السبت 16 / ربيع الأوّل / 1443 - 23 / أكتوبر 2021
الحوار
تاريخ النشر: ١٣ / ربيع الآخر / ١٤٢٩
التحميل: 3827
مرات الإستماع: 4588

بسم الله الرحمن الرحيم

الحـوار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلا زلنا نتحدث عن بعض التوجيهات للأزواج والزوجات فيما يتعلق بتفادي المشكلات، وحل المشكلات إذا وقعت، فأقول:

مما ينبغي أن يكون واقعاً وموجوداً في الأسرة هو ما يعرف بالحوار، والحوار أمر مطلوب؛ لأنه إن كان مفقوداً فإن المشكلات تتراكم بحيث تمتلئ النفوس، ففي كل مرة صدمة، وفي كل مرة مشكلة، وفي كل مرة يتحمل هذا الرجل أو هذه المرأة لوناً من ألوان الأذى في أقل التقديرات في نظره هو، فيبتلع ذلك مرة ومرة ومرة ومرة، وبعد ذلك يحصل تراكم لهذه المشكلات في النفوس، فتمتلئ النفوس حنقاً وغيظاً وغلاً، فلربما كره الرجل امرأته، ولربما كرهت المرأة زوجها وأبغضته من كل قلبها؛ والسبب أنها تحمل في نفسها مرة بعد مرة حتى يجتمع ذلك في قلبها، فيمتلئ القلب من هذه الأحمال، وبالتالي فإن هذه الأسرة تكون مهددة بالتفرق، وتكون حياة هؤلاء الزوجين عرضة للطلاق، وبالتالي أقول: لابد من الحوار بين الرجل وبين امرأته، بل بين الرجل وبين أبنائه وبناته، وبين المرأة وبين أبنائها وبناتها؛ لأن هؤلاء الأولاد وهؤلاء البنات إذا تُرِكوا بسبب أن هذا الأب أو الأم قد شغلوا عنهم، أو لم يفتحوا لهم ذلك الجانب أو هذا الباب ليسمعوا منهم المشكلات، ويسمعوا ما تعرضوا له في يومهم وليلتهم مع زملائهم في مدرستهم، في سَفرتهم وما إلى ذلك، فإنهم قد يذهبون ويتساقطون في أحضان من لا يتقون الله فيهم.

فأنت أيها الأب -أو الأم- أولى بهؤلاء الأبناء أن تفتح لهم صدرك، وأن يكون هناك جسر من الثقة بين الأب وبين أبنائه فيرتاحون له ويطمئنون إليه فيخبرونه عما وقع لهم وعما جرى لهم، ثم هو لا يقابل ذلك بالوعيد والتهديد فينفرون ولا يخبرونه بشيء بعد ذلك، وإنما يقابل ذلك بالسماع والإنصات، ثم يوجه التوجيه الحسن الذي لا ينفرهم ولا يصدم نفوسهم، بحيث إنهم يخبرونه في كل مرة عما وقع لهم، فيوجه ويرشد ويعلم برحمةٍ وحنوٍّ وعطفٍ.

وهكذا بين الزوج وزوجته، بعض الأزواج قد يكون -في زعمه- يريد أن يكون شخصية قوية بحيث لا يراجع في قضية من القضايا فلا تجرؤ الزوجة على مناقشته، ولا يجرؤ الأولاد على مناقشته أو الاعتراض على قضية ذكرها وإن كانت مخالفة للشرع، فلا أحد يستطيع أن يكلم هذا الزوج أو هذا الأب، فما الذي يحدث بعد ذك؟

هؤلاء يبحثون عن المخارج الأخرى، أو يسكتون على مضض ويتحملون مرة بعد مرة، ثم بعد ذلك يورث هذا الأمر بغضاً لك ونفوراً منك، فتكون عبئاً ثقيلاً عليهم في هذا البيت يتمنون موتك.

هذا إضافة إلى ما يورثه هذا السلوك المشين من عقد في نفس الزوجة أو في نفوس الأولاد، فالنفوس قد تكون رقيقة شفافة، التعامل معها يحتاج إلى فقه وبصر وحذر، فقد تتصرف تصرفاً أو تقول كلمات تجرح إلى العمق، إلى العظم، وقد لا تستطيع أن تستدرك ذلك، وقد تقول كلمة تحطم فيها نفس هذه الزوجة، أو نفس الولد، أو نفس البنت.

ولذلك أقول: ينبغي أن يفتح الإنسان صدره، المرأة تفتح قلبها لزوجها، والرجل يفتح قلبه لامرأته، ويتحاورون في الأمور التي تختلف فيها وجهات النظر، يتحاورون فيها بعيداً عن الأبناء، فيتناقشون ويخرجون بتصور مشترك، إما أن يتفقوا على القضية، وإما أن يضع الرجل لامرأته بعض رأيه، أو العكس تضع المرأة لزوجها عن بعض رأيها -تتنازل عن بعض رأيها- وتترك هذا الرأي، ويكون الجاري هو رأي الزوج، وهذا فيما لا مخالفة فيه لأحكام الله وشريعته، أما ما يتعلق بأحكام الشريعة ومخالفتها فهذه قضية أخرى، لكن نحن نتكلم عن القضايا التي هي من قبيل وجهات النظر.

لماذا يترك الأزواج أو الزوجات الحوار؟

بعض الأزواج قد يرى أن في المحاورة منقصة، ويفهم أن المرأة ينبغي أن تسمع وتطيع وهي لا تبصر، شاءت أم أبت.

وهذا المفهوم خطأ، وللأسف هو مفهوم عند كثير من الناس، فينبغي أن يصحح هذا المفهوم عند هذا الإنسان، فكم من امرأة مكلومة مكبوتة بسبب هذا التصور الخاطئ عند هذا الزوج!.

 وقد يكون انعدام الحوار بسبب أن الناس لم يتفطنوا له أصلاً، فالحياة تجرى عندهم هكذا بدون الحوار، فينبَّهون على ذلك وتكون بداية جديدة في حياتهم.

وقد يكون تركه لأن هذا الزوج لا يتحمل أو لأن هذه الزوجة لا تتحمل لفرط الحساسية، فهو لا يتحمل الانتقاد، أو هي لا تتحمل الانتقاد، فيتأثر ويظهر ذلك على وجهه أياماً من الحزن والكآبة والإعراض والإشاحة، وهكذا الزوجة يرى الزوج في وجهها ذلك فيترك الحوار؛ لأنه إن حاورها سبب لها ذلك تحسساً وإعراضاً واكتئاباً وإشاحةً عنه، فيترك ويصبر ويتحمل مرة بعد مرة.

وقد يكون هذا الزوج غضوباً، فإذا فتحتْ معه باب الحوار انفجر في وجهها، ولم تستطع أن تخرج معه بطائل؛ لأنه سريع الغضب –وكذلك بالنسبة للزوجة- وهذه مشكلة تحتاج إلى علاج؛ لأن النبي ﷺ يقول: ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم))([1]).

فأنت حينما تغضب وتزبد في وجه هذه المرأة ما الذي يحصل؟ الذي يحصل أن هذه المرأة لن تطرح قضاياها عندك، لكن ما هي النتيجة؟

النتيجة أنها تكبت في قلبها، وتكبت وتكبت، حتى يؤدي ذلك إلى شيء من النفور والبغض والحقد على هذا الزوج، وهذا إذا لم تلجأ إلى أساليب أخرى تبيع فيها دينها وعرضها، فترتمي في أحضان أقوام يعطونها من معسول القول، ويفتحون لها صدرهم، فترتمي في أحضانهم؛ لتجد عوضاً عن هذا الزوج الذي يسومها الخسف والذل، ويُسمعها أبشع الألفاظ وأغلظ الألفاظ، فهي تريد أن تعبر عما في نفسها، وتريد أن تنفس عما في صدرها، فتجد ذئباً يسمع منها ويربت على كتفها، ويمتص ما عندها من أحزان، فتميل إليه وتنجذب إليه، فتسقط بعد ذلك في أمور لا تحمد عقباها.

فأنت أيها الزوج أولى بامرأتك أنْ تكون مقبلة عليك، تبث لك همومها، لا تبثها إلى أقوام آخرين لا تدري أنت عنهم إذا خرجتَ، وهذا في الواقع هو سبب لكثير من الانحرافات التي تقع فيها الزوجات؛ لأنها لا تجد زوجاً واسع الصدر يحتمل ما عندها ويسمع ما عندها وتفضفض له عن مكنوناتها، والله المستعان.

ما ينبغي مراعاته في الحوار:

أقول: إذا وجد الحوار فينبغي أن تراعى فيه الأمور الآتية:

أولا: ينبغي أن نشخص المشكلة ونحددها ما هي بالضبط، فلا يكون الحوار على أمور عائمة غير واضحة، تناقِش قضية هنا، وقضية هنا، وقضية هنا، ولا تدري ما هي المشكلة الحقيقية، بل حدد المشكلة الحقيقية، وحدد نقطة المشكلة، ولا تفتح أبواباً وملفات أخرى، فتخرج عن الأصل الذي ينبغي أن يعالج.

كثير من القضايا في المشكلات بين الزوجين إنما هي في الواقع آثار، هي قروح لمرض كامن، فقد يناقشون هذه القروح ومعالجة هذه القروح، والواقع أن هناك شيئاً في الداخل لم يقفوا عليه ولم يحددوه، وبالتالي لا يمكن أن يصلوا لحل لهذه المشكلة.

مثلاً: أنتِ لماذا كئيبة دائماً؟ فيناقش قضية الاكتئاب عند هذه الزوجة، ليس الاكتئاب هو سبب هذه المشكلة، سبب المشكلة قد يكون المعاشرة، قد يكون سبب هذا الاكتئاب عند هذه المرأة هو أمر آخر غير المعاشرة، بل هو تصرفات تضايق هذه المرأة تصدر من هذا الزوج، فهي تسكت، ثم بعد ذلك يوجد عندها هذا الاكتئاب.

هذا الاكتئاب قد يكون بسبب ظلم تشعر به هذه الزوجة يُصبّ عليها من قبل هذا الزوج أو من أهله، فحدد ما هو أصل المشكلة لا أن تعالج البثور والقروح التي هي من الأمور التي تعتبر مظاهر لمشكلة كامنة، عالج أصل المشكلة، عالج أصل المرض، عالج أصل العلة الداخلية، ثم بعد ذلك تزول هذه الآثار، فهذه قضية لابد منها في النقاش.

وبعد أن نحدد المشكلة دون أن نفتح قضايا أخرى تخرجنا عن أصل الموضوع، فلنختر الوقت المناسب والأسلوب المناسب، فلا تأتِ تناقش هذه الزوجة في وقت هي غير مهيأة للسماع والنقاش والحوار، بل ناقشها في وقت تكون رائقة، مستعدة للسماع منك، لا تأتها وهي منزعجة أو وهي مغضبة، أو وهي مريضة، وتقول: قومي لنناقش هذه القضية وهذه المشكلة، فهي ليست متفرغة لك ولا متهيأة للسماع منك.

إذن: اختر الوقت المناسب، واختر –أيضاً- المكان المناسب بعيداً عن الأولاد، واختر الأسلوب المناسب، لا تجلس تناقشها –مثلاً- وأنتم في زيارة لبعض الأقارب، ولا تناقشها في بيت أهلها إلا إذا استدعى الأمر ذلك كأن تكون مغضبة فذهبت إلى أهلها، ففي هذه الحالة تناقش في بيت أهلها.

كذلك عليك استخدام الأسلوب المناسب فإذا كانت القضية حواراً ونقاشاً فليس معناها صراعاً أو نطاحاً، وكل إنسان يتكلم بأقوى ما عنده من عبارات، وبأسلوب استفزازي، بل ينبغي عليك أن تتجنب الأساليب الاستفزازية.

وأيضاً انظر في جوانب الاتفاق بينك وبين هذه المرأة، وقل لها: نحن نتفق على أشياء كثيرة جداً، نحن نتفق على كذا وكذا، فنحن نتفق على مائة مسألة ونختلف في مسألتين.

ابدأ بقضايا الاتفاق؛ لتمهد الجو للخروج بنتائج مطلوبة وصحيحة، لا تبدأ بقضية الخلاف وتجعل قضية الخلاف هذه كل شيء، وتَعمَى عن جوانب الاتفاق.

وإذا ناقشت اجتنب العبارات التي تجرح، قُل لها الملاحظات، ولكن ابتعد عن العبارات الجارحة، أنا أستطيع أن أوصل لها ملاحظة تؤرقني، ولكن أستطيع أن أوصلها بطريقة سهلة، بطريقة تفهمها هي ولكن لا تتأذى منها.

