السبت 16 / شوّال / 1447 - 04 / أبريل 2026
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

قال المصنف - رحمه الله تعالى - في تفسير قوله تعالى: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكّ فَاطِرِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى قَالُوَاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدّونَا عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مّبِينٍ ۝ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نّحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلََكِنّ اللّهَ يَمُنّ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ ۝ وَمَالَنَآ أَلاّ نَتَوَكّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنّ عَلَىَ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ [سورة إبراهيم:10-12].

يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى، وقالت لهم رسلهم: يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي: في الدار الآخرة، وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً أي: في الدنيا كما قال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ الآية، فقالت لهم الأمم محاجّين في مقام الرسالة بعد تقدير تسليمهم المقام الأول.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله - تبارك وتعالى -: يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ، "مِن" من أهل العلم من يقول بأنها صلة، أي: زائدة، فهي زائدة إعراباً، وإلا فالقرآن ليس فيه زائد؛ لأن الزيادة حشو في الكلام ينزه عنه القرآن، فعلى كل حال الذي حملهم على ذلك هو أن من آمن غفرت له جميع الذنوب، ومن أهل العلم –كسيبويه- من يقول بأن "مِن" هذه للتبعيض، وأنه لا مانع من ذكر البعض والمراد الكل، ذكر بعض الذنوب والمقصود جميع الذنوب، ليشمل ذلك ما ذكر وما لم يذكر، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ، وممن قال بأنها للتبعيض، قال: لعل ذلك كان لتلك الأمم قبل الإسلام، وأنه من خصائص أمة محمد ﷺ أن الإسلام يجب ما قبله، وهذا فيه إشكال ولا دليل عليه، وإنما كان مقصود من ذكره هو الخروج من هذا السؤال أو الإشكال، ومن أهل العلم من يقول بأنها ليست للتبعيض وليست زائدة، وإنما هي للبدل، فيكون يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ أي: لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب، وقوله - تبارك وتعالى -: وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى، والمقصود بالأجل المسمى هو أجلهم الذي حده الله - تبارك وتعالى - لهم، فيتمتعون في هذه الحياة الدنيا حتى تأتي آجالهم.

وحاصل ما قالوه: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا أي: كيف نتبعكم بمجرد قولكم ولمّا نرَ منكم معجزة؟، فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: خارق نقترحه عليكم.

قول الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: "أي: خارق نقترحه عليكم" تقدير لا بد منه؛ لأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جاءوا بالآيات والحجج والمعجزات، فلم يقل أولئك الكفار ذلك لأنهم لم يروا آية، وإنما قصدوا بذلك الآيات التي يقترحونها على الرسل - عليهم الصلاة والسلام -.