السبت 06 / ربيع الأوّل / 1447 - 30 / أغسطس 2025
قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

ثم بعد ذلك جاءته إحداهما تمشي على استحياء، خرجتا للرعي؛ لأن الرعي يتطلب ذلك، ولكن حينما كان الخروج في المرة الأخرى للدعوة جاءت واحدة، فليس هناك غنم تُذاد، ولا تسقى، ولا مرعى فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا فالخروج على قدر الحاجة، وقوله: تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء يدل على أنها لا تخالط الرجال؛ لأن المرأة التي تخالط الرجال يذهب حياؤها، ويذهب ماء وجهها شاءت أم أبت، ومهما حاولت أن تظهر غير هذا فإنه ينكشف في الحقيقة، وهذا أمر مشاهد ولو كانت متدينة، فتكون في حال من الجرأة، بل حتى إذا كلمت لتستفتي كأنها تتكلم مع أصغر أولادها، أو إخوانها؛ بغاية الجرأة، وإذا سألت فغالباً لا تعرف الحياء في السؤال، ولا تتحرز، ولا تتحرج وهي تتكلم مع رجل أجنبي، هذه المرأة التي تخالط الرجال تعتاد، تكون جريئة، أما المرأة التي لا تخالط الرجال فإنها تستحي منهم، ولا تجرؤ على مخاطبتهم، أو مقابلتهم فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء، ولم تقل: تفضّلْ عندنا نحن ندعوك اليوم تقديراً لجهودك، وإنما قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ، ثم بيّنت سبب هذه المسألة، ليس فيها ريبة لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا، فأين هذا من حال أهل الاختلاط؟، وقبل مدة شاهد العالم تلك المسخرة منتدى خديجة بنت خويلد أو مركز خديجة بنت خويلد - ا - سموه باسم أم المؤمنين يجرؤون هذه الجرأة على الله، وعلى أمهات المؤمنين، وعلينا، ونظرت في تلك المواقع، وطلبت المزيد من بعض الإخوان؛ فوجدت مركز خديجة بنت خويلد ونساء في غاية السفور؛ حتى إنك ترى بعضهن تجلس بجانب رجل والله كأنها مغتنمة ألبسة لا تعرف الحياء، ولا الحشمة، وجوه سافرة هذا كله وينسب إلى خديجة بنت خويلد، ورأيت بعض كلام هؤلاء النسوة اللاتي فارقن الحياء يتحدثن بحديث غريب أن قدوتهن خديجة بنت خويلد، فالمسألة صارت استحلالاً للمنكر، والتبرج، والاختلاط، وهذا خطير، وهناك فرق بين أن تقع المرأة في مثل هذا وهي ترجو التوبة، وتأمل بحال أفضل من هذه، وتخاف من الله ، ومن عاقبة هذا الذنب، ومغبته، لكن أن يصل الأمر إلى هذا الاستحلال، وينسب إلى أم المؤمنين خديجة - ا - باعتبار أنه كان عندها تجارة، خديجة كانت تجتمع مع الرجال، وتخالط الرجال، وألبسة، وعباءات؛ لو كانت الواحدة من غير تلك العباءة لكانت حالها أخف وأسلم في الفتنة، ومصافحة للرجال، بل رأيت أن بعض هؤلاء حينما تصافح بعض الرؤساء الأمريكيين السابقين أو غير هؤلاء من الرجال أن الواحدة تكاد تلتصق به، والنساء في العالم إذا صافحت رجلاً تمد يدها من بعد، لكن هذه تكاد تضع جسمها ملتصقاً بجسمه، بل لربما حاولت أن تظهر وجهها إلى ناحية صدره، فهذا من أعظم المنكرات، فهؤلاء هم رواد التبرج في هذا المجتمع، كما كان لكل مجتمع رائدات في التبرج، والاختلاط، والفساد، والإفساد، فهؤلاء هم السابقون في ذلك الذين يحملون وزرهم، ولهم أيضاً من أوزار من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيء، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

"فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ۝ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ۝ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [سورة القصص:25-28].

لما رجعت المرأتان سراعا بالغنم إلى أبيهما أنكر حالهما، ومجيئهما سريعاً، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى ، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها قال الله - تعالى -: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ أي: مشي الحرائر كما روي عن أمير المؤمنين عمر أنه قال: "كانت مستترة بكم درْعها".

وروى ابن أبي حاتم عن عمر بن ميمون قال: قال عمر : "جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خَرَّاجة، ولاجة"[1]، هذا إسناد صحيح.

السلفع هي المرأة الجريئة، وهذا ملازم لما بعده: خَرَّاجة، ولاجة، كثيرة الخروج، داخلة طالعة، فهذا ملازم لهذا؛ لأن المرأة التي تكثر الخروج تكون مجترئة، ثم نقول لهؤلاء الناس: افترضوا أن القضية كانت مخالطة للرجال، افترضوا مع أنها ليست كذلك، افترض أن هذا شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ شرع من قبلنا إذا كان يخالف شرعنا فهو ليس من شرعنا بالإجماع، وهذا أمر معلوم عند أهل العلم، ففي شرعنا عشرات النصوص التي تدل على تحريم الاختلاط، فنترك كل هذه النصوص بناءً على حادثة واقعة ذكرها الله لمن قبلنا مع أنه ليس فيها ما يدل على هذا.

وقوله: "قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع" من النساء، يعني قضية تغطية الوجه أمر معروف حتى عند الشرائع السابقة، تغطية الوجه، وما عرف كشف الوجه عند المسلمين إلا بعدما جاء الاستعمار في مصر، وفي الشام، وفي مشارق الأرض ومغاربها، فكشف الوجه ما كان يعرف أبداً، فالنساء كن يغطين وجوههن، وابن العربي المالكي، وبعض أهل العلم لما طافوا في بعض البلاد، وزاروها، وجاءوا بلاد الأندلس؛ ذكروا بعض ما شاهدوا، وما رأوا في بعض بلاد الشام؛ يصفون ما شاهدوا، يقولون: لا ترى النساء أبداً إلا يوم الجمعة يخرجن بغاية الحشمة، لا يرى منها شيء، وفي سائر الأسبوع يقولون: تظن أنك في بلد لا يوجد فيه نساء، ولما جاء الاستعمار، وبدأت النساء الفرنسيات اللاتي جئن مع الجيش الفرنسي وقائده نابليون، وصرن يضاحكن أصحاب الدواب: الجمال، والبغال، وما أشبه ذلك، وفي حال من التبرج، وكان المصريون يتعجبون من جرأة هؤلاء، ووقاحتهن، ثم بعد ذلك حصل ما حصل في بولاق، وأحرق جزء كبير منها، وعاث الفرنسيون فيها فساداً، وأخذوا من الأموال، والنساء الشيء الكثير، ثم ربوهن على أيديهم، فطفق أولئك النسوة فيما بعد يتشبهن بهؤلاء من الفرنسيين، فبدأ التبرج شيئاً فشيئاً حتى صار إلى هذه الحالة، ولما صارت الثورة، وجاء سعد زغلول - سيئ الذكر - أول ما بدأ به والنساء قد احتشدن؛ بدأ بكشف غطاء وجوه النساء اللاتي احتشدن بعد أن كن مستترات، فجاء وبدأ بكشف هذا الخمار، ولا أدري ما علاقة الثورة والنصر المزعوم بكشف غطاء المرأة! وكانت زوجته المسماة بصفية زغلول رائدة في هذا المجال، وشيخه، وأستاذه فضيلة الشيخ المفتي محمد عبده كان صديقَ اللورد كرومر، ويجلس مع زوجته، صديقاً لزعيم الاستعمار، ومندوب الإنجليز في مصر، وكان يتردد على بعض الصوالين التي يديرها بعض النساء، وبعضهن نصرانيات، فإذا كان هذا حال هذا الشيخ فما بالك بغيره إلا ما رحم الله ، فكانت تلك قصة الاختلاط - والله المستعان -.

"قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجَسور، ومن النساء: الجريئة السليطة، ومن النوق: الشديدة، قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا وهذا تأدب في العبارة، لم تطلبه طلباً مطلقاً لئلا يوهم ريبة، بل قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا يعني: ليثيبك، ويكافئك على سقيك لغنمنا، فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أي: ذكر له ما كان من أمره، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده، قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يقول: طب نفساً، وقرّ عيناً، فقد خرجتَ من مملكتهم فلا حُكْم لهم في بلادنا، ولهذا قال: نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

وقوله: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل، قيل: هي التي ذهبت وراء موسى ، قالت لأبيها: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ أي: لرعية هذه الغنم.

بعض العلماء يقول: إن الذي قص عليه القصص هو أبو البنات، وأنه جلس يتحدث مع موسى، ويسليه، ويذكر له خبره، وأن هؤلاء البنات يقمن بهذا العمل؛ لأنه لا يجد غنية، والأقرب كما هو ظاهر السياق أن الذي قص القصص هو موسى - عليه الصلاة والسلام -، ذكر له خبره بدليل أنه قال له بعد ذلك: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ فذكر له خبره مع فرعون، وما حصل من قتل القبطي، وما تآمروا به على قتله، ثم قال: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يقول قالت: أي إحدى ابنتي هذا الرجل قيل: هي التي ذهبت وراء موسى هذا يُذكر وأصل ذلك يرجع إلى أخبار بني إسرائيل - والله تعالى أعلم -: أنه قال لها: امشي خلفي، وإذا أردتِ أن أتجه يميناً أو شمالاً فألقِ حجراً من الناحية التي تريدين؛ من أجل ألا ينظر إليها، فعرفت أمانته، ورأت قوته حينما استطاع أن يسقي لهما، وبعضهم يقول: إن البئر كان عليه حجر لا يرفعه إلا جماعة من الرجال، وهذا الكلام كله لا دليل عليه، يعني يقولون: إنها استنتجت قوته من هذا، وهي رأت كيف يستخرج الماء، ويسقي الغنم؛ فهو وافر القوة.  

وهي ليست مستشرفة للخروج؛ هي لا تقول بأن الخروج أصلاً يمثل بالنسبة إليها نوعاً من الفسحة، والراحة، ومفارقة الملل الذي يتمثل في البيت كما يقول كثير من النساء في بيت غِنًي، وتخرج تعمل بألف وخمسمائة ريال، أو بألف ومائتين ريال؛ وهم أغنياء، وتذهب كل يوم، وتعمل، وتُحاسَب على هذا العمل حساباً عسيراً إذا تأخرت عشر دقائق أو نحو ذلك، يحاسبونها محاسبة دقيقة، وهي تقول: أنا ليس لي هدف إلا الخروج من البيت، ولو قيل لها: تعملين بأجرة في بيتك كطباعة مثلاً؟ لقالت: لا، أنا هدفي مفارقة البيت، وليس المال، وأعرف بعض النساء قال لها أهلها: نحن نعطيك ما تشائين خمسة آلاف في الشهر فلا تخرجي، فتصر على الخروج للعمل بألف ومائتين ريال؛ من أجل أنها تخرج، فالخروج هدف، بينما هذه تقول لأبيها: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ من أجل أن يكفيهما عن الخروج، فالمرأة لا تخرج إلا إذا اضطرت، وبضوابط؛ بعيداً عن الاختلاط، والتبرج، والأصل أن المرأة تُكفى من بيت المال إن كانت فقيرة، أو أرملة، أو نحو ذلك، تُكفى من بيت المال تُعطَى ما يكفيها.

"قال عمر، وابن عباس، وشُريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: "لما قالت: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإنه لما جئت معه تقدمتُ أمامهُ، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا أخطأتُ الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأتهدّى إليه.

عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: "أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عُمَر، وصاحب يوسف حين قال: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ [سورة يوسف:21]، وصاحبة موسى حين قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ".

  1. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، برقم (31842).