الخميس 27 / ذو القعدة / 1447 - 14 / مايو 2026
وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ۝ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة الروم:26-27].

يقول تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أي: ملكه وعبيده، كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ أي: خاضعون خاشعون طوعًا وكرهًا.

قوله كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ بعضهم فسرها بالإقرار بالعبادة كلٌ له مقرون بالعبادة يعني وإن لم يعبده بعضهم، وبعضهم يقول: إن المراد الصلاة كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ أي مصلون، وبعضهم فسرها بالقيام يوم القيامة يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة المطففين:6] ذلك باعتبار أن القنوت يقال لطول القيام، ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - رسالة في قنوت الأشياء لله - تبارك وتعالى -، وقد جمع هذه اللفظة واستعمالاتها المختلفة في كتاب الله - تبارك وتعالى - وأرجع ذلك إلى أمر واحد وهو طول العبادة، وكل ما في السماوات والأرض قانت لله إما اختياراً أو اضطراراً ولهذا فسره بعضهم بالشهادة أنهم عباده، وفسره بعضهم بالإخلاص كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وجاء عن ابن عباس - ا - أن ذلك فيما لا يكون للإنسان اختياراً يعني الأمور الاضطرارية مثل الخلق والإحياء والإماتة والبعث والنشور لا يتخلف منهم أحد وليس لهم اختيار في ذلك فكل له مطيع مستجيب لا قدرة له على الإيذاء والامتناع هكذا فسره - وأرضاه -، وإن عصوه فيما سوى ذلك.

قال ابن جرير - رحمه الله تعالى -: "يقول تعالى ذكره: مَن في السماوات والأرض من ملَك وجنّ وإنس عبيد وملِك كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ يقول: كلّ له مطيعون، فيقول قائل: وكيف قيل: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، وقد علم أن أكثر الإنس والجنّ له عاصون؟ فنقول: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فنذكر اختلافهم، ثم نبين الصواب عندنا في ذلك من القول، فقال بعضهم: ذلك كلام مخرجه مخرج العموم، والمراد به الخصوص، ومعناه: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ في الحياة والبقاء والموت، والفناء والبعث والنشور، لا يمتنع عليه شيء من ذلك، وإن عصاه بعضهم في غير ذلك.

وقال آخرون: هو على الخصوص، والمعنى: وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أن كلّ من في السماوات والأرض من خلق لله مطيع في تصرّفه فيما أراد تعالى ذكره من حياة وموت، وما أشبه ذلك، وإن عصاه فيما يكسبه بقوله، وفيما له السبيل إلى اختياره وإيثاره على خلافه.

وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك؛ لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه كثير عددهم، وقد أخبر تعالى ذكره عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فيما هو له عاص، وإذا كان ذلك كذلك فالذي فيه عاص هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بينت"[1].

  1. تفسير الطبري، لابن جرير الطبري (20/ 90) وما بعدها بتصرف يسير.