه الحقائق، ولكنه قد يفيق لأدنى سبب أو التذكير.

انظروا هذا الموقف الطريف الذي ذكره بعض أهل العلم ذكره اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة، يقول: طاف خارجيان بالبيت، فقال: أحدهم لصاحبه لا يدخل الجنة من هذا الخلق غيري وغيرك، فقال صاحبه: جنة عرضها كعرض السماء والأرض بنيت لي ولك؟، قال: نعم، فقال: هي لك، وترك رأيه"[95].

والعجيب أن هذا موافق تماما لموقف كان سببًا لرجوع أحد المنحرفين في بعض البلاد المجاورة، جاء للحج فقال له صاحبه مثل هذا الكلام، فقال: ليس في الموسم حاج غيري وغيرك، وقال: كل هذه المناسك والمشاعر مليئة ليس فيها سوى أنا وأنت؟ ما حج إلا اثنان، قال: نعم، فكان ذلك سببًا لتركه ذلك المذهب المنحرف.

والعجيب أن هذا المذهب انتشر في تلك القرى في تلك النواحي؛ بسبب معلم واحد جاء من بلاد أخرى فنشر ذلك في تلك النواحي، واعتقده -اعتقد ذلك المذهب- هؤلاء الجهال.

فصادف قلبا خاويا فتمكنا.

الوصية الثامنة. أين الورع؟ ولا أطيل، أعطيكم موقفًا واحدًا: جاء بسعيد بن جبير ومن معه من مكة جندي في خفارة يسوقهم إلى الحجاج، إلى القتل.

يقول الأعمش: فدخلت عليهما، يعني: بعدما جيء بهما إلى العراق فقلت: إنما هو رجل واحد، يعني: الجندي، هلا أوثقتماه وألقيتماه في البرية؟ فقال سعيد بن جبير: فمن يطعمه إذا جاع، ومن يسقيه إذا عطش؟[96].

انظر، يسوقهم إلى القتل هذا الجندي، أئمة كبار، سعيد بن جبير يقول الإمام أحمد عنه: قتل سعيد بن جبير وما في الدنيا أحد إلا وهو محتاج إلى علمه[97].

يقول لهم: اوثقوه وارموه في البرية، فقال من يطعمه إذا جاع، ومن يسقيه إذا عطش، خائف عليه، انظروا إلى ورع السلف .

الوصية التاسعة: معايير سريعة في التفكير في مثل هذه القضايا.

  • انظر في النتائج، هذه السنوات الطويلة كافيه لمعرفة الأفعال والتصرفات، هل هي صحيحة، أو خاطئة؟ ماذا جنت من النتائج؟ انظروا ما حصل من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من التضييق، والمصادرة، والأذى، وخنق الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- إلى غير ذلك من أمور يطول ذكرها ووصفها، ماذا جنى المسلمون من مثل هذه التصرفات؟
  • معيار آخر: العمل الذي يختلف فيه العقلاء، هل صدر من ألد أعداء الإسلام، أو من مسلم جاهل؟

يعني: بعض التصرفات تجد العقلاء، بل أهل العلم يختلفون فيها، بعضهم يقول: الذي فعل هذا، ويؤكد ويأتي بشواهد أن الذي فعل هذا هم ألد أعداء الإسلام، فعله اليهود فعله كذا للإيقاع بالمسلمين، وبعضهم يقول: لا الذي فعله هم بعض المسلمين الجهلة، فعل يختلف فيه العقلاء، هذا يقول: صادر من ألد أعداء الإسلام، وهذا يقول لا صدر من بعض المسلمين، ماذا يعني هذا؟

يعني: أن هذا الفعل مفسدة لا خير فيه للمسلمين، يمكن أن يفعله ألد أعداء المسلمين للإيقاع بهم، وما أكثر هذه الأفعال التي يختلف العقلاء عليها، تسمعون في المجالس أحيانًا خلاف، هذا يؤكد ويدلل، وكتاب يكتبون، وقد صدرت كتب وكتبت مقالات مطوله، تقول: إن الذي فعل الشيء الفلاني هم أعداء الإسلام من اليهود، من كذا للإيقاع بالمسلمين.

