الأربعاء 26 / ذو القعدة / 1447 - 13 / مايو 2026
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

وقوله: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم أي: بدلوه وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقرأ بعضهم: "فارقوا دينهم" أي: تركوه وراء ظهورهم.

يعني هذه قراءة متواترة قراءة حمزة والكسائي أي: من الذين فارقوا دينهم، والمعنى واحد أو مختلف فيه فرقوا دينهم، فارقوا دينهم؟ المعنى جديد، معنى آخر لكن بين المعنيين الارتباط، بينهم ارتباط بلا شك فالذين فرقوا دينهم معناها أنهم انحرفوا وضلوا، ومن فارق دينه فقد وقع أيضاً في مثل هذا، الناس إذا تركوا الدين الصحيح - فارقوا دينهم - فهم في الواقع فرقوه صار هؤلاء على النصرانية، وهؤلاء على اليهودية وتركوا دين الإسلام.

وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعَبَدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ الآية [سورة الأنعام:159]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملَل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل عن الفرقة الناجية منهم، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي[1].

قوله - تبارك وتعالى -: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [سورة الروم:31-32]، هذا تفسير لما قبله يعني كأنه يذكر أوصاف هؤلاء المشركين الذي نهى عن مشابهتهم فذكر صفة من أبرز صفاتهم أنهم فارقوا دينهم الحق وصاروا شيعاً، فإذا فارق الناس الحق تفرقوا واختلفوا، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، - نسأل الله العافية -، يحسبون أنهم على شيء على هدى، كل يدعي أنه على الدين الصحيح، وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:113] يعني المشركين، مثل قولهم: فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فكل طائفة تدعي أنها على الحق، فكان من أبرز صفات المشركين أنهم فرقوا دينهم، وأيضاً فارقوا دينهم، فالله ينهى هذه الأمة عن مشابهتهم، والعلماء كثيراً ما يذكرون مثل هذه الآية، والآية الأخرى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [سورة الأنعام:159]، والمقصود بها اليهود والنصارى ومن شاكلهم، لكن كثير من أهل العلم يذكرون هذا الكلام على أهل البدع والضلالات وهذا الاستدلال استدلال صحيح في محله، يعني حينما يذكرون هذه الآية هناك فإن الاختلاف في الدين - وهو الاختلاف بسبب الأهواء - هو الذي يورث التفرق، وهو الخلاف المذموم التي جاءت النصوص بذمه والتحذير منه؛ ولهذا فإن أصحاب النبي ﷺ لما اختلفوا في قضايا من الأمور العملية، اختلفوا في اجتهاداتهم، بل حصل بينهم قتال، ومع ذلك لم يتحولوا إلى فرق ولم تقع فيهم الأهواء التي حصلت لمن بعدهم، مرجئة وخوارج وشيعة وقدرية، ما حصل هذا لأحد من أصحاب الرسول ﷺ ولا يعرف لأحد من الصحابة قط أنه نبز بشيء من هذه الأهواء فكان اختلافهم بسببها، اختلاف أصحاب النبي ﷺ غير مذموم، فيتوجه الذم إلى كل خلاف أورث في الدين فرقة وتناحر، فمثل هذه الآيات يستدل بها في مثل هذا المقام حينما يقع الاختلاف بين الناس في الدين فيتفرقون، أما اختلافات الفقهاء فليست موجبة للتفرق، لكن يكون هؤلاء طائفة على هوى وهؤلاء على هوى، ولهم اسم ينتسبون إليه غير الأسماء الشرعية ونحو ذلك فهذا هو المذموم، وهذا الذي جاء التحذير منه، وعندئذ يمكن أن يستدل بمثل هذه الآيات على هذا؛ لأن الله إنما نهى نبيه ﷺ نهى هذه الأمة - حتى لا نقع بمشابهتهم في قليل أو كثير، فالغاية - نسأل الله العافية - مفارقة الدين بالكلية وهي عبادة غير الله وأن يكون الإنسان على ضلالة كاملة كاليهود والنصارى وطوائف المشركين، وقد يكون له شعبة من هذا بضلالة وبدعة كما حصل لهذه الفرق التي أشرت إليها المرجئة والمعتزلة والقدرية وما شابه ذلك، والله المستعان.

  1. رواه الطبراني في المعجم الأوسط، برقم (4886).