وقوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أيسر عليه.
وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البَدَاءة، والبداءة عليه هَيْنٌ، وكذا قال عكرمة وغيره.
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: قال الله: كَذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهونَ عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد[1]، انفرد بإخراجه البخاري.
قوله - تبارك وتعالى -: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أهون هذه أفعل تفضيل على وزن أفعل التفضيل، ومن ثَم فإن المعلوم أن ما كان على هذه الزنة - الذي على أفعل التفضيل - أنه يدل على اثنين في صفة زاد أحدهما على الآخر فيها، هذا في الأصل إذا كان بهذا الاعتبار فيشكل ذلك في قوله - تبارك وتعالى -: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فالله - تبارك وتعالى - تستوي عنده من حيث القدرة تستوي هذه الأمور جميعاً تتفاوت كل هذا يسير، ولهذا قال بعضهم: إن أفعل التفضيل هنا ليس على بابه، وقد مضى على هذا في مناسبات سابقة أن أفعل التفضيل قد تستعمل هذا الاستعمال فيكون المقصود بها مطلق الاتصاف دون معنى التفضيل كما قال الشاعر:
| .... | بيتاً دعائمُهُ أعزُّ وأطولُ. |
يعني عزيزة وطويلة، وكقوله - تبارك وتعالى - أيضاً على أحد التفسيرين وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [سورة الليل:17] يعني وسيجنبها التقي، وقول الشاعر:
| تمنَّى رجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أمتْ | فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ |
هذا معروف في كلام العرب، فإذا فسر بهذا الاعتبار فلا إشكال، فيكون هنا وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يعني وهو هونٌ عليه، صيغة التفضيل يقصد بها مطلق الاتصاف فلا إشكال فلا يوجد شيء أسهل من شيء بالنسبة لله - تبارك وتعالى -، وبعضهم يقول: إن ذلك يرجع إلى المخلوقين، يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، يعني على الخلق على المخلوق يعني؛ وذلك أن ابتداء الخلق خلق الناس مثلاً كان بأطوار من نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة وهكذا يتدرج في هذه الأطوار، وأما الإعادة فمجرد نفخة في الصور ثم بعد ذلك يقومون من قبورهم فهذا أسهل على الخلق من تلك الأطوار، هكذا قال بعض أهل العلم، ولا يخلو من بُعد، والظاهر أن الضمير يعود إلى الله - تبارك وتعالى - ولو أنه فسر بما ذكر أنه هين على الله -- سهل وليس المقصود أفعل التفضيل، وبعضهم يقول: إن ذلك يرجع إلى ما عرف من أن العرب قد تراعي في خطابها حال المخاطب، ومن ذلك أنه يراعي حال السامعين فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [سورة طه:44] فإنه من المعاني التي ذكرت فيه: لعله يعني على رجائكما، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى- وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [سورة الصافات:147] فليس ذلك على سبيل الشك، لكن هذا باعتبار نظر المخاطب أنه إذا نظر إليهم، قال: مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ مع أن الله أعلم بعددهم بالتمام، بعضهم يقول: إن هذا من هذا القبيل وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يعني أنه راعى حال المخاطبين باعتبار أن ذلك بالنسبة إليهم أن الابتداء أصعب من الإعادة، أما بالنسبة لله - تبارك وتعالى - فإن ذلك يسير عليه، والله تعالى أعلم.
وقوله: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [سورة الشورى: 11].
وقال قتادة: مَثَلُه أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره.
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ابن جرير - رحمه الله - جمع بين قول ابن عباس وقول قتادة، ابن عباس يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وقتادة يقول: إنه لا إله إلا هو ولا رب غيره له المثل الأعلى في السماوات والأرض، والمثل يقال للصفة، وأصل ذلك يقال للشبه، وما يرجع إلى هذا المعنى إلا في بعض المواضع فإنه قد لا يقال فيه ذلك إلا على سبيل التكلف كقوله - تبارك وتعالى -: مَثَلُ الْجَنَّةِ [سورة الرعد:35]، يعني صفة الجنة على الأرجح وإن أنكره بعضهم، وبعضهم يقول: إن المقصود هنا وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى أي ما ذكر من قوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يعني أنه قد ضربه لكم فيما يصعب ويسهل، وبعضهم يقول: إن ما أراد فإنه يكون بكن، فيكون، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، له المثل الأعلى في كل شيء فهو الواحد الذي لا شريك له، ولا ند له، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء - .
- رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: "وامرأته حمالة الحطب"، برقم (4974).