الثلاثاء 26 / محرّم / 1447 - 22 / يوليو 2025
ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۝ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة الحج:39-40].

قال العَوفي، عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة.

وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف كابن عباس وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة: هذه أول آية نزلت في الجهاد.

كثير من أهل العلم يقولون: هذه أول آية نزلت في الجهاد، أول ما نزل فيه الأذان، في البداية منعهم وأمرهم بكف اليد ثم ذلك إذنٌ لهم أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا هذه في الأول ثم بعد ذلك وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ [سورة البقرة:190]، ثم بعد ذلك أمرهم بالقتال أمراً عاماً وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ثم بعد ذلك جاءت الآية الخامسة من سورة براءة وهي آية السيف فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [سورة التوبة:5]، ثم بعد ذلك الله - تبارك وتعالى - قال لهم: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ [سورة التوبة:122] بعد أن كان للجميع أن يخرجوا، رخّص للضعفاء والمرضى.... إلى آخره.

وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: لما أُخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، لَيَهلِكُن، قال ابن عباس: فأنزل الله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، قال أبو بكر : فعرفت أنه سيكون قتال.

وزاد الإمام أحمد: قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال[1].

ورواه الترمذي، والنسائي في التفسير من سننيهما، وقال الترمذي: حديث حسن.

هذا الحديث الصحيح يدل على سبب نزول هذه الآية أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وفي القراءة الأخرى أذن للذين يُقاتِلون بأنهم ظلموا فيكون ذلك بسبب ما وقع لأصحاب النبي ﷺ ممن أخرجوا من ديارهم.

وقوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ۝ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [سورة محمد:4-6]، وقال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ۝ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [سورة التوبة:14-15]، وقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ[سورة محمد:31]. والآيات في هذا كثيرة.

هذا التوجيه الذي وجهه به الحافظ ابن كثير - رحمه الله - هو أن قوله وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ أي أن الله قادر على نصرهم من غير قتال، ولكنه أمرهم بالقتال ليبلو بعضهم ببعض كما دلت عليه الآيات، هذا معنى وليس ذلك محل اتفاق، فإن من السلف من فسرها بغير هذا، قال: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ: هذا وعد منه - تبارك وتعالى - لهؤلاء الذين أذن لهم بالقتال، وعد لهم بالنصر، فالمعنى الأول وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ لكنه كلفهم بالقتال وإلا لو شاء لنصرهم من غير قتال، أهلك عدوهم أو آمن من في الأرض كلهم جميعاً لكن الله يبلو بعض العباد ببعض، فجعل منهم أهل الإيمان، وأهل الكفر وأمر هؤلاء بجهادهم، والصبر، والسفر، والعناء وبذل الأموال للابتلاء، والمعنى الثاني: أذن لهم بالقتال ووعدهم بالنصر وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، ويمكن أن يقول قائل: إن الآية تتضمن هذا وهذا، فيها وعد لمن حقق أمره بالنصر، وأن الله قادر على نصرهم وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ فتنهض نفوسهم لتحقيق التوكل على الله وصدق اللجوء إليه، والقيام بشرعه، فأمرهم بقتال عدوهم، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ فهو قادر على نصرهم، إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ [سورة آل عمران:160] فيركنون إليه دون أحد سواه.

ولهذا قال ابن عباس في قوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ: وقد فعل.

قول ابن عباس: وقد فعل، يكون وجهه بالوعد بالنصر وقد فعل، يعني أن هذا تحقق، ولهذا ربْطُ ابن كثير - رحمه الله - تفسير ابن عباس بما قبله لا يخلو من إشكال؛ لأن هذا على القول الآخر غير الذي ذكره ابن كثير، يعني لو أن ابن كثير ذكره على أنه قول آخر في المسألة لما كان فيه إشكال، لكن حينما جاء بهذا السياق "ولهذا قال ابن عباس: وقد فعل" أشعر بأنه قول واحد، وهما قولان، هذا التوجيه والتخريج، لكن هما في الواقع قولان، يتضح ذلك بأن من يقرأ أنهم قولان كثير من الناس، وحينما تذكر الأقوال توجه، ولكن لا تذكر من سياق كأنها قول واحد.

