الأحد 06 / ذو القعدة / 1446 - 04 / مايو 2025
لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
مرات الإستماع: 0

"ثم قال تعالى: لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [سورة النساء:162] أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.
وَالْمُؤْمِنُونَ [سورة النساء:162] عطف على الرَّاسِخُونَ وخبره يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ [سورة النساء:162].
قال ابن عباس - ا -: "أنزلت في عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد وزيد بن سعية، وأسد بن عبيد وأرضاهم الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمداً ﷺ".

يقول - رحمه الله -: "وَالْمُؤْمِنُونَ [سورة النساء:162] عطف على الرَّاسِخُونَ وخبره يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ [سورة النساء:162]" أي أن المراد بالراسخين منهم هم من آمن من اليهود، ويكون "المؤمنون" من باب عطف العام على الخاص، والمعنى أن غير الراسخين من أهل الإيمان الصحيح منهم أيضاً يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك.
ويحتمل أن يكون العطف بالمؤمنين مراداً به المؤمنين من هذه الآمة، والمعنى لكن الراسخون من بني إسرائيل، والمؤمنون من المهاجرين، والأنصار، الذين اتبعوا النبي ﷺ؛ يؤمنون بالكتاب كله.
وابن جرير - رحمه الله - ومن وافقه يقول: إن المراد بذلك هم الملائكة، وهذا لا يخلو من بعد.
وعلى كل حال فالآية تحتمل أن تكون في أهل الإيمان من هذه الأمة، وتحتمل أن تكون في المؤمنين من بني إسرائيل، وإن كان ذكر ذلك في حق بني إسرائيل، وأنه من صفتهم أقرب؛ لأن الكلام فيهم، والله وأعلم.
"وقوله: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [سورة النساء:162] يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم".

