لاحظ قبل الدخول في هذا التفصيل قوله هنا: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وما آتيتم قراءة الجمهور هكذا يعني وما أعطيتم، وفيه قراءة أخرى متواترة قرأ بها ابن كثير وَمَا أتَيْتُمْ مِنْ رِبًا يعني وما فعلتم، والمعنى مختلف لكن ذلك يرجع إلى المعنى الأول وَمَا آتَيْتُم أعطيتم لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وهنا أتيتم يعني فعلتم هذا الفعل الذي هو الإعطاء، فالمعنى يختلف لكن يرجع في النهاية إلى شيء واحد مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ليَربُوَ هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع لتُربُوا في أموال الناس تُربُوا يعني لتكونوا ذوي زيادات.
وهذا التفسير الذي ذكره الحافظ ابن كثير ونسبه لجمع من السلف ، مع أنه قد يكون غائباً عن ذهن كثير ممن يقرأ هذه الآية، وهو قول عامة أهل العلم.
وقوله: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم هذا المعنى يكون هكذا تقريره: يعطي عطية ينتظر أفضل منها، يعطي الإنسان هدية وينتظر أكثر من ذلك، يعطي مثلاً هدية لأمير ينتظر أن هذا الأمير يعطيه أضعاف ذلك، قد يعطي ناساً من الأغنياء يعطيه شيء وهو أحوج ما يكون إليه هو فقير ومع ذلك يجدّ ويجتهد ثم يقترض حتى يشتري مثلاً نوعاً من البخور ثميناً جداً ونحو ذلك، وأنا قلت: تفضل هذه الهدية، ماذا يقصد؟ يقصد وجه الله!، لا يعطيها فقيراً آخر وإنما يقصد أن يرجع إليه أضعاف هذا، وهكذا قد يفعل ذلك القرى والضيافة ونحو ذلك لربما يدعو أميراً كبيراً من الكبراء أغنياء ونحو ذلك من أجل أن يعطيه شيئاً أكثر من هذا، بعض هذا يدخل في أشياء أخرى تتعلق بالنفاق، إذا قال أو كان فعله ذلك من هذا القبيل بعضه ليس من النفاق العملي، فمثل هذا التصرف يعطيه هدية ويرجو غيرها وأحياناً يرجو مثلها لكن هنا قال: لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فهذا إنسان تزوج فذهب وأعطاه هدية، أعطاه شاة ينتظر منه إذا تزوج هو أو أحد أولاده أن يعطيه أكثر من ذلك، وبعضهم يفعل هذا لحرج اجتماعي ليرد عليه مثل ذلك فيصل الأمر إلى حالات مما يمكن أن يقال: إنه نوع من المهانة، يكتب كل من يأتي بشي يسجل، جاء بكذا، جاء بكذا، جاء بكذا، فإذا حصل لهذا مناسبات - فيه حسابات - فيعطى المثل، وهذا فيه إشكال كبير، فيه إشكال من حيث الناس، هؤلاء الناس يخرجون أموالهم من غير طيب نفس، يخرجها على أنها مغرم، لا تطيب نفوسهم بهذا - إلا من رحم الله -، لكن ما ذكر هنا في الآية لِّيَرْبُوَ ليزيد يعني فيعطي العطية ليأخذ أكثر فمثل هذا الذي سماه ابن عباس وجماعة من السلف كعكرمة بالربا الحلال، قالوا: الربا نوعان: ربا حلال وربا حرام، فالربا الحرام هو المعروف من غير عوض، قرض ثم يأخذ أكثر بعد ذلك غير البيع والشراء يعني غير المعاملات التجارية المعروفة المباحة ذاك هو الربا الحرام، وهذا هو الربا الحلال ربا حلال، ولا يفهم من هذا أنه محمود، لكنه لا يحرم يعني كون الإنسان أعطى أحداً من الكبراء والأثرياء ونحو ذلك عطية ويرجو أن يرد عليه أفضل منها، قال: تفضلْ خذ هذه ساعة هدية وهو يرجو أن يعطيه ساعة أفضل منها أو يغمره بهدايا أفضل منها، فهذا الإنسان رآه في الطريق وصدمت سيارته ونحو هذا وقال: تفضل هذه سيارتي هدية لك، وهو ينتظر أن يعطيه سيارة أضعاف قيمتها فمثل هذا ليس بمحرم، ولكنه لا يؤجر عند الله على هذا العمل مما أراد به شيئاً من الدنيا، ما قصد التقرب إلى الله أصلاً، فهذا الذي قالوا عنه: الربا الحلال، والحلال ليس معناه أنه سائغ، جيد، لا بأس به، حسن، لا يفهم هذا، المقصود أنه ما هو محرم، مع أن بعض أهل العلم حمل ذلك على الربا المحرم، وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ يعني لا يحكم به، فلا يكون حقاً لآكله بل هو لمن دفعه؛ ولهذا إذا وصلت القضية إلى الحكم الشرعي إلى المحكمة بنك أقرض رجلاً مليوناً ويطالبه بمليون وثلاثمائة وجاءوا عند القاضي يحكم فإن القاضي يحكم برأس المال فقط، والثلاثمائة ليست لصاحب المليون المقرِض، بعض أهل العلم فسره بهذه قال: فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ لأن الله لا يقره ولا يحكم به فتلك زيادة باطلة، لكن الذي عليه عامة أهل العلم هو ما ذكر من أن ذلك في العطية ونحوها مما لا يراد به التقرب إلى الله ، وإنما المراد عرَض عاجل: إنما لكل امرئ ما نوى[1] ليس ذلك من الإشراك، هذا ليس من قبيل الشرك، فرق بين هذا وإنسان يتصدق رياءً وسمعة يقال المحسن فلان فهذا شرك هو نوع من أنواع الشرك، والله أعلم.
- رواه ابن خزيمة في صحيحه، برقم (1934)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2319).