وإنما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أمرَ المسلمين وهم أقل من العشر، بقتال الباقين لشَقَّ عليهم؛ ولهذا لما بايع أهلُ يثرب ليلة العقبة رسول الله  ﷺ، وكانوا نيفا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي - يعنون أهل مِنَى ليالي مِنى - فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: إني لم أومر بهذا، فلما بَغَى المشركون، وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شَذَرَ مَذَر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسولُ الله ﷺ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومَعْقلا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۝ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ قال العَوْفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه.

إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم عبدوه وحده لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر.

يعني ليس لهم ذنب ولا جرم إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ فكونهم آمنوا وقالوا: ربنا الله ليس جرماً يستحقون عليه الإخراج، فهذا استثناء منقطع، كقولك: جاء الرجال إلا فرساً هذا الاستثناء منقطع، وهكذا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ [سورة البقرة:34] على القول الراجح إن إبليس من الجن هذا الاستثناء يعتبر منقطعاً، ومعنى منقطع يعني أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، والأصل في الاستثناء الاتصال وليس الانقطاع، فهنا هذا القول الذي ذكر هو اختيار سيبويه الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [سورة الحج:40] فهذا الإخراج ليس بحق، فهم ما فعلوا جرماً يستوجب الإخراج، هذا الذي قالوه حق، وهو قولهم: رَبُّنَا اللَّهُ فعلى هذا الاعتبار بالنسبة إلى ما في نفس الأمر يعتبر استثناء منقطعاً، وباعتبار آخر ما هو؟ باعتبار ما في نظر الكفار هذا أكبر جريمة عندهم وهو التوحيد، فهم ما خرجوا بسبب جرم قارفوه إلا أنهم وحدوا الله ، وهذا بالنسبة للمشركين يعتبر جرماً كبيراً، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [سورة ص:5] فيكون الاستثناء بهذا الاعتبار متصلاً بالنسبة إلى نظر المشركين، والخطاب أحياناً قد يأتي بحسب النظر من المخاطب، فالقول بأنه متصل قال به جماعة من أهل اللغة وأصحاب المعاني كالزجاج والفراء، قالوا: الاستثناء متصل، لكن أتت قراءة أن الاستثناء متصل باعتبار ومنفصل باعتبار.

وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب، كما قال تعالى: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [سورة الممتحنة:1]، ثم قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم.

وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [سورة الحج:40] أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف.

لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم.

وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس.

وقال مقاتل بن حَيَّان: هي البيوت التي على الطرق.