  • من الأمور التي تتعلق بالتفكير، كيف نقيس الأشخاص؟ إذا جاءك إنسان يتكلم في الكبار من أهل العلم، ويقع فيهم، أنظر إلى حاله أنت وهو يتكلم، قد يكون عنده طريقة في الإقناع والأسلوب في الكلام، قد يكون أكبر منك بسنتين أو ثلاث سنوات، أو نحو ذلك، عنده بعض المعلومات، انظر إلى حاله، ما حجمه؟ ما مقداره؟ ما بلاؤه في الأمة ما نفعه؟

وانظر إلى من يتكلم عنهم أئمة الهدى، من جعل الله لهم لسان صدق في الأمة، فماذا جنى عليه معرفته وتفكيره وفلسفته، فتستطيع بهذا أن تخرج من هذه الدائرة، وتحلق عاليًا، قس هذا بذاك الذي يتكلم في حقه، ماذا يزن بالنسبة إليه؟ لا شيء، لا شيء، نكره يتكلم في علم، في جبل، في إمام.

  •  ثم أيضًا هل يمكن أن تجتمع الأمة على ضلال وعلماء المسلمين حينما يتكلمون ويبينون، هل هؤلاء كلهم على غلط؟              

الوصية الأخيرة: الزم ما تعرف من حقائق الدين وثوابته، وما التبس عليك فلا تدخل فيه، الثوابت الأصول، واعلم أن الجنة أبواب، هناك أُناس يدخلون في العمل الخيري، في مساعدة الأرامل والأيتام والفقراء، عالم واسع جدا، ادخل معهم استغرق الجهد والطاقة في هذا الباب، إذا دخلت في عالم تحفيظ القرآن تجد أمة، عالم واسع، ادخل معهم متعلمًا، ثم كن معلمًا، إذا أتيت إلى جوانب العلم الشرعي في أبوابه المختلفة تجد أن العمر ستنفذ في باب واحد، ادخل في هذا الباب، تعلم التحق بأهل العلم.

إذا نظرت إلى أبواب أخرى من الدعوة إلى الله تجد، فالجنة أبواب، لا تدخل في باب يضللك عليه عامة أهل العلم، بل كل أهل العلم، وتترك هذه الأبواب المشرعة التي يتفق عليها الجميع، الزمها هذه أشياء متفق عليها.

وهكذا إذا رأيت أحدا يحسن فأعنه، وإذا رأيت من يُسئ تكف، نحب الناس على قدر ما عندهم من التقوى والايمان والصلاح من غير أي اعتبار آخر، ويكون براءتنا منهم على قدر ما فيهم من مخالفة ما جاء به الرسول ﷺ من غير أي اعتبارات أخرى.

والله هو الذي سمانا المسلمين، ولا نرتضى غير هذا الاسم، ندعو إلى الله، ندعو إلى ما جاء به الرسول ﷺ نوالي ونعادي الناس ونقربهم ونبعدهم، بحسب ما عندهم من التقوى.

واعلم أن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ولربما كان ذلك الإنسان في يوم من الأيام قومًا بالحق، داعية لله آمرا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، ثم بعد ذلك يفاجئ الناس أنه انسلخ من جلده، وانحرف وكل يوم وهو يأتيهم بطامة من الطوام، فيتحول الذين كانوا يدافعون عنه ويحبونه إلى ذامين له محذرين منه.

الحي لا تؤمن عليه الفتنة، كما قال ابن مسعود : "فمن كان مستنا فليستن بمن قد مات"[98].

انظر الذين إذا اختلف المختلفون تمدح كل واحد بأنه ينتسب إلى هؤلاء العلماء، فالزم غرزهم، الحي لا تؤمن عليه الفتنة، لا تغلو في حب أحد، ولا تغلو في بغضه، اعتدل في هذه الأمور.

والكلام في هذا يطول، لكن هناك قضايا لا تتعلق بهذه القضايا، لكنها لها اتصال بأمور أخرى تتعلق بالشباب فيما يتصل بسيرهم في هذه الحياة، ونهوضهم بمعالي الأمور، وضرورة العزيمة والصبر، فإن من كان قريبًا من الشباب يدرك أشياء كثيرة جدا لربما تقلقهم أو تحيرهم أحيانا، رأينا طلابا في بعض الجامعات بعضهم يدخل مصحة نفسية بسبب الحيرة في كثرة الخلافات والآراء، يتحير يخرج عن طوره وعقله، وبعضهم يصاب بأشياء أخرى، بعضهم يشعر أنه في دوامه في الحياة التي لا يستطيع أن يتسارع ويتماشى معها، يحصل له قلق شديد وانزعاج، وبعضهم يصاب بأمراض مثل الرهاب، ونحو ذلك، يتخوف من الناس ينقبض منهم، بعضهم يشعر بالإحباط إنه لا يصلح لشيء قد يخفق، ويشعر أن القطار قد فاته، وأنه لا يمكنه أن يستدرك، هذه أمور كثيرة تحتاج إلى معالجة ومذاكرة، ولكن الوقت لا يسع لهذا.

فأسال الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وأن يعيذنا من شر أنفسنا، وشر الشيطان وشركه، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

هذا حديث أيها الأحبة قد لا يكون معهودًا لدى الكثيرين، ولكن فيه قدر من المصارحة والمناصحة من قلب محب مشفق، فما كان فيه من صواب فهو من الله ومن كان فيه خطأ فهو من نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، أسال الله -تبارك وتعالى- أن يجعلنا وإياكم مباركين، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى.

