الجمعة 15 / شوّال / 1447 - 03 / أبريل 2026
لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُمْ ۚ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

وقوله تعالى:لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي: قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد ولو كان قريبًا إلى نبي من الأنبياء، روى الإمام أحمد عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله: أين أبي؟ قال:في النار، فلما قفَّى دعاه فقال:إن أبي وأباك في النار[1] ورواه مسلم وأبو داود.

قوله -تبارك وتعالى-:لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ باعتبار سبب النزول أن حاطب إنما كتب ذلك من أجل قرابته، فهذا ليس بمبرر لهذا الفعل.

وقوله -تبارك وتعالى-:يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ فيه أربع قراءات متواترة، "يَفصِل بينكم"، و"يُفصَل بينكم"، و"يُفصِّل بينكم"، و"يُفصَّل بينكم" أربع قراءات يفصل بالبناء للمعلوم مخففة ومشددة، يفصل بالبناء للذي لم يسم فاعله مخففة ومشددة، وهنا في الوصل والوقف الآية تحتمل:لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِيمكن أن يكون الوقف هنا تامًّا، يعني لن ينفعوكم يوم القيامة، ثم قال: ما الذي يحصل يوم القيامة كأن سائلاً سأل، قال:يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يعني كل أحد يوم القيامة مشغول بنفسه،كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ۝ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ[سورة المدثر:38-39] الآيات، ويحتمل هنا أن يكون لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ، فيكون يوم القيامة ظرفًا للفصل بينهم، وكلاهما صحيح، هي لن تنفع يوم القيامة، والنبي ﷺ أخبر أن كل نسب وسبب فهو مقطوع يوم القيامة، يعني غير الإيمان والعمل الصالح "إلا نسبي وسببي" أو كما قال ﷺ[2]، والله يقول:يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ[سورة عبس:34-36]، الآيات، فهذه لا تنفع يوم القيامة، وكذلك يوم القيامة يُفصل بين هؤلاء يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ.

 

  1. رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين، برقم (203)، وأبو داود، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين، برقم (4718).
  2. رواه البيهقي في السنن الكبرى، برقم (13174)، عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله ﷺ: ينقطع كل نسب إلا نسبي وسببي وصهري ، والحاكم في المستدرك، برقم (4684)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (4564)، وقال في سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/58): "وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح، والله أعلم".