وَبِيَعٌ: وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضًا، قاله أبو العالية، وقتادة، والضحاك، وابن صخر، ومقاتل بن حيان، وخُصَيف، وغيرهم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله - تبارك وتعالى -: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ قراءة نافع: ولولا دفاع، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، قال: أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف هذا القول الذي ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - جمع فيه بين الأقوال، فالآية تحتمل أن يكون المعنى" لولا أن يدفع بقوم عن قوم، وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ [سورة البقرة:251] لولا دفع الله - تبارك وتعالى - بقوم عن قوم لأهلك القوي الضعيف، ويحتمل أن يكون وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يعني يدفع أهل الشر والفساد بقوم فيبقي الخير والشر بحال من التدافع، فيبقى للناس دينهم وعبادتهم، وهذا المعنى أيضاً تحتمله الآية بل قد يكون هذا المتبادر منها؛ لأن الله قال: لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وهذا الفساد في الأرض يشمل صور الفساد المتنوعة، هنا ذكر الله في هذه الآية لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ هذه أماكن العبادة ويحصل الفساد في الأرض بأن يهلك القوي الضعيف، ويحصل ذلك أيضاً بإظهار الفساد بأنواعه الفساد الأخلاقي،    والاعتقادي وغير ذلك، ولكن الله من سنته أن يدفع هذا بهذا، ومثل هذا سنته الجارية وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ [سورة محمد:4] وشرع الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيبقي الإيمان والكفر والخير والشر يعتلجان، فينكف كثير من الشر بسبب دفع أهل الإيمان، وقد يؤيد الله هذا الدين بالرجل الفاجر، قد يحصل مصالح بتدافع الكفار وذلك فيما يقع بينهم من تناقضات وتنافس وتضاد فينكف بعض الشر كما لا يخفى، وقد يكون ذلك بدفع المسلمين وأهل الإيمان، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ، الحاصل أن ابن كثير هنا قال: لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف جمع بين القولين، وهذا الذي ذهب إليه كبير المفسرين ابن جرير - رحمه الله -، ومن هذا نعرف ما يجب علينا من مدافعة الفساد والمفسدين، قال: لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ الصوامع هنا قال: هي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم، الصومعة في اللغة: هي البناء المرتفع، فلان جالس في صومعة، يعني في بناء مرتفع، وهذا البناء المرتفع لا ينافي أن يكون صغيراً؛ لأن هذا يتخذه العابد أو الراهب متعبداً يمكث فيه، وينقطع فيه، لهدمت صوامع، وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية صوامع المجوس، والصابئون سبق الكلام عليها وأن الأرجح أن الصابئين طوائف وليسوا طائفة واحدة، فيوجد ممن يقال لهم هذا من يعبدون الكواكب، ولا زالت بقاياهم موجودة إلى اليوم في العراق، الصابئة، ويقال ذلك أيضاً: لقوم هم على الفطرة ليسوا بأهل إشراك؛ ولهذا كان المشركون يقولون لمن دخل في الإسلام: صبأ نسبةً إلى الصابئة لا يعبدون الأوثان، أو ربما يوجد طائفة من النصارى يقال لها أيضاً: الصابئة، وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق، والظاهر من السياق أنها أماكن للعبادة، لهدمت صوامع: أماكن للتعبد صومعة الراهب، وَبِيَعٌ قال: وهي للنصارى أيضاً يعني الصومعة مكان صغير والبيعة مكان كبير كالمساجد، قاله أبو العالية، وقتادة والضحاك، وابن صخر ومقاتل وخصيف وغيرهم، وهذا هو اختيار ابن جرير - رحمه الله - أن البيعة هي مكان التعبد الكبير أو الأوسع، والصومعة هي مكان للأفراد ينقطعون فيه للعبادة، والبيعة مثل المسجد، بمنزلة المسجد لهؤلاء، والعلم عند الله ، قال وحكى ابن جرير عن مجاهد وغيره أنها كنائس اليهود، وهذا لا يعارض قول من قال: إنها أكبر من البيع لكن هي اليهود أو النصارى أو كل هؤلاء يسمونها بيعة هذا قد لا يؤثر كثيراً، والمقصود أن هذه الأماكن جميعاً هي أماكن العبادة.

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "قال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [سورة الحج:40]، قال الزجاج: تأويل هذا لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدم في كل شريعة نبي المكان الذي يصلى فيه"[2].

قد يقول قائل: وهل المحافظة على هذه الأماكن مطلب بحيث إن الله قرنها مع المساجد؟ فهذا القول يبين أن المراد بذلك زمن كل نبي من المدافعة، في زمن موسى وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لو لم توجد لهدمت أماكن التعبد، وأماكن التعبد في ذلك الوقت البِيعة مثلاً، أو الصلوات، وهكذا في زمن عيسى ، وفي الإسلام لهدمت المساجد، هذا المراد بهذا القول، كل زمن نبي تُهدم أماكن العبادة، ليس معنى ذلك أن هذه الأماكن شرعية في زماننا بعد بعث النبي ﷺ، وإن كان المسلمون لا يهدمون في حروبهم أماكن العبادة، ولا يقتلون العابدين، لكن يمنعون من تجديدها، ويمنعون من إحداث الجديد في هذه الأماكن التي يُعبد الله فيها على الضلال والكفر بعدما حرفت أديان الأنبياء، ونسخت شرائعهم.

وقال - رحمه الله -: " فَلَوْلَا الدَّفْعُ لَهُدِّمَ فِي زَمَنِ مُوسَى الْكَنَائِسُ الَّتِي كَانَ يُصَلَّى فِيهَا فِي شَرِيعَتِهِ، وَفِي زَمَنِ عِيسَى الصَّوَامِعُ وَالْبِيَعُ، وَفِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ الْمَسَاجِدُ.

وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُهُ بَعْضَ النَّاسِ عَنِ الْفَسَادِ بِبَعْضِهِمْ لَهُدِّمَتْ مُتَعَبَّدَاتُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ وَطَاعَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَبَدَأَ بِذِكْرِ الصَّوَامِعِ وَالْبِيَعِ؛ لِأَنَّ صَلَوَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَصْحَابِهِمْ كَانَتْ فِيهَا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَأُخِّرَتِ الْمَسَاجِدُ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَهُمْ"[3].

يعني تنقطع الصلوات وهذا خلاف الظاهر؛ لأن الله قال: لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ فالعطف على ما قبله، ولا يحتاج هذا إلى تقدير لهدمت صوامع وبيع وتعطلت صلوات؛ لأن الأصل خلاف التقدير، فالأصل في الكلام الاستقلال وليس الإضمار.

وقال - رحمه الله -: "وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الصَّلَوَاتُ؛ صَلَوَاتُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ تَنْقَطِعُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ.

قَالَ الْأَخْفَشُ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: الصَّلَوَاتُ لَا تُهْدَمُ وَلَكِنْ تَحِلُّ مَحَلَّ فِعْلٍ آخَرَ، كَأَنَّهُ قَالَ: تُرِكَتْ صَلَوَاتٌ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي مَوَاضِعَ الصَّلَوَاتِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: يُدْفَعُ عَنْ مُصَلَّيَاتِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ"[4].

هذا القول بأن المقصود هدمت صوامع وبيع إلى آخره حيث يكون هؤلاء أهل الذمة فيدفع عنهم المسلمون، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ولكن هذا بعض ما يدخل في معنى الآية إذا وسعنا مدلولها، وعلى ما قبله يكون المراد بذلك في زمن كل نبي، فرق بين هذا وهذا.

وقال - رحمه الله -: "وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُحْتَاجُ إِلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْوَاقِعِ، لَمْ تَدُلَّ عَلَى كَوْنِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ -غَيْرَ الْمَسَاجِدِ- مَحْبُوبَةً مَرْضِيَّةً لَهُ، لَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُهُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي كَانَتْ مَحْبُوبَةً لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَأَقَرَّ مِنْهَا مَا أَقَرَّ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْخُوطَةً لَهُ، كَمَا أَقَرَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهُمْ وَيَمْقُتُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ مَعَ بُغْضِهِ لَهُمْ.

وَهَكَذَا يَدْفَعُ عَنْ مَوَاضِعِ مُتَعَبَّدَاتِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهَا، وَهُوَ سُبْحَانُهُ يَدْفَعُ عَنْ مُتَعَبَّدَاتِهِمُ الَّتِي أُقِرُّوا عَلَيْهَا شَرْعًا وَقَدَرًا، فَهُوَ يُحِبُّ الدَّفْعَ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهَا، كَمَا يُحِبُّ الدَّفْعَ عَنْ أَرْبَابِهَا وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهُمْ.

وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ"[5].

ابن القيم - رحمه الله - لم يحملها على أن المقصود بذلك في زمن كل نبي، وإنما ذلك جاء بحسب ما هو واقع، فالواقع أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض فتبقى لهم متعبداتهم، ولا شك أن أهل الذمة تسلم لهم متعبداتهم في بلاد المسلمين إذا أقروا بما يجب، والإسلام لم يهدم هذه الأماكن هدماً حسياً كالإغارة عليها، والمسلمون كانوا لا يقصدون هؤلاء ولا تلك الأماكن فإن دفعوا الجزية توفر لهم الحماية من قبل المسلمين فلا يتعدى عليهم أحد، ويبقى لهم تعبدهم وإن كانوا على باطل بحسب الشروط التي جرت بينهم وبين المسلمين، فابن القيم -رحمه الله- يبين أن مثل هذا لا يعني أن الله يحب هذه الأماكن، أو أنها أماكن شرعية، ولا يتوهم أحد أن متعبدات اليهود والنصارى حق، وأن الله أقرها، وذكرها في سياق واحد مع المساجد ليس هذا هو المراد، وإنما المراد الإخبار عن الواقع وإلا فقد جاءت النصوص الصريحة في بيان كفر هؤلاء وعداوتهم، فالله يقول: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ [سورة المائدة:73] وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [سورة المائدة:78]، وذكر أشياء كثيرة من كفر اليهود وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ [سورة التوبة:30]، وقال: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً [سورة المائدة:82] كل هذه الأشياء ذكرها الله وذكر غيرها، والحديث عن هؤلاء كثير في القرآن، فلا يجوز لأحد أن يرتاب في كفرهم وظلالهم، وأنهم أعداء لله ولأهل الإيمان، وأن هذه الأماكن التي يتعبدون بها هي أماكن باطلة، يُعبد الله  فيها على الظلال، ولكن لا يجوز لأحد أن يتعدى عليها، ولا يجوز لهم أن يفتحوا شيئاً منها في بلاد المسلمين على سبيل الاستحداث، ولكن ما وُجد لا يُهدم، ولا يُرعى أو يرمم أو يعاد تشييده من جديد، فتبقى إلى أن تتلاشى.