يحتمل أن يكون زكاة الأموال، أو زكاة النفوس، وزكاة النفوس معناها تزكية النفوس بالإيمان، والعمل الصالح كما قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى [سورة الأعلى:14] يعني زكى نفسه، وإن كان قد قيل: إن المراد بهذه الآية زكاة الفطر وبقوله: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [سورة الأعلى:15] أي: الذكر الذي يكون قبل صلاة العيد، وصلى أي: صلاة العيد، وهذا فيه بعد، فعلى كل حال الزكاة تطلق تارة ويراد بها تزكية النفس، وتارة يراد بها الزكاة المعروفة - زكاة المال -، فهنا يقول الله : وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [سورة النساء:162] والغالب في القرآن أن الزكاة التي تقرن بالصلاة يراد بها زكاة الأموال، ومثل هذه الأصول الكبار يمكن أن يقال فيها: إن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قد اتفقوا عليها مع اختلاف في التفاصيل، فعندهم الصوم، والحج، والزكاة، والصلاة؛ لكن تختلف تفاصيل ذلك في شرائع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -.
يقول تعالى: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [سورة النساء:162] لا سيما أنه عبر عنه بلفظ الإيتاء وهو بمعنى الإعطاء، والغالب أن مثل هذا إنما يستعمل في دفع المال المخصوص لمستحِقِّه.
وفي قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [سورة النساء:162] نجد أن المقيمين منصوبة، والمؤتون مرفوعة، فكيف جاءت هذه اللفظة المقيمين منصوبة بين المرفوعات؟
يمكن أن يجاب عن ذلك بالقول: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره أعني المقيمين الصلاة كما يقول سيبويه ومن وافقه، حيث ذكر لذلك شواهد من كلام العرب، ويمكن أن يقال: إن هذا منزل على قاعدة أن العرب تقطع في صفة الواحد إذا أرادت المدح أو الذم ليكون ذلك أبلغ في مدحه أو ذمه، ولعل هذا من أحسن ما يجاب به عن هذا الإشكال، وله شواهد في القرآن وفي أشعار العرب، فمن الآيات التي تنزل على هذه القاعدة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة المائدة:69]، فقوله: وَالصَّابِئُونَ جاءت مرفوعة بين منصوبات، ومن شواهد كلام العرب قول ابن خياط:
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نميراً أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولما يُظعنوا أحداً والقائلون لمن دارٌ نخليها
فالقائلون جاءت مرفوعة على الاستئناف، وظاهرها أنها معطوفة على الظاعنين المنصوبة، وهذا شعر عربي فصيح من كلام العرب الأقحاح.
وأما ما يذكره بعضهم من روايات لا تصح مما ينقل عن عثمان، وعائشة، وعن بعض الصحابة من روايات مكذوبة في كتابة القرآن فإن هذا من أبطل الباطل، ولا يصح من جهة الإسناد أبداً، ولذلك لا يجوز الالتفات إليه.
كما أنه يوجد توجيه آخر للآية التي نحن بصدد الحديث عليها؛ لكن في ظني أنه في غاية التكلف والبعد، وهو أن يكون المعنى لكن الراسخون في العلم منهم، والمؤمنون؛ يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالمقيمين الصلاة يعني بالملائكة، وهذا قال به ابن جرير - رحمه الله -، والذي حمله على هذا القول هو الإعراب، فأظن أن هذا في غاية البعد، لكن إذا عرفت هذه القاعدة زال الإشكال، أعني أن العرب إذا تطاولت صفة الواحد في المدح والذم فإنها تقطع - أي تحول من نصب إلى رفع أو العكس - ليكون ذلك أبلغ في مدحه وذمه، والله تعالى أعلم.
وقد أكثر العلماء من الكلام على بعض هذه المواضع في بعض كتبهم في التفسير، بل إن بعضهم ربما أفرد بعضها برسالة خاصة يذكر فيها المناقشات، والأجوبة، والوجوه كالكلام على قوله تعالى: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [سورة طه:63] وذلك أننا إذا قلنا: إن إِنْ مخففة من الثقيلة فهي ناصبة هكذا إنْ هذين لساحران، فكيف قال: إنْ هذان؟
هذه المسألة ألَّف بعضهم فيها كتاباً في ذكر الأجوبة عليها، ومن أقرب هذه الأجوبة أن هذا جاء على لغة بعض العرب الذين  يُلزمون المثنى الألف دائماً - في النصب، والرفع، والجر - وشاهد ذلك قول الشاعر:
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
فلم يقل: غايتيها؛ باعتبار أن إبقاءها على حالتها - بالألف - لغة صحيحة، والله أعلم.
"وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة النساء:162] أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها، وشرها.
وقوله: أُوْلَئِكَ هو الخبر عما تقدم، سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا يعني: الجنة".

مرات الإستماع: 0

"لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [النساء:162] هو عبد الله بن سلام، [وفي النسخة الخطية: هم عبد الله بن سلام، ومخيريقٌ، ومن جرى مجراهم]."

عبد الله بن سلام، ومخيريق، يقول: عندكم هنا مخيريق في الحاشية الناضري، أسلم، واستُشهد بأحد، يُقال: إنه من بني قينقاع، ويُقال: من بني الفطيون.

لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [النساء:162] الراسخون أي الثابتون، الرسوخ يدل على الثبوت، الرسوخ يعني الذين تمكنوا في العلم حتى صار سجيةً لهم، يعني لا يتكلفون ذلك.

يقول: "هو عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى مجراهم" هو لا يُختص بهؤلاء، لكن من كان على شاكلتهم، هؤلاء، ومن كان بهذه المثابة، يكون من أهل العلم، وآمن بمجموع هاتين الصفتين من أهل الرسوخ، وكذلك أيضًا آمن بالنبي ﷺ .

"وَالْمُقِيمِينَ [النساء:162] منصوبٌ على المدح بإضمار فعلٍ، وهو جائزٌ كثيرًا في الكلام، وقالت عائشة: هو من لحن كُتَّاب المصحف[1] وفي مصحف ابن مسعود: والمقيمون، على الأصل."

تأمل قوله: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [النساء:162] يعني: هذا منصوب بين مرفوعات وَالْمُقِيمِينَ [النساء:162] قبله مرفوعات، وبعده كذلك وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:162] فما وجه النصب هنا لقوله: وَالْمُقِيمِينَ بين هذه المرفوعات؟ يقول: "منصوبٌ على المدح" يعني على القطع الذي يفيد المدح، يكون التقدير وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ أي، وأمدح الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ أو أعني الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كما يقول سيبويه - رحمه الله - يقول: وهذا باب ما ينتصب على التعظيم، وذكر شواهده في كلام العرب، ويمكن أن يكون بمعنى، وأخص الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ هذا معنى قول المؤلف: "منصوبٌ على المدح بإضمار فعلٍ" بإضمار فعل، أمدح، أعني، أخص، ونحو ذلك، يقول: "وهو جائزٌ كثيرًا في كلام العرب".

وبعضهم يقول: إنه مجرور وَالْمُقِيمِينَ عطفًا على "مَا" فـ "مَا" هنا اسم موصول، في محل جر، يعني بالذي أُنزل إليك، وبالمقيمين الصلاة يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وبـ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ما وجه هذا؟ يؤمنون بالمقيمين الصلاة، يعني قالوا: يعني الملائكة يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وبـ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وهم الملائكة، أو الأنبياء، وهذا بعيد مُتكلَّف، كيف يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وبـ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ بين هذه المرفوعات، ولا يوجد ما يدل على ذلك من قرينةٍ، أو نحو هذا؟ هذا بعيد، وهو خلاف الظاهر المتبادر، والعجيب أن أبا جعفر ابن جرير - رحمه الله - اختار بأنهم الملائكة[2] يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ يعني: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبـ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ يعني: الملائكة، طبعًا يؤيد هذا القول قاعدة ترجيحية، وهي: "أن الكلام إذا دار بين الإضمار، والاستقلال فالأولى الاستقلال" الاستقلال أولى من الإضمار، فالقول الآخر الذي هو قول الجمهور، ومن هؤلاء سيبويه - رحمه الله -: أنه فيه إضمار، فيه إضمار كما سمعتم، لكن هذا الإضمار قد يُضطر إليه إذا كان يقابل ذلك - يقابل القول بالإضمار - قول مُتكلَّف بعيد، فالإضمار يكون مقدَّمًا في هذه الحالة - والله أعلم -.

وعلى كل حال على قول ابن جرير - رحمه الله - ومن وافقه: أنه مجرور، وليس بمنصوب، وبعضهم يقول: بأن التقدير، وبدين الْمُقِيمِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ [النساء:162] وبدين الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، ويكون بهذا مجرورًا بالإضافة، وهذا مبني على تقدير، ويكون المراد بهم أهل الإسلام، وهذا لا يخلو من بعد، لكن القول الآخر المشهور الذي ذكرته آنفًا، وذكره ابن جُزي أولاً هو أن ذلك منصوبٌ على المدح، ويؤيده قاعدة: وهي أن العرب إذا استطالت الأوصاف في باب المدح، والذم، فإنها تقطع بالرفع تارةً، وبالنصب تارة، وهذا عندهم أبلغ في الكلام، أبلغ عندهم حينما يغاير في الإعراب بهذه الأوصاف المتتابعة الطويلة، فيرفع صفةً من بينها - بين منصوبات - أو ينصب بين مرفوعات، أو يرفع بين منصوبات، وهذا له نظائر أخرى في كتاب الله - تبارك، وتعالى - وذكرت شواهد ذلك في قواعد التفسير.

فالمقصود أن هذا يؤيده قاعدة، وهذا يؤيده قاعدة، وإذا كان كذلك تجاذبه قاعدتان، وفي هذه الحالة يُنظر، عندنا قاعدة أخرى: وهي أن المتبادر إلى الأذهان الذي يسبق إلى الذهن أولى من غيره؛ يعني من البعيد الذي يحتاج إلى إعمال ذهن، وتكلف ليُفهم - والله أعلم -.

وأما قوله هنا: "وقالت عائشة: هو من لحن كُتَّاب المصحف" يقول: هذا الكلام صحيح عن بعض السلف لكنه لا يقدح في القراءة المتواترة، ونقل كلام الزرقاني في كتابه "المناهل" يقول: والجواب على غرار ما سبق أن ابن جُبير لا يريد بكلمة لحن الخطأ، وإنما يريد بها اللغة، والوجه في القراءة على حد قوله - تعالى -: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30] والدليل على هذا التوجيه أن سعيد بن جُبير نفسه كان يقرأ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فلو كان يريد باللحن الخطأ ما رضي لنفسه هذه القراءة، وكيف يرضى ما يعتقد أنه خطأ؟ وهذه الكلمة في آيةٍ من سورة النساء إلى آخره.

يقول: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قرأها الجمهور بالياء منصوبًا كما ترى، وقرأها جماعةٌ بالواو، منهم: أبو عمرو في رواية يونس، وهارون عنه، ولكلٍ من القراءتين وجهٌ صحيح فصيح في اللغة العربية، فالنصب مُخرَّج على المدح، والتقدير: وأمدح الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، والرفع مُخرَّجٌ على العطف، يعني كغيره معطوف على مرفوعات لا إشكال في هذا، لكنّ قوله هنا: بأن هذا القول يعني بأن هذا من لحن الكُتَّاب إلى آخره هذا غير صحيح، ولا يُحتاج إلى هذه الإجابات الطويلة، هذه الروايات لا يصح منها شيء، وهي رواياتٌ ضعيفة.

ومن جهة المضمون فإن هذا لا يمكن أن يقع في كتاب الله فكان كُتَّاب المصحف يسيرون فيه على نهجٍ في غاية الدقة، فهم لا يكتبون شيئًا حتى يشهد عليه شهيدان، بعضهم يقول: المقصود بالشهيدين الحفظ، والكتابة، أن يكون محفوظًا، والأمر الثاني: أنه مكتوب.

وبعضهم يقول: يشهد شهيدان على المكتوب أنه مما كُتب بين يدي رسول الله ﷺ فكان هذا يُطلب في الجمع الذي جمعه أبو بكر  ثم أخذ بهذه الصحف عثمان  طلبها من حفصة كانت، وارثة لعمر، ونسخ ذلك كتبوه، مع مزيد من التوثيق أربعة من الحُفَّاظ المشهود لهم بالإتقان من أصحاب النبي ﷺ ومنهم: زيد الذي كان في الكتبة الأولى في عهد أبي بكر  وكان في الكتبة الثانية ضمن أربعة، وزيد بن ثابت كان ممن شهد العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي ﷺ قبل موته، آخر عرضة شهدها، ولذلك اختير لكتابة الصحف في عهد أبي بكر باتفاق بين أبي بكرٍ، وعمر - ا - ومشهد من الصحابة - جميعًا - من غير نكير.

وكذلك أيضًا في زمن عثمان كان عن إجماعٍ منهم، فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ كانوا يحفظون، والحُفاظ كانوا كثيرا، ذكر جماعة منهم السيوطي في كتابه "الإتقان" وذكر ذلك آخرون، لو نظرتم في كتاب "الطبقات" لابن سعد، ذكر جماعة من الحُفاظ من أصحاب النبي ﷺ فهذه الروايات بأن هذا من لحن الكاتب كل هذا لا يصح، ولا يمكن أن يُقال في القرآن، ولا يتطرق إليه الخطأ، والله تولى حفظه، وإذا أشكل عليك موضع لم تدر جوابه مثل هذا أجبتكم عنه بأن هذه الروايات لا تصح، ولذلك لا نحتاج إلى الرد عليها من جهة المعنى أنه يقصد بذلك أن هذا اللحن بمعنى وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30] أنه وجه لكلام العرب كما يقول الزرقاني، لسنا بحاجة لهذا، الزرقاني أورد في كتابه أكثر من مائة شبهة، وحاول الرد عليها، وفي بعض ردوده ضعف، ومبنى بعض هذه الشبه أصلاً على حديث ضعيف، وكان يكفي أن يُقال: هذا لا يصح من جهة الرواية، بعيدًا عن التكلفات في هذه الردود، وهذه الروايات كلها التي يُقال عنها: بأنها من لحن الكُتَّاب - كُتَّاب المصحف - أوردتها في تهذيب "مناهل العرفان" ولم يخرج بعد، ذكرت فيه جميع هذه الأشياء، وهذه الروايات، لكن ليس بطريق الزرقاني بعرض الشبه، أزلت كل الشبه المائة هذه، فما كان فيه إشكال ضمَّنته في أثناء الكلام بطريقةٍ يفهم منها طالب العلم الرد لو عرضت عليه الشبهة من غير أن تُبرز الشبهة.

