الإثنين 18 / شوّال / 1447 - 06 / أبريل 2026
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا۟ مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْقُبُورِ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ[الممتحنة:13].

ينهى -تبارك وتعالى- عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة، كما نهى عنها في أولها، فقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: اليهود والنصارى، وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء؟ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ، أي: من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله .

وقوله تعالى:كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ، فيه قولان:

أحدهما: كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك؛ لأنهم لا يعتقدون بعثًا ولا نشورًا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه.

والقول الثاني: معناه كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير، قال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعودكَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه، وهذا قول ومجاهد، وعكرمة، ومقاتل، وابن زيد، والكلبي، ومنصور، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله.

آخر تفسير سورة الممتحنة، ولله الحمد والمنة.

قوله:لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ، هذه الجملة تحتمل المعنيين اللذيْن ذكرهما الحافظ ابن كثير -رحمه الله.

المعنى الأول: يئسوا من الآخرة كيأس الكفار الأحياء من أصحاب القبور أن يلتقوا بهم، أو أن يرجعوا إليهم ثانية، أن من مات فهذا هو المثوى الأخير في اعتقادهم، فلا التقاء بعد ذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث أصلاً، فالذين قالوا بهذا القول حملوه على هذا بهذا الاعتبار.

والمعنى الثاني:كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور يئسوا من الآخرة يأسًا كيأس أولئك الذين ماتوا وهم كفار، فعاينوا الحقائق، فعرفوا أنهم لا نصيب لهم عند الله، ويئسوا من ثوابه؛ لأنهم يرون مقاعدهم من النار، ويقول: ربي لا تقم الساعة، فهؤلاء الأحياء الكفار اليائسون من ثواب الآخرة، ومن العطاء، والنعيم في الآخرة قد يئسوا من الآخرة كيأس أولئك الذين ماتوا وعاينوا الحقائق، وعرفوا أنهم لا نصيب لهم عند الله  -تبارك وتعالى.

فهذان معنيان، الأول: قال به بعض السلف كقتادة والضحاك، والقول الثاني الذي رجحه ابن جرير قال به جماعة كمنصور، ومجاهد، وعكرمة، وابن زيد، يقولون: يئسوا من الآخرة كيأس المقبورين من ثواب الآخرة، يعني: أنه استوى اليائسان، كون الحي يصل به اليأس من ثواب الله من الآخرة، يعرف أنه لا نصيب له عند الله؛ لأنه يعرف الحق، فيكون بمنزلة ذاك الذي مات، وعاين الحقائق، ورأى مقعده من النار فهو يائس من ثواب الله في الآخرة، فهؤلاء الأحياء هم بهذه المثابة، وصل بهم الحال إلى أنهم قد تيقنوا أن لا نصيب لهم عند الله، توالونهم لماذا؟ بحيث كانوا بمنزلة من مات وشاهد الحقائق، هذا على القول الثاني الذي رجحه ابن جرير، ورَدّ القول الأول باعتبار أن جميع الناس المسلم والكافر قد يئسوا من رجوع الموتى إليهم، يقول: هذا لا يختص بالكافرين، قد يئسوا من الآخرة -يعني بناء على القول الأول- كما يئس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم.

ابن جرير يقول: هذا ليس فقط في الكفار، حتى المسلمين، لكن إذا قيدناه بهذا القيد أنهم قصدوا -أصحاب القول الأول- بذلك أنهم لا يلتقون بهم أبدًا، وليس المقصود لا يرجعون إليهم في الدنيا، أنه لا لقاء، لا لقيا بعد ذلك اليوم الذي تفارق فيه الروح الجسد، هذا نهاية المطاف، المثوى الأخير، إذا قيدناه بهذا القيد يكون اعتراض ابن جرير غير متجه، وكأن الأولين قصدوا هذا، إذًا يكون المعنى هكذا على القول الأول:لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما صفتهم؟قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِمن ثواب الله في الآخرة،كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ الأحياء من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم ثانية، أو أن يلتقوا بهم في يوم من الدهر.

كمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِالكفار الأحياء -هذا القول الأول- يئسوا من أصحاب القبور أن يلقوهم ثانية، لكن لو فهم على أنه كما يئس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم فهنا يقال: هذا لا يختص بالكفار أنهم يئسوا من الموتى أن يرجعوا،وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ[الأنبياء: 95]، فكل من مات لا يرجع، مسلم أو كافر، فالمسلمون يئسوا من الموتى المسلمين أن يرجعوا إلى الدنيا ثانية، لو كان أصحاب القول الأول يقصدون هذا فيتجه اعتراض ابن جرير، لكنهم -والله أعلم- لا يقصدون هذا، يقصدون أنه لا تلاقي.

المعنى الثاني: قد يئسوا من الآخرة، كيأس الكفار الموتى، لاحظ المعنى الأول: الكفار الأحياء، كيأس الأحياء هنا لا، يأس الكفار الموتى، فتكون مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ بيانية، كيأس موتى الكفار الذين في القبور من ثواب الله لما عاينوا من الحقائق.

القرآن يحتمل، حمّال، ذو وجوه، يعني: يحتمل هذا المعنى، ويحتمل هذا المعنى، لربما تقرأ هذه الآية، ولا يرد في بالك مثل هذه الأشياء، وبهذا تعرف لماذا يختلف العلماء.

أحيانًا اللفظ نفسه يحتمل هذه المعاني، فالعالم تكون أمامه معانٍ، فتجده يتوقف، ويتمهل، ويتريث، وعنده حسابات كثيرة واحتمالات، الجاهل يبادر إلى الجواب، ويغضب، لماذا يختلفون؟, والقرآن واحد، والسنة واحدة، لماذا هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا؟ لماذا هذا يفتي بكذا، وهذا يفتي بكذا؟ فهذا أحد الأسباب العائدة إلى النص.