وهناك بعض العبارات التي تجرح بحيث يكون الضرب على الوجه أسهل من إطلاق مثل هذه العبارات، فهذه العبارة تبعدك كثيراً عنها، فإذا أردت أن ترأب الصدع، وأن تقرب القلوب فابتعد عن العبارات التي تجرح المشاعر، وتخير العبارات الحسنة، والله يقول: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} [(53) سورة الإسراء]، فيا أخي إذا كان في حال الاتفاق ينبغي أن نراعي العبارات، فكيف إذا كان ذلك في حال الاختلاف؟

فينبغي أن نتخير أرق العبارات وألطف العبارات بحيث إننا لا نزيد الجراح عمقاً أو اتساعاً، وهذه قضية يعرفها العقلاء ولا تحتاج إلى إطالة.

ومما ينبغي أن نلتزم به أثناء الحوار: التواضع، وهذا مطلوب من الإنسان أثناء الحوار وفي غير الحوار، فيعترف الإنسان بالخطأ إذا وجد الخطأ، فإذا قيل له مثلاً: أنت يا أخي تتصرف بكذا وكذا، فلا يأنف ويقول: لا أنت فهمتني خطأ، أنا أقصد كذا، أنا ما قصدت، بل اعترف بالخطأ وقل: نعم أنا مقصر، أنا أخطأت في هذا الجانب، أنا لم أتفطن له، جيد أنك أخبرتني عنه فأنا سأتفاداه، لك مني وعد من اليوم أن لا أرجع إلى هذا التصرف الذي يسبب نفرة ويسبب إساءة وجرحاً المشاعر، أجب بمثل هذه الإجابات، فلا داعي للاستكبار والتعالي والترفع كأن الإنسان معصوم ما يخطئ.

فإذا نُبهت على أمر هو من الأخطاء ينبغي أن تعترف به، وكذلك الزوجة تعترف للزوج بالتقصير الذي ينبهها عليه حينما يقول لها: أنت متبذلة في البيت وحينما تخرجين تخرجين في أحسن زينة، هذا أمر غير مقبول، فهي لا ينبغي أن تكابر وتقول: لقد ذهب ما هنالك، لقد تقدم بنا السن وأنت ماذا تريد؟ أنت ينبغي أن تشتغل بنفسك وتشتغل بقراءة كتاب الله والكتب النافعة، أنت مشغول بدعوتك، دعك من هذا، هذا أمر قد تخطيناه وتعديناه، فهذا كلام غير مقبول.

أو أنها تنكر، وتقول: أبداً، هذا الكلام غير صحيح، هذه الملابس التي ألبسها جيدة وملابس ممتازة وملابس مناسبة..الخ.

على الأقل افترضي أنها كذلك هي غير مقبولة في عين الزوج، فالبسي ما يحسن ويجمل في عينه، وهذا في أقل الأحوال، فلا ينبغي المكابرة والمطاولة في مثل هذه القضايا.

حينما يقول لها: أنت حينما تذهبين إلى أهلي تذهبين متأخرة، وحينما تذهبين إلى أهلك تذهبين مستوفزة، مستعجلة، مرتبكة من كثرة السرعة والاستعجال.

تقول له: أبداً، هذا الكلام ما هو بصحيح، أنا أتأخر من باب التهيؤ والاستعداد، إذن لماذا لا تتأخرين في الذهاب إلى أهلك من باب التهيؤ والاستعداد؟ فلا داعي للمكابرة، بل تقول: نعم، هذا صحيح أنا أخطأت، أنا مقصرة، ولك بعد اليوم ألا ترى منى إلا ما يجمل ويحسن.

هكذا ينبغي للإنسان أن يعترف بالخطأ ويقر بذلك، ولا يعتبر ذلك منقصة، فلا تكن مثل ذلك الزوج الذي يعتبر أن هذا حطٌّ من شموخه وحطٌّ من شخصيته، وأن هذا من قبيل الضعف، فهذا غير صحيح، بل هذا كله من الشيطان، فما تواضع أحد لله إلا رفعه الله والإقرار بالخطأ والاعتراف بالتقصير أمر يرفع الإنسان، وإنما الذي يخفضه ويحطه أن يصر على الباطل، ويصر على أخطائه ويصر على انحرافاته، بل أدهى من ذلك وأمرّ لو أنه عد ذلك من المناقب ومن المزايا، والله المستعان.

فأقول: هذه بعض التوجيهات المتعلقة بالحوار وبقي في الموضوع بقية لعلي أختمها في درس قادم.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح أحوال المسلمين، وأن يرفع أسباب الشر بينهم، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..


 

[1] - أخرجه الطبراني في الأوسط برقم (2663) (ج 3 / ص 118)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2328).

مواد ذات صلة