وأشكر الإخوان الذين قاموا على ترتيب هذا اللقاء، نسأل الله أن يكتب ذلك في ميزان حسناتهم وحسناتنا جميعًا، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا وعاف مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول، رقم: (1844).
  2. الاستقامة (1/ 39).
  3. الطبقات الكبرى (4/ 129).
  4. سير أعلام النبلاء (4/ 68).
  5. سير أعلام النبلاء (4/ 106).
  6. الطبقات الكبرى (7/ 104)، تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 315).
  7. تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 315).
  8. الطبقات الكبرى (7/ 104).
  9. تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 311).
  10. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 204).
  11. المرجع السابق.
  12. منهاج السنة النبوية (4/ 527-528).
  13. الطبقات الكبرى (7/ 140).
  14. البداية والنهاية ط إحياء التراث (13/ 98).
  15. طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (1/ 333).
  16. البداية والنهاية (13/ 98- 99).
  17. الاعتصام للشاطبي (1/ 332).
  18. أخرجه ابن ماجه، أبواب تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا ثلاث، رقم: (3906)، وأحمد، رقم: (9129).
  19. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، رقم: (1739).
  20. أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، رقم: (7080)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، رقم: (65).
  21. أخرجه أحمد، رقم: (2142).
  22. أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة النساء، رقم: (3029)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم: (10742)، واللفظ له.
  23. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم: (6533)، مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب المجازاة بالدماء في الآخرة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، رقم: (1678).
  24. أخرجه البخاري، كتاب الحدود، كتاب الإيمان، باب رمي المحصنات، رقم: (6857)، ومسلم، باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم: (89).
  25. أخرجه البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء:93]، رقم: (6862).
  26. المرجع السابق.
  27. فتح الباري لابن حجر (12/ 188).
  28. أخرجه ابن ماجه، أبواب الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلما، رقم: (2619).
  29. أخرجه الترمذي، أبواب الديات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن، رقم: (1395).
  30. أخرجه النسائي، كتاب تحريم الدم، تعظيم الدم، رقم: (3988).
  31. أخرجه ابن ماجه، أبواب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله، رقم: (3932).
  32. أخرجه الترمذي، أبواب الديات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب الحكم في الدماء، رقم: (1398).
  33. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، (2/ 160)، رقم: (1662)، والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 260)، رقم: (4966).
  34. أخرجه النسائي، كتاب تحريم الدم، رقم: (3984)، وأحمد، رقم: (16907)، واللفظ له.
  35. أخرجه أبو داود، كتاب الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن، رقم: (4270).
  36. أخرجه ابن حبان، كتاب التاريخ، ذكر الإخبار عن وضع إبليس التاج على رأس من كان أعظم فتنة من جنوده (14/ 68)، رقم: (6189)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/ 390)، رقم: (8027).
  37. أخرجه أبو داود، كتاب الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن، رقم: (4270)، والطبراني في مسند الشاميين، رقم: (1311)، البيهقي في السنن الكبرى (8/ 40).
  38. أخرجه أحمد، رقم: (11354).
  39. فتح الباري لابن حجر (12/ 189).
  40. أخرجه البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم، رقم: (3166).
  41. أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته، رقم: (2760).
  42. أخرجه النسائي، تعظيم قتل المعاهد، رقم: (4749)، وابن ماجه، أبواب الديات، باب من قتل معاهدا، رقم: (2687).
  43. أخرجه أحمد، رقم: (20515).
  44. أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث، رقم: (5778)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، رقم: (109).
  45. أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم: (1365).
  46. أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم: (1364).
  47. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، رقم: (113).
  48. أخرجه ابن حبان (7/ 361)، رقم: (3093).
  49. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، رقم: (6105)، ومسلم، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه...، رقم: (110).
  50. أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يقول فلان شهيد، رقم: (2898)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، رقم: (112).
  51. أخرجه البخاري، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح فليس منا، رقم: (7072)، ومسلم، كتاب الفتن، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم، رقم: (2617).
  52. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم، رقم: (2616).
  53. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، بَاب {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] رقم: (31)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما رقم: (2888).
  54. السنة لأبي بكر بن الخلال (4/ 89)، رقم: (1233).
  55. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، رقم: (48)، مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، رقم: (64).
  56. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، رقم: (137).
  57. أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح، رقم: (5004).
  58. أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح، رقم: (5003)، وأحمد، رقم: (17940).
  59. أخرجه البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من عاهد ثم غدر، رقم: (3179)، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة، وبيان تحريمها، وتحريم صيدها وشجرها، وبيان حدود حرمها، رقم: (1370).
  60. شرح النووي على مسلم (9/ 144-145).
  61. فتح الباري لابن حجر (4/ 86).
  62. الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 21).
  63. المبدع في شرح المقنع (3/ 353)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (4/ 205).
  64. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (4/ 205).
  65. المغني لابن قدامة (9/ 323).
  66. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 438)، رقم: (658).
  67. المغني لابن قدامة (9/ 323).
  68. الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص:287).
  69. المبسوط للسرخسي (30/ 291).
  70. الذخيرة للقرافي (3/ 446).
  71. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، رقم: (6103).
  72. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، رقم: (6104)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر، رقم: (60).
  73. أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام، رقم: (6652).
  74. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، رقم: (61).
  75. الرد على البكري، ص:(125). 
  76. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، رقم: (6738) مرسلا عن عمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: (كيف بك يا عمر بفتاني القبر إذا أتياك يحفران الأرض بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، أعينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما مزربة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها. قال عمر: وأنا على ما أنا عليه اليوم؟ قال: وأنت على ما أنت عليه اليوم. قال: إذاً أكفيكهما إن شاء الله).
    قال العراقي في تخريج الإحياء (4/ 223): " أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور هكذا مرسلا ورجاله ثقات. قال البيهقي في الاعتقاد: رويناه من وجه صحيح عن عطاء بن يسار مرسلا.
  77. أخرجه البخاري، باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله، رقم: (6846)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، رقم: (1499).
  78. جموع الفتاوى (15/ 177).
  79. تفسير السعدي (ص:407).
  80. أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، رقم: (2747).
  81. أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، رقم: (3481)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم: (2756).
  82. الاستقامة (1/ 165).
  83. مسند أبي يعلى الموصلي (8/ 129)، رقم: (4670).
  84. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، رقم: (4274)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة، رقم: (2494).
  85. أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق، رقم: (2118).
  86. مجموع الفتاوى (19/ 218).
  87. البداية والنهاية (14/ 28).
  88. انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (8/ 338).
  89. مجموع الفتاوى (19/ 218).
  90. مجموع الفتاوى (19/ 218- 219).
  91. مجموع الفتاوى (7/ 507- 508).
  92. مجموع الفتاوى (23/ 349).
  93. مجموع الفتاوى (28/ 500).
  94. مجموع الفتاوى (19/ 217).
  95. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (7/ 1307)، رقم: (2317).
  96. سير أعلام النبلاء (4/ 340).
  97. البداية والنهاية (9/ 115).
  98. شرح السنة للبغوي (1/ 214).

مواد ذات صلة