وقال - رحمه الله -: " قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مُوسَى - عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - َا -: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ [سورة الحج:40] قَالَ: الصَّوَامِعُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الرُّهْبَانُ، وَالْبِيَعُ مَسَاجِدُ الْيَهُودِ، وَالصَّلَوَاتُ كَنَائِسُ النَّصَارَى، وَالْمَسَاجِدُ مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَأَخْبَرَنَا الْأَشَجُّ، حَدّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ قَالَ: صَوَامِعُ وَإِنْ كَانَ يُشْرَكُ بِهِ! وَفِي لَفْظٍ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ.

وَفِي تَفْسِيرِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ: الصَّوَامِعُ لِلصَّابِئِينَ، وَالْبِيَعُ لِلنَّصَارَى، وَالصَّلَوَاتُ لِلْيَهُودِ، وَالْمَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ"[6].

من أهل العلم من يقول بأن ذلك في زمن كل نبي، وهذا القول له وجه، وقاله جماعة من أهل العلم وذكره الزجاج من المفسرين، وقال به ابن عطية في التحرير - المحرر الوجيز -، والقول الآخر بأن هذا بحسب الواقع، ولا يعني ذلك أن الله يحبها.

وقوله: وَصَلَوَاتٌ: قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس، وكذا قال عكرمة، والضحاك، وقتادة: إنها كنائس اليهود، وهم يسمونها صلوات.

وقال أبو العالية، وغيره: الصلوات: معابد الصابئين.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين.

هذا يرجع فيه إلى الواقع، وكون هؤلاء يختلفون في زمن كانت هذه الأشياء فيه موجودة في البلاد المفتوحة وفي غيرها فيبدو - والله أعلم - أن هذا يشبه الاختلاف في غيره لقوله - تبارك وتعالى -: مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ [سورة المائدة:103]، وسبق الكلام على هذا، وكثرة الأقوال فيه، وأن المفسرين وأهل اللغة لم يتفقوا فيه على شيء حتى قال ابن جرير - رحمه الله - بأن هذه الأشياء كانت تصرفات لهم في هذه البهائم بغير حجة ولا برهان من الله - تبارك تعالى -، ولم يرَ الدخول في التفصيل لكثرة الاختلاف فيه، وهكذا مثل هذه الأماكن بعضهم يقول: بأن الصلوات كلمة في أصلها معربة، هكذا يقول بعضهم: صارت معربة، ومثل هذا الأصل أن يقال: يرجع فيه إلى ما هو موجود والواقع، ولكن الذي يبدو أن هذا الواقع يصعب أن يحدد من خلاله المعنى لكل واحدة تحديداً دقيقاً قاطعاً وإلا لم يختلف هؤلاء الأئمة في تفسير ذلك.

وقوله: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فقد قيل: الضمير في قوله: يُذْكَرَ فِيهَا عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات.

هنا ابن جرير - رحمه الله - يقول: إن المستفيض أن الصوامع للرهبان، هذا المستفيض عندنا، لكن المستفيض عندنا لا يحدد المعنى، كما تعرفون تغير كثير من الأشياء، ويقول: إن البِيع للنصارى والصلوات لليهود وهي كنائسهم، والمساجد للمسلمين، وابن جرير يرى بأن المستفيض هو أن الصوامع للرهبان، والبِيع للنصارى، والصلوات لليهود.

وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرا.

وقال ابن جرير: الصوابُ: لهدمت صوامع الرهبان وبِيعُ النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب.

المعنى الأول: يذكر فيها اسم الله كثيراً أن هذا الوصف عائد إلى الجميع، ومن أهل العلم من قال - كما   سبق -: إن ذلك في زمن كل نبي فهذا لا إشكال فيه، فهي أماكن لذكر الله كثيراً، ومن قال: إن ذلك إنما هو بحسب الواقع، فابن جرير - رحمه الله - قال: ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً، فيكون الذكر الكثير في المساجد، فإذا قيل بأن ذلك بحسب الواقع فهل معابد اليهود ومعابد النصارى يذكر فيها اسم الله تعالى كثيراً؟ فكنائسهم مكان للرقص والشرك ومحادة الله ، فإذا قلنا: في زمن كل نبي، فهذا يعود إليها جميعا، والله أعلم.

وقال بعض العلماء: هذا تَرَقٍّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن ينتهي إلى المساجد، وهي أكثر عُمَّارا وأكثر عُباداً، وهم ذوو القصد الصحيح.

يعني تبقى الصومعة للراهب يتعبد وينقطع بها، ثم بعد ذلك البيعة، ثم بعد ذلك الصلوات ثم المساجد على هذا القول.

وقوله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ۝ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [سورة محمد:7 -8].

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ وَصَف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديرا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه، فقير إليه، ومن كان القويّ العزيز ناصرَه فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ۝ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ۝ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [سورة الصافات:171-173] وقال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة المجادلة:21].

نعم هذا التعقيب لقوله: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ بعد أن قال: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ في غاية المناسبة وذلك أنه بين - تبارك وتعالى - سنته الجارية في المدافعة بين الناس، وبين الحق والباطل، والخير والشر، ثم بعد ذلك بين أن معونته ونصره وتأييده يكون لمن نصَرَه، ونصْرُه - تبارك وتعالى - إنما يكون بنصر دينه الصحيح، فالصراع قائم وهو مستمر إلى أن يصير الناس في آخر الزمان إلى الحال التي وصف النبي ﷺ وأخبر حينما تأتي الريح الطيبة بعد عيسى ﷺ بزمان، ثم تأخذ أرواح المؤمنين، وعند ذلك لا يبقى في الأرض من يقول: الله، الله، فما قبل هذا يبقى هذا الصراع والتدافع، فالمؤمن يختار أن يكون في ركاب أهل الإيمان، ويكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ناصراً لدين الله ، وهؤلاء هم الذين وعدهم الله بالنصر، ويبقى آخرون يجلبونهم من خيل الشيطان ورجِلِه، فكل راكب في معصية فهو من خيله، وكل ماشٍ إلى ضلاله فهو من رجله، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [سورة الإسراء:64]، والإنسان حارث وهمام، فعنده الهم يهم بالشيء، والإرادة، وعنده أيضا العمل: أصدق الأسماء حارث وهمام[7]، وإن كان فيه ضعف، لكن المقصود أن هذا المعنى يصدق على الإنسان ويصور حاله وواقعه، فإما أن تكون إرادته وعمله وسعيه في نصر دين الله ، وإما أن يصرف هذه الطاقة في معصيته، وهكذا الكاتب يصرف قلمه في الدعوة والذب عن الحق، أو قد يسلط كتابته وقلمه في السخرية من أهل الإيمان، ومن شرائع الله ، وإلى ما يسخط ربه - تبارك وتعالى - فيكون حرباً على الإسلام والمسلمين سواء كان صاحبه من المنافقين أو من غيرهم.

 

  1. رواه النسائي، كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد، برقم (3085)، وأحمد في المسند، برقم (1865)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  2. أحكام أهل الذمة، لابن القيم (3/1168).
  3. أحكام أهل الذمة، لابن القيم (3/1168-1169).
  4. المرجع السابق (3/1169).
  5. المرجع السابق (3/1169-1170).
  6. أحكام أهل الذمة (3/1170).
  7. رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء، برقم (4950)، وأحمد في المسند، برقم (19032)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لجهالة عقيل بن شبيب"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم (1977).