"فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [سورة القصص:21-25] لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره خرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قلبُه، بل كان في رفاهية، ونعمة، ورئاسة، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ أي: يتلفَّت قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: من فرعون وملئه، فذكروا أن الله بعث له ملكًا على فرس، فأرشده إلى الطريق - فالله أعلم -.
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ أي: أخذ طريقًا سالكًا، مَهْيَعاً؛ فرح بذلك، قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ أي: إلى الطريق الأقوم، ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا، والآخرة، فجُعل هاديًا مهديًّا.
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ أي: ولما وصل إلى مدين، وورد ماءها، وكان لها بئر يرده رعاء الشاء، وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ أي: جماعة، يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ أي: تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يُؤذَيا، فلما رآهما موسى رق لهما، ورحمهما قَالَ مَا خَطْبُكُمَا أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؟ قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ أي: فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى قال الله - تعالى -: فَسَقَى لَهُمَا.
وقوله: ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، وقوله: إِلَى الظِّلِّ قال ابن عباس، وابن مسعود، والسدي: "جلس تحت شجرة"، وقال عطاء بن السائب: "لما قال موسى رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ أسمعَ المرأة"".
فقوله - تبارك وتعالى -: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قال الحافظ - رحمه الله -: "أي يتلفت"، وليس المقصود أن من يتلفت أنه يترقب فإن الالتفات الكثير ناتج عن تخوف، وقلق، وتوجس؛ فهو يترقب لما يتخوفه، ويتوقعه من المكروه، وقوله: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ أصله من اللقاء، تقول: داره تلقاء داري، يعني أنها مقابل داري، ومَدْيَنَ بعضهم يقول: اسم للقبيلة، وبعضهم يقول: اسم للقرية وهو محتمل، وقوله: قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ من إضافة الصفة إلى الموصوف، سَوَاء السَّبِيلِ يعني السبيل المستوية، وقوله - تبارك وتعالى -: وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قال: "أي تكفكفان غنمهما" أن ترد مع غنم أولئك الرعاء، وعبر هنا بالمضارع تَذُودَانِ ليصور الحال، فالغنم تتفلت عليهما تريد الماء، وهما تكفكفان هذه الغنم، فترد هذه من هنا، وترد تلك من هناك، وهو أمر كأنك تشاهده، قال: مَا خَطْبُكُمَا يعني ما خبركما؟ ولماذا هذا التوقف، والانعزال عن هؤلاء الناس؟ فقالتا: لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء مضارع "أصدر" المتعدي، "أصدر" يعني المفعول مقدر محذوف، أي يُصدِر الرعاء أغنامهم، ومواشيهم، وفي القراءة الأخرى قراءة ابن عامر وأبي عمرو حَتَّى يَصْدُرَ الرِّعَاءُ يعني عن الماء قالوا: وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ هذه الآيات واضحة المعنى، والعادة أن ما يذكر هنا بهذا المجلس إنما هو توجيه الأقوال، أو بيان ما يحتاج إلى بيان، ولكن بعض هداية القرآن أحياناً لا نستطيع أن نتجاوزها لمقتضى الحال، فهذه الآيات فيها أبلغ العبرة فيما يتصل بأدب المرأة المسلمة مع الرجال، والعجيب أن دعاة الاختلاط يحتجون بمثل هذه الآية على عادة أهل الأهواء في الاحتجاج، والتعلق بنصوص القرآن حيث يؤولونها، ويحملونها على غير ما دلت عليه، وكان من عادة أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن أهل الباطل لا يحتجون بشيء أو بحجة إلا قلبها عليهم، وهذه الآية أوضح ما تكون في الاحتجاج على هؤلاء المفسدين، فهؤلاء يحتجون بهذه الآية على أن هاتين المرأتين خرجتا للعمل، وتخالطان الرجال، وتعملان بجانب الرجال، فيقولون: هذا دليل على جواز الاختلاط، والواقع أن الآية لا تدل على ذلك لا من قريب ولا من بعيد، فموسى - عليه الصلاة والسلام - تعجب من حالهما وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ما قال وجد معهم مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ تكفكفان الغنم، والغنم تتفلت تريد الماء وهما بمعزل، قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا فلم تجترئ هاتان المرأتان على السقي لغنمهما - مع الحاجة - مع الرجال، وهذا دليل على أدب المرأة المسلمة في مباعدة مجامع الرجال، وأن الاختلاط تأباه الفطرة كما تأباه الشريعة، وكذا تأباه العقول الراجحة كما تدل عليه الشواهد الكثيرة من كلام الغربيين من الرجال والنساء من عقلائهم، أو ممن ذاقوا مرارة التجربة حتى صارت حكوماتهم - أو بعضها - تدعم المدارس والكليات غير المختلطة، وتعطيها مزايا، وتسهيلات، وأموالاً، وهذا كله موجود بتقارير منشورة، ومعروفة، فالشاهد أن هاتين المرأتين لم تختلطا بالرجال كما يقولون: وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء أي نحن لا نختلط مع الرجال مع وجود الحاجة، ثم بيّنتا سبب الخروج، وأنه ليس ذلك ناتجاً عن رغبة فيه، أو رغبة في العمل، أو عن طلب للترويح، وبسبب الملل من البقاء في البيوت، وإن محل المرأة بيتها، والله يقول: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [سورة الأحزاب:33]، ومعلوم أن كثرة الخروج بحد ذاته يعد من التبرج، فالمرأة الخرّاجة الولّاجة امرأة متبرجة؛ لأن التبرج من البروج وهو الظهور، والانكشاف، فإذا خرجت استشرفها الشيطان يعني همّ بها، وأغرى بها، فهاتان المرأتان إنما خرجتا من أجل الحاجة التي لا تُسد إلا بهما، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ليس هناك بديل، ليس هناك من يقوم بهذا العمل سواهما، ثم إن موسى ﷺ سأل بكلمة واحدة: مَا خَطْبُكُمَا؟، فذكرتا له الجواب عما سأل مع بيان العلة من غير استطراد مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ وهذا فيه أدب المرأة المسلمة في مخاطبة الرجال، وأدب الرجل في مخاطبة النساء، بحيث لا يسترسل في الحديث، ويطيل، ويأخذه الكلام حتى يأنس بمحادثتها، ويستروح لذلك، فإن هذا يدعو إلى ما بعده، ثم بعد أن سقى لهما لم يتحول الأمر إلى علاقة، أو أسئلة فضولية، بل تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ.