الإثنين 25 / شوّال / 1447 - 13 / أبريل 2026
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [سورة الكهف:18].

ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق أعينهم؛ لئلا يسرع إليها البِلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها؛ ولهذا قال تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينًا ويفتح عينًا، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد.

قوله: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ فسره - رحمه الله - بأن أعينهم مفتوحة، وبعضهم يقول: إن ذلك لكثرة تقلبهم، يتقلبون كثيراً، فالتقليب حاصل، لكن من نظر إلى النائم وهو يتقلب، هل الناظر إليه يظن أنه مستيقظ بهذا التقلب؟ هذا ليس بلازم، فمن عادة النائم أنه يتقلب، وإنما الذي يُظن أنه مستيقظ هو من كانت أعينه مفتوحة؛ لأن هذا خلاف العادة، والله أعلم.

وقوله تعالى: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، قال ابن عباس - ا -: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض.

وقوله: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قال ابن عباس، وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير: الوصيد: الفِناء.

وقال ابن عباس: بالباب. وقيل: بالصعيد، وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء، وهو الباب، ومنه قوله تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ [سورة الهمزة:8]  أي: مطبقة مغلقة. ويقال: "وَصِيد" و "أصيد".

ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب.

قال: "وصيد" و"أصيد"، هما لغتان للعرب يعبرون بهما، فبعضهم يعبر بهذا، وبعضهم يعبر بهذا، بعضهم يقول: "الأصيد" وبعضهم يقول: "الوصيد"، وما جاء في عبارات أهل العلم من قول بعضهم بعتبة الكهف، أو البعض: بأنه بباب الكهف، لا يقصد أن الكهف له عتبة، أو أن الكهف له باب، وإنما يقصد في موضع العتبة عند المدخل، أو في موضع الباب وإن لم يكن للكهف باب، ولهذا بعضهم يعترض بعض الاعتراضات التي لا محل لها، فيقول: الكهف أصلاً ليس له عتبة، والكهف أصلاً ليس له باب، والمقصود هو موضع الباب وموضع العتبة كما جرت العادة أن الكلب يجلس في ذلك المحل للحراسة بالوصيد، فالوصيد هو مدخل الكهف.

قال ابن جريج يحرس عليهم الباب. وهذا من سجيته وطبيعته، حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب كما ورد في الصحيح، ولا صورة ولا جُنُب ولا كافر كما ورد به الحديث الحسن وشملت كلبَهم بركتُهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن.

وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم، وهو الأشبه، وقيل: كان كلب طباخ الملك، وقد كان وافقهم على الدين فصحبه كلبه، فالله أعلم.

على كل حال هذا لا فائدة منه، والمقصود أن معهم كلباً، وبعضهم يقول: مروا براعٍ معه كلب فتبعهم، وبعضهم تكلم على لون الكلب واسمه، واختلفوا في اسمه، فنقول هذا لا فائدة فيه، وهو اشتغال عن المقصودِ وموضعِ العبرة بمثل هذه الأمور التي لا أثر لها، لكن اللفتة التي ذكرها الحافظ ابن كثير – رحمه الله – لفتة جيدة، فالكلب صحبهم فوقع له مثل هذه النومة الطويلة، فإذا كان الكلب وهو بتلك المنزلة السافلة المنحطة قد استفاد من صحبة الأخيار فما بالك بغيره؟ فإن الإنسان بصحبته للأخيار ينال من الخير ما لا يخطر له على بال.

وقوله تعالى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [سورة الكهف:18]، أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء - تبارك وتعالى - فيهم، لما له في ذلك من الحجة والحكمة البالغة، والرحمة الواسعة.

قوله: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا قول الحافظ ابن كثير: "أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس".

الله – تبارك وتعالى – عمّى عنهم أبصار الناس فلم يصلوا إليهم أصلاً، وإلا فلو رآهم الناس، ورآهم واحد وذهب وأخبر الناس لتجمعوا ينظرون إليهم، فليست القضية - والله أعلم - من أجل أن لا تمسهم يد لامس، فالناس ما رأوهم حتى نقول: تركوهم فزعاً، ولذلك لما وقفوا على أمرهم فيما بعد اجتمعوا وقالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا [سورة الكهف:21].

فقوله: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا، ربما يكون لما كانوا عليه من هذه الآية التي ذكرها الله  فعيونهم مفتوحة وهم في حال من الاستغراق والنوم، أو لما ألقى عليهم من المهابة، أو غير ذلك مما يعلمه الله .

ومن من أهل العلم من قال: إن ذلك بسبب تغير أحوالهم من طول الشعر والأظفار، لما جلسوا هذه المدة ثلاثمائة وتسع سنوات وكيف تكون حال الإنسان إذا ترك شعره فيها، ولم يقص أظفاره، كيف تكون لحيته وكيف يكون شاربه، لكن هل كانت أجسادهم تنمو في هذه المدة أصلاً ؟

فلو أن هؤلاء بعدما استيقظوا بعد ثلاثمائة وتسع سنوات، وقاموا ولحاهم بيض وهم في هيئة من عاش هذه المدة فعلاً، فلماذا لم يفزعوا هم من أنفسهم حينما استيقظوا؟ فظاهر الآية والسياق أن ذلك لم يحصل منهم، بل لم يعرفوا المدة التي بقوها حتى إن بعضهم قال: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

فلو رأى الواحد فيهم أن شواربه أمتار، وأن لحيته أمتار، وأن شعره لربما يبلغ عشرات الأمتار، لاستغرب وخاف، فالذي يظهر أنهم قاموا بنفس الهيئة، وظنوا أن المدينة هي المدينة، وأن العملة هي العملة، وأن الناس هم الناس ولا زالوا، إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [سورة الكهف:20]، فلا يعقل أن يكون حصل لهم التغير - مما يحصل للإنسان عادة حينا ينمو في هذه المدة الطويلة - ولم يحصل لهم استغراب من هذا، ولم يدركوا أنهم جلسوا مدة طويلة إطلاقاً.

ولذلك ذهبوا إلى المدينة باعتبار أنها كما تركوها، ولو كانوا في هيئة أخرى لكانوا بحاجة إلى إصلاح الحال قبل الذهاب إلى الناس ومقابلة الناس، بل قد يفزعون هم من أنفسهم.

والله على كل شيء قدير، فقد تحمل الأم خمس سنوات وأكثر، ويخرج الجنين مثل الجنين الذي تحمل به أمه تسعة أشهر.