فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة الروم:38-40].
يقول تعالى آمرًا بإعطاء ذي الْقُرْبَى حَقَّهُ أي: من البر والصلة، وَالْمِسْكِينَ وهو: الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، وَابْنَ السَّبِيلِ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره.
قوله تعالى هنا: فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ حقه بالنسبة للقريب الصلة، وهذه الصلة تكون بالمال وغيره بحسب حاله، وذِكر الحق هنا فهم منه بعض أهل العلم الوجوب، فالقريب له حق في مالك، وابن السبيل له حق فيه، وهو الذي انقطع في سفره؛ ولهذا تجد بعضهم أيضاً يفسره بالضيف، وكذلك المسكين، ومن أهل العلم - كما هو معلوم - من يقول: في المال حق الزكاة، فيجعلون هذا من هذا الحق، غير الزكاة، والمسألة فيها كلام معروف، وكثير من أهل العلم من عامة أهل العلم يقولون: لا حق في المال غير الزكاة، لا يجب فيه شيء أن يخرج سوى الزكاة، لكن لا يختلفون أن من وجبت نفقتهم وأوجبه الشارع أن هذا ثابت فمن ذلك النفقة على العيال، على الزوجات هذه واجبة وليست من الزكاة، ولا يجوز أن تصرف لهم الزكاة في هذه النفقات الواجبة، هذا أمر، والأمر والوجوب إن كان قرى الضيف الذي نزل بهم ولم يجد من يقوم به ما يحصل به الكفاية مما يصلح لمثله أن هذا واجب وهذا غير الزكاة، ولا يكون قرى هذا الضيف من الزكاة بل إن النبي ﷺ في نفس الحديث أجاز له إن لم يقروه أن يأخذ منهم مثل قراه، فهذا يدل على أنه حق ثابت، فالشاهد أن مثل هذا لا شك مثل الزكاة، ولكن قوله - تبارك وتعالى - في سورة الأنعام: وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [سورة الأنعام:141] مبيَّن بما ذكر الله وبما ذكر رسوله ﷺ من أمور أخرى بعد ذلك في تفاصيل تتصل بالأنصبة أو الأموال الزكوية أو نحو ذلك كما جاء في نصوص أخرى، فكان يخرج ذلك في مكة من غير تقدير يوم الحصاد لمن حضر من الفقراء، وهناك أشياء تكون مستحبة كقوله - تبارك وتعالى -: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا [سورة النساء:8] هنا الميراث يقسم، فحضر فقراء ومساكين فيعطون من هذا المال شيئاً جبراً لخاطرهم، فالذين نظروا إلى أن قوله - تبارك وتعالى -: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [سورة الإسراء:26]، القربات لهم حق في المال هكذا بإطلاق، قالوا: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، فصار القرابات إنما يأخذون من الميراث وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ لكن هذه الآية تتحدث عن الحياة عما يكون بعد الموت فما هو حق القرابات؟ حق القرابات من الصلة فإن كانوا محتاجين وهو ذو يسار فإنه يصلهم بالمال، وإن كانوا غير محتاجين فبالتعاهد بالسؤال والزيارة وما إلى ذلك، تختلف الصلة من مكان إلى مكان، بحسب العرف تتفاوت، لكن القول بأنها منسوخة هذا غير صحيح، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ومعنى الآية لا إشكال فيه من غير دعوى النسخ، لا حاجة لهذه الدعوى، فالقرابات لهم حق بالصلة كلٌّ بحسبه، والمسكين له حق، ومن حقه أن يعطى من الزكاة، وابن السبيل كذلك فهذا من مصارف الزكاة، وبعض أهل العلم يقول: إن الآية محكمة، وبعضهم يحمل قوله: ذَا الْقُرْبَى على قرابة النبي ﷺ فما هو حقهم؟ لهم حق في المحبة مثلاً والموالاة أعني أهل الإيمان منهم فنحبهم لقرابتهم، ونحبهم لإيمانهم فلهم محبتان، لكن من أهل العلم من رد هذا التفسير وقالوا: إن القرابة أعطاهم الله قرابة النبي ﷺ الحق بالفيء والغنيمة، فلهم من الغنيمة خمس الخمس وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ... [سورة الأنفال:41] هذا في الخمس، مخمس إلى خمسة أخماس، فسهم لله وللرسول ﷺ، ولذي القربى سهم، وكذلك في الفيء فإن الفيء مخمس بكامله، ومن هذه الأخماس في الفيء خمس قرابة النبي ﷺ فإنهم يعطون من هذا فهذا حقهم، ولا تحل لهم الصدقة، والأظهر - والله تعالى أعلم - أن ذلك لا يختص بقرابة النبي ﷺ لا توجد قرينة تدل على هذا في الآية، وبعضهم كالحسن البصري - رحمه الله - حمل ذلك على الندب وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ فحينما يقال: حق واجب لازم ثابت فهل يجب على الإنسان للقرابات حق في مالك مثلاً؟ فهذا موضع الإشكال، ولكن إذا فهم المعنى الذي ذكر أولاً انحل الإشكال، والله تعالى أعلم.
في قوله: ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ يعني هل يختص هذا بالنظر إلى وجهه يريدون النظر إلى وجهه؟ لا يختص بهذا يريدون وجه الله، يريدون ما عنده، تقول للإنسان يريد بعمله وجه الله يعني الإخلاص، يريد وجه الله، الذين يريدون وجه الله.
ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ خير أفعل تفضيل يعني خير من كنز المال وجمعه وتثميره، فصرف المال في هذه الوجوه بالإحسان إلى القرابات والمحتاجين أفضل من جمع المال وخزنه وتكثيره وحبسه عن هذه الوجوه، لكن هذا لمن لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ.