الإثنين 18 / شوّال / 1447 - 06 / أبريل 2026
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[سورة الممتحنة:12].

روى البخاري عن عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية:يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ... إلى قوله:غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: "قد بايعتك كلامًا، والله ما مست يده يد امرأة في مبايعة قط، وما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك"[1]، هذا لفظ البخاري.

وروى الإمام أحمد عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله ﷺفي نساء نبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك به شيئًا الآية، وقال:وفيما استطعتنّ وأطقتنّ، قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا، قال:إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة[2]، هذا إسناده صحيح قد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.

وروى البخاري عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا: أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًاونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها قالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله ﷺ شيئًا، فانطلقت ورجعت فبايعها[3]، ورواه مسلم.

أسعدتني يعني ناحت في مناسبة سابقة في عزاء فتريد أن تكافئها، فعندهم وفاة فتقول: أريد أن أذهب وأنوح وأجيء وأبايع.

وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم -قرأ الآية التي أُخذت على النساء "إذا جاءك المؤمنات"-، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه[4]، أخرجاه في الصحيحين.

فقوله تعالى:يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ[الممتحنة: 12]، أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها على أن لا يشركن بالله شيئًا، ولا يسرقن أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرًا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها وإن كان من غير علمه عملاً بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينا من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنيَّ، فهل عليّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ:خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك[5] أخرجاه في الصحيحين.

وقوله تعالى:وَلَا يَزْنِينَكقوله تعالى:وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً[الإسراء:32]، وفي حديث سمرة ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم.

روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله ﷺفأخذ عليها أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَالآية، قال: فوضعت يدها على رأسها؛ حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذًَا، فبايعها بالآية[6].

يعني: هي مستكثرة، كيف يصدر هذا؟ كيف يتخيل؟ كيف يذكر؟ امرأة تبايع على أنها لا تزني؟ وهل يخطر في بال الحرة مثل هذا؟ فوضعت يدها على رأسها، يعني: كأنها تقول: يا لطيف، أي: مثل هذا أمر لا يتصور من الحرة، الله يصلح الحال.

وقوله تعالى:وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها لئلا تحبل، إما لغرض فاسد أو ما أشبهه.

تطرح نفسها، يعني: كأن تلقي نفسها من مكان مرتفع، أو نحو ذلك، تقفز، تقوم بأعمال فيها إرهاق شديد؛ من أجل أن يسقط الولد، فهنا ابن كثير يقول: يشمل الصورتين، قتله بعد الولادة، كما كانوا يفعلون في الوأد، وقتل الولد وهو جنين بممارسات، بأدوية وعقاقير تأخذها المرأة من أجل الإجهاض، إما لغرض فاسد، أو ما أشبهه، لا يريدون أولادًا كثيرين، يخافون من الفقر، أو لغير ذلك من العلل والأسباب الفاسدة، فقوله:وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّيشمل هذا وهذا، والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى:وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ[الممتحنة:12]، قال ابن عباس: يعني: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم، وكذا قال مقاتل.

قوله:وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّبعضهم يقول: الزنا، يفترينه بين أيديهن، لكن هذا فيه بعد -والله أعلم-، وبعضهم يقول:وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ، يعني: الولد أنه منه، أي أنها تنسب إليه ولدًا ليس له، والذي بين يديها وبين رجليها بطنها، فهذا يكون لأغراض، فتارة يمكن أن يحمل على المعنى السابق، وهو الزنا، فتزني فيكون الحمل من غير زوجها، ثم تدعي أنه لزوجها، وهذا قد يحصل أيضًا بغير المباشرة للزنا، كأن تكون المرأة ما يحصل لها حمل، فيمكن أن تأخذ من ماء رجل آخر، فالآن في بعض دول الكفر يوجد خزائن للحيوانات المنوية، بنوك تختار المرأة المواصفات التي تريد، هيئة الرجل وصفة الرجل، إلى آخره، من أجل أن يكون الولد بهذه الصفة، إما لأن زوجها لا ينجب، أو لأنها تريد صفات معينة، فتختار، فيكون تلقيح البويضة من غير مباشرة للزنا، فهذا من البهتان، فقد تذهب المرأة وتفعل هذا، وتوهم الزوج أنها قد حملت منه، وقد يكون بموافقته هو، هذا لا يجوز، ويدخل في هذا من الصوريَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّأن تنسب إليه ولدًا ليس له، باعتبار أنه يحصل تبديل بعد الولادة، كأن تكون هذه المرأة تنجب بنات، أو يتوعدها زوجها أنها إن أنجبت بنتًا أنه يطلقها أو أنها تريد أن تحظى عنده وأن تنجب ولدًا، فتتفق مع القابلة مع كثرة هذه الولادات في المستشفيات اليوم أنه إن كانت المولودة بنتًا أن تبدلها، والقضية لا تحتاج أكثر من أن تضع سوارًا في يد هذا المولود، وتكتب عليه هذه القابلة، فإذا أعطتها مالاً فقد تفعل ذلك من لا ذمة لها، فتأتي هذه المرأة، وتقول لزوجها: هذا ولدي أنجبت ذكرًا، فهذا داخل في البهتان،وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ.

وبعضهم يقول: الذي بين أيديهن وأرجلهن هي النفس، نفس الإنسان، يعني: تنسب ذلك إلى نفسها، والواقع أنه ليس كذلك، وقد ذكر العلماء في هذه الآية أقوالًا، من شاء فليطالع مثل تفسير القاسمي عند هذه الآية.

وقوله تعالى:وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ[الممتحنة: 12] يعني: فيما أمرتهن به من معروف ونهيتهن عن منكر، روى البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى:وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء[7].

وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله طاعة لنبيه إلا في المعروف، والمعروف الطاعة، وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في المعروف.

وروى ابن جرير عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشترط علينا رسول الله ﷺ من المعروف حين بايعناه أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم، ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان أم أنس بن مالك.

وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين عن أم عطية نسيبة الأنصارية -ا.

وروى ابن أبي حاتم عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيه في معروف، أن لا نخمش وجهًا، ولا ننشر شعرًا، ولا نشق جيبًا ولا ندعو ويلاً.

يعني: أنه فسر بالنياحة، واللفظ عاموَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍفهذا يشمل كل ما يدخل تحته من المعاني، ومن ذلك: أنه نهاهن عن النياحة، فالنياحة داخلة في هذا المعنى، فحمله على العموم يكون من قبيل عطف العام على الخاص، يعني: أنه هنا ذكر أشياء محددة معينة، التوحيد، والنهي عن أشياء من الجرائم، كالسرقة، والزنا، ونحو ذلك،وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ مما أمر به النبيﷺ مطلقًا سواء كان في هذه الأشياء المذكورة، أو في غيرها، فإن طاعته ﷺ واجبة.

والمعروف هنا يمكن أن يكون من قبيل الصفة الكاشفة؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يأمر إلا بمعروف، كما في قوله:وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ[الأنعام: 38] الطائر يطير بجناحيه، وقوله:يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم[آل عمران:167]، وقوله:فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ[البقرة:79]، وقوله:وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ[آل عمران:112]، ولا يكون قتل الأنبياء بحق.

فالذين فسروه بالنياحة هنا جماعة من السلف ابن عباس-ا- وابن زيد، وقتادة، وزيد بن أسلم، وأبو صالح، وأبو الجعد.

وهذه الروايات واضحة في هذا، لكن لا شك أنه داخل فيه، والمعنى بناء على ظاهر اللفظ أعم من ذلك.

  1. رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب  إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [سورة الممتحنة:10]، برقم (4891).
  2. رواه النسائي، كتاب البيعة، باب بيعة النساء، برقم (4181)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب بيعة النساء، برقم (2874)، وأحمد في المسند، برقم (27006)، وقال محققوه: "إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (529).
  3. رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ [سورة الممتحنة:12]، برقم (4892).
  4. رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، برقم (18)، ومسلم، كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، برقم (1709)، وأحمد في المسند، برقم (22678)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  5. رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند، برقم (1714).
  6. رواه أحمد في المسند، برقم (25175)، وقال محققوه: "حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين".
  7. رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب  إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ  [سورة الممتحنة:12]، برقم (4893).