فعلى كل حال وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء:162] هذه قراءةٌ متواترة، وهؤلاء الجبال الحُفاظ من أهل الإتقان الذين ضبطوا ليس كما يُقال الفرش، والكلمات، ونحو ذلك، وإنما الأداء، الهمس، وحتى الحركات بالشفة، ونحو ذلك، الروم، وضبطوا مقادير المدود، يُمد هذا كذا حركة، ونصف - نصف حركة - والهمس، والإشمام، وأمور دقيقة في غاية الدقة ضبطوها ضبطًا دقيقًا، ثم يقع مثل هذا الخطأ في كلمة، ولحن من كاتب، هل القضية بهذه السهولة؟ أصحاب النبي ﷺ مع إتقانهم، وضبطهم، وحرصهم، ونصحهم يقع مثل هذا، ويمضي، ويبقى في كتاب الله الذي تعهد بحفظه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] تعهد بحفظه، أنزل الذكر، قال: إِنَّا للتوكيد.

فإذا أشكل عليك قاعدة، إذا أشكل عليك موضع، ولا تعرف جوابه، يعني جواب هذه الجزئية فارجع إلى الأصل الكبير، اعتصم به فلا تضل، ولا يقع عندك ريبٌ، وشك، الأصل الكبير ما هو هنا؟ أن الله تعهد بحفظ القرآن، وانتهى، تعهد بحفظه، فهذا لا يمكن أن يقع، هكذا قد يعرض لك شبهة في صحابي، هل الصحابة عدول، أو لا؟ ارجع إلى الأصل الكبير، إذا لم تعرف الجواب عن هذه فارجع إلى الأصل الكبير، تعديل الصحابة في القرآن مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] وكذلك وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] وكذلك لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:18].

وقوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر:9] فترجع إلى هذا الأصل الكبير، تعديل الصحابة في القرآن، الشبهة هذه لا تعرف الجواب عنها، بمعنى أن الإنسان لا يُعرِّض قلبه للشبهات، لا تقرأ في الشبه، ولا تسمع الشبه، لكن لو عرض لك شيء، ولم تعرف جوابه ارجع إلى الأصل الكبير، فهذا في غاية الأهمية ليكون عصمةً من الضلال، والانحراف، والشك وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة:41] - والله المستعان -.

يقول: "وفي مصحف ابن مسعود : والمقيمون على الأصل" لأن هذه القراءة التي ذكرها عن أبي عمرو بهذه الرواية - رواية يونس، وهارون - بالرفع فهذا لا إشكال فيه، والعلماء يجيبون عن هذا بأجوبة متعددة، منها ما سمعتم، وهناك أجوبة أخرى غير هذا، لكن القاعدة التي ذكرت: أن من شأن العرب إذا تطاولت صفة الواحد في مقام المدح، أو الذم، فإنها قد تقطع بالرفع تارةً، وبالنصب تارة، هذا من أساليب العرب في كلامهم، وجاء في أشعارهم.

  1. تفسير الطبري (9/395)، رقم: (10838).
  2. تفسير الطبري (9/397).