الجمعة 22 / شوّال / 1447 - 10 / أبريل 2026
ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ۝ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ [سورة غافر:79-81].

يقول تعالى ممتنًا على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويُحمل عليها الأثقال في الأسفار والرحال إلى البلاد النائية والأقطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها، فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة كما فصل وبين في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام وسورة النحل وغير ذلك.

قوله - تبارك وتعالى -: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ هنا خصه الحافظ ابن كثير  - رحمه الله - بهذه الأصناف الثلاثة الإبل والبقر والغنم؛ وذلك أن الله - تبارك وتعالى - كما في سورة الأنعام لما ذكر الأزواج الثلاثة ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [سورة الأنعام:143] ثم ذكر من البقر اثنين وذكر من الإبل اثنين، وذكر من الغنم بنوعيها الضأن والمعز، هذه هي الأنعام، وإذا قيل: بهيمة الأنعام فهي المقصود بذلك، وقال: وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا [سورة الأنعام:142]، وابن جرير - رحمه الله - حمله على ما هو أوسع من ذلك فجعله كقوله - تبارك وتعالى -: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [سورة النحل:8] إضافة إلى غيرها من الأنعام كالبقر والغنم، فجعل الأول داخلًا فيه الخيل والبغال والحمير، وأنها من قبيل المركوب، ولم يخص ذلك بما يؤكل لحمه أو بهذه الأصناف الثلاثة، "الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون" وأكثر المفسرين حملوا ذلك على الأصناف الثلاث وهو الذي مشى عليه الحافظ ابن كثير - رحمه الله -، و"مِن" في قوله - تبارك وتعالى -: لِتَرْكَبُوا مِنْهَا يحتمل أن تكون تبعيضية بمعنى أن الذي يركب منها هو الإبل، وعلى قول ابن جرير: الإبل والخيل والبغال والحمير، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ الذي يؤكل يكون مختصًا، ما يؤكل من هذه الأصناف على قول ابن جرير، فالحمير والبغال لا تؤكل بخلاف الخيل والإبل والبقر والغنم، ويحتمل أن تكون "مِن" ابتدائية أي منها ركوبكم، ومنها تأكلون، فالركوب مبتدَأ منها وكذلك الأكل، ويكون ذلك باعتبار المجموع، ولا يعني هذا أن كل واحد منها أو كل صنف منها يكون مركوبًا أو مأكولًا على قول ابن جرير بإدخال الحمير والبغال، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كالأصواف والأوبار ونحو ذلك، وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وهذه في الإبل، حيث يتوصلون بها إلى الأماكن البعيدة {إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} [سورة النحل:7]. 

ولذا قال هاهنا: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ.