قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[سورة الممتحنة:4-6].
يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم:قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه.
الأسوة كالقدوة وهي الحالة التي يكون عليها الغير حسنة كانت أو سيئة، أسوة قال: أسوة حسنة وأسوة سيئة، فهي كالقدوة، فالأسوة اتباع الغير على الحالة التي هو فيها أو الحالة التي هو عليها حسنة كانت أو سيئة،قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ فهنا قدوة حسنة، لكن الأسوة تأتي لهذا وهذا، اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها أيًّا كان هذا الاتساء: أسوة، قدوة، هناقَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إبراهيم ﷺ هاجر من قومه وما آمن به أحد منهم،وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي[سورة العنكبوت:26]، والله قال:فَآمَنَ لَهُ لُوطٌوهو ابن أخيه، فالذين معه من هم؟ لم يؤمن قومه فهل يقال: لوط ﷺ وزوجته؟ يحتمل، ومن نظر إلى أن قومه لم يؤمنوا وأنه هاجر من بلده، وهجر قومه، وتبرأ منهم قالوا:وَالَّذِينَ مَعَهُهم الأنبياء الذين كانوا قبله فهم معه على الطريق بهذا الاعتبار، يعني هذا الذي حمل طائفة من أهل العلم على تفسير هذا الموضع وَالَّذِينَ مَعَهُقالوا: الأنبياء باعتبار أنه لم يؤمن قومه به فمن الذين معه؟ وبعض أهل العلم قال: إن الذين معه هم من آمن به بعد ذلك، ويدخل في هؤلاء، أيضًا لوط ﷺ وزوجته، ومن آمن به بعد ذلك في مهاجره كان موقفهم كموقفه، أنهم تبرءوا من أعداء الله -تبارك وتعالى-، هذا توجيه لهذه الأقوال، الآن هذه الأسوة أسوة في ماذا في هذا المقام فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِهنا الأسوة في ثلاثة أمور بهذه المقام:
الأول: البراءة منهم إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تبرءوا منهم ومن عبادتهم أو معبوداتهم.
الأمر الثاني: الكفر بهم كَفَرْنَا بِكُمْ.
الأمر الثالث: أنهم أظهروا لهم العداوة، أظهروا لهم ذلك،إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ هذا واضح، {ومما تعبدون من دون الله} هذا واضح،كَفَرْنَا بِكُمْالكفر لا يتعلق بالذوات، والأحكام لا تتعلق بالذوات، يعني في قوله تعالى مثلاً:حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ[سورة النساء:23]، ليس المقصود ذات الأم، وإنما نكاح أمهاتكم، أو الاستمتاع بأمهاتكم، الآيات في النكاح الآية في الزواجحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْمحرمات في النكاح، فهنا فيه مقدر حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أي: نكاح أمهاتكم، لكن في غير القرآن لو قيل:حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ في الاستمتاع، جميع صور الاستمتاع، لكن في الآية هنا النكاح،حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ يعني نكاح أخواتكم، فالأحكام لا تتعلق بالذوات، "حرمت عليكم الميتة" يعني أكل الميتة، الأحكام لا تتعلق بالذوات، فهنا "كفرنا بكم" يعني بدينكم، هذا معناه والله -تبارك وتعالى- أعلم، كَفَرْنَا بِكُمْ بما آمنتم به من الأوثان، أو كفرنا بأفعالكم، وما يصدر عنكم من الأباطيل، فهذا أعم من الذي قبله، هنا يقول: أي: بدينكم وطريقتكم.
وقوله:وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا أي: ظهر، هنا قالوا لهم هذا الكلام فهل من شرط إظهار الدين والبراءة من المشركين أن يبدي لهم العداوة أو لا؟ بعض العلماء يقول: إن إظهار الدين يتوقف على هذا، لابدّ منه، أن يقول لهم: أنتم أعدائي، وبعضهم يجعل الشروط في السفر إلى بلاد الكفر تحت القدرة على إظهار الدين، يقولون: إن مقتضى الإظهار أن يقول لهم: أنتم أعدائي وأنا عدوكم، هكذا قال بعض العلماء، والأقرب أنه ليس بشرط، وليس بلازم في البراءة من المشركين أن يعلمهم بهذا ويقول لهم ذلك، وإنما لا يواليهم بحال من الأحوال، هذا هو القدر الواجب، لكن الله يقول:قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ المقصود هو البراءة فهل المراد أن يقول لهم ذلك بلسانه، ليس بالضرورة، قد لا يقتضيه المقام، وقد لا تكون المصلحة فيه، قد يحصل عليه ضرر، وإنما يكفي في إظهار الدين في شرط السفر إلى بلاد المشركين أن يقال: إن المرأة تلبس حجابها كاملاً كما تلبس هنا، فإذا كانت تريد أن تغير، أن تستخفي، تنزع الحجاب بالكلية أو تغير بالحجاب بصور معينة تقول: ألبس ثوبًا واسعًا وأضع شيئًا على شعري ونحو هذا نقول: لا، هذا أول الضعف والهزيمة، مثلكم لا يصلح للسفر إلى بلاد المشركين، أنتم غير مؤهلين لهذا، تجد أول ما يطير بالطائرة، الطائرة تطير ساعات، أربع عشرة ساعة أحيانًا من صلاة الفجر تأتي وتنظر في هذه الأمّة في هذه الطائرة أكثر من ثلاثمائة شخص تقوم وتؤذن وتصلي قد لا يقوم معك ويصلي إلا اثنان أو ثلاثة، الوقت يخرج وهؤلاء في عاشر نومه، لهم غطيط، تُطفأ الأنوار وينامون وصلاة الفجر الشمس تطلع هنا ما يصلون، ما أدري يجمعونها مع العشاء أو أنهم لا يصلون أصلاً، هذا كثير بل ينظرون إليك باستغراب أنك تقوم وتؤذن، هم ما يجترئون أن يصلوا ولو على المقاعد، هذه هزيمة هؤلاء يسافرون؟ هذا غير التي تطوي عباءتها وتضعها في الحقيبة منذ أن تركب في الطائرة، هؤلاء لا يجوز أن يسافروا إلى بلاد الكفار ولا البلاد التي يظهر فيها الفسق والفجور.
فأقول: المحافظة على الحجاب هذا إظهار الدين، إذا جاء وقت الصلاة أذنَ وصلَّى في المطار في أي مكان، هذا الذي يظهر دينه، أما إذا كان يقول: لا، والله أنا أحرج، إحراج، لا أستطيع أن أصلي في المطار، أنا أحرج لا أستطيع أن أصلي في الجامعة، أنا لا أستطيع أن أصلي في الأماكن العامة، أريد أن أجمع الصلوات فإذا رجع بالليل صلى صلوات الظهر والعصر والمغرب، هذا لا يجوز أن يسافر، هذا ضعيف، فإظهار الدين أنه يقوم ويعتز بدينه وإيمانه ويؤذن ويصلي، والمرأة بحجابها الكامل، وتعتز بهذا، لكنها الهزيمة والضعف والخور، هذا الذي يذهب بهذه النفس هذا يكون عرضة لكل آسر وكاسر، ممكن أن يرتد، ممكن أن يتخلى عن إيمانه ودينه، ممكن أن يفعل أي شيء، أما التشبه بهم فحدث ولا حرج للأسف، وما رأيناهم إذا جاءوا إلى بلادنا أو وهم في بلادهم يتذوقون طعامنا ويستحلونه ويلبسون لباسنا ويتزينون بزينا إطلاقًا، ولا يسألون عن هذا ولا يرفعون به رأسًا، رأيتم هذا؟ هؤلاء إذا جاءوا يلبسون الشماغ والثوب وحريمهم تلبس الحجاب؟ أبدًا، فما بالنا نحن إذا ذهبنا نذهب مهزومين؟!.
إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ أي: تبرأنا منكم،وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ أي: بدينكم وطريقكم،وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم، فنحن أبدا نتبرأ منكم، ونبغضكم حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأنداد والأوثان.
وقوله تعالى:إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَأي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ[سورة التوبة:114]، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل الله :مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ[سورة التوبة:113-114].
هنا قوله:إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ يقول ابن كثير: فيه أسوة إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، هذا باعتبار أن الاستثناء متصل، والاستثناء المتصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، يعني لقد كان لكم فيهم أسوة في كل شيء إلا في شيء واحد وهو استغفار إبراهيم لأبيه، بهذا الاعتبار يكون متصلاً، أسوة في كل شيء إلا في شيء واحد وهو استغفار إبراهيم لأبيه، فهذا لا يجوز لكم الاتساء به فيه كما سيأتي.
وعلى هذا أنه أسوة إلا في شيء واحد، يعني أسوة فيها استثناء، والله لما ذكر في سورة الأحزاب الاتساء بالنبي ﷺ قال:لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[سورة الأحزاب:21] فما استثنى شيئًا، فأخذ منه بعض أهل العلم بهذا الاعتبار تفضيل النبي صلى ﷺ، والأدلة على تفضيل النبي ﷺ معروفة أنا سيد ولد آدم[1]، والشفاعة العظمى، وغير ذلك، لكن هذا أحد الأدلة في أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ، أن الله لما ذكر الاتساء بإبراهيم استثنى منه، ولما ذكر الاتساء بالنبي ﷺ لم يستثنِ، هذا على أحد الاعتبارين أن الاستثناء متصل، أسوة إلا في كذا، يعني إلا في استغفاره؛ لأنه كان عن موعدة وعدها إياه، أو في أن إبراهيم ﷺ هجر قومه إلا في الاستغفار، هذا باعتبار أن الاستثناء متصل، ويحتمل أن يكون الاستثناء منفصلاً فيكون بمعنى لكن،قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، لكن قوله لأبيه لأستغفرن لك كان عن موعدة، يكون بمعنى لكن، يعني تكون الأسوة كاملة، وهنا تكون إلا بمعنى لكن، يعني يبين لهم أمرًا خفي عليهم، ما يكون من قبيل الاستثناء المتصل، وعلى هذا فيكون القول السابق بالاستدلال بهذه الآية على تفضيل النبي ﷺعلى إبراهيم ﷺ ما يتأتى على القول بأن الاستثناء منقطع، وإن كان النبي ﷺ أفضل من إبراهيم بأدلة أخرى، رأيتم كيف أن الأدلة يمكن أن يستدل بها على أمر على أحد الاحتمالين على أحد المعنيين، وهذا كثير، على كل حال قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرن لك إنما جرى لأنه ظن أنه يسلم،فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ[سورة التوبة:114] أنه يموت على الكفر تَبَرَّأَ مِنْهُ، وهنا لم يبين سبب هذا الاستثناء، وهل هو خاص بإبراهيم ﷺ أو لا، ولكن الله -تبارك وتعالى- بين ذلك في مواضع أخرى، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ هذا يبين السبب لماذا استغفر إبراهيم لأبيه؛ لأنه وعده لما قال:أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي[سورة مريم:46-47] فهذا وعد بالاستغفار، فهذه هي الموعدة التي أشار الله إليها، وقال الله :مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ[سورة التوبة:113]، فبيّن أن القضية لا تختص بإبراهيم ﷺ، ونوح ﷺ عندما قال:رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ[سورة هود:45-46]، ثم بعد ذلك نوح ﷺ استعاذ بالله من أن يسأله ما ليس له به علم:قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ[سورة هود:47]، هذا نوح ﷺ ونوح ولوط في أزواجهما كما قال الله :ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا[سورة التحريم:10]، فالبراءة من المشركين ليست خاصة بإبراهيم ﷺ، وإنما هي عامة، يجب أن يتبرأ منهم ولو كانوا أقرب قريب، وهنا على القول بأن الاستثناء منقطع احتج به الصحابة باستغفار إبراهيم ﷺ لأبيه وقالوا: استغفر إبراهيم لأبيه لنستغفرن لآبائنا الذين ماتوا على الشرك، فأنزل الله:مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى هذا أحد أسباب النزول الصحيحة الواردة في هذه الآية:مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ، وكذلك نزلت في استغفار النبي ﷺ لعمه أبي طالب، فنهاهم الله عن ذلك، وكذلك النبي ﷺ لما مر بقبر أمه بطريقه إلى مكة ونزل عند القبر طويلاً، وأخبر أصحابه أنه استأذن ربه في أن يزور قبرها فأذن له، واستأذنه في أن يستغفر لها فلم يأذن له[2]، فالاستغفار للمشركين لا يجوز بحال من الأحوال، ومن الآية يؤخذ هنا مسألة: شرع من قبلنا فكون الصحابة احتجوا بفعل إبراهيم ﷺ ثم نهاهم الله عن ذلك، من أهل العلم من يقول: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا النهي عنه، يعني أنه نسخ في شرعنا، وبعضهم يقول: شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا ما جاء في شرعنا ما يقرره، فإذا جاء في شرعنا ما يقرره انتهى، معناه أنه ليس بشرع لنا، إنما نعمل بمقتضى ما جاء في شرعنا، فيؤخذ من الآية أن وشائج القربى لا تنفع مع اختلاف الدين لا أب ولا ابن ولا قريب، وأن الرابطة المعتبرة هي رابطة الإيمان وليست رابطة القرابة والعشيرة.
ثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم فلجئوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا:رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك،وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: المعاد في الدار الآخرة.
رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا يحتمل أن يكون هذا متصلاً بما قبل الاستثناء، وأنه من جملة الأسوة الحسنة يعني الله -تبارك وتعالى- يقول:قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ،رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ يعني هذا من جملة الأسوة، فاستثنى في ثنايا ذلك استغفار إبراهيم ﷺ لأبيه، فيكون هذا من جملة كلام إبراهيم ﷺ والذين معه، في جملة ما قالوا رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أن هذا من قولهم، فيكون من قبيل الكلام المتصل الذي يرتبط بما قبله، يعني من قول قائل واحد، ويحتمل أن يكون من الموصول لفظًا المفصول معنى، يعني أن يكون هذا من كلام الله تعليمًا لعباده المؤمنين كيف يقولون، لأنه يُتوقع إذا فاصلوا قومهم وحصلت البراءة منهم أن يكون ذلك لربما سببًا لمحاربتهم، أو يكون ذلك سببًا لوحشة تقع في قلوبهم، لربما يقع في وهمهم أو في وهم بعضهم أنهم ينفردون بأمورهم وحاجاتهم، ومواجهة الحياة، وتكاليف الحياة وما إلى ذلك، وليس لهم أعوان ولا ناصر بعد الله ، قاطعوا الأهل والعشيرة، والناس كانت حياتهم في السابق العشيرة هي التي تحمي الرجل، والقبيلة ونحو ذلك، فسيبقون بعيدًا عن أهلهم وقراباتهم وعشيرتهم فيكونون لربما عرضة للمخاوف والأخطار كما أنهم أيضًا عرضة لأذى هؤلاء ولابدّ فعلّمهم كيف يقولون،رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَارجعنا إليك،وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ مصيرنا إليك، فنواصي الخلق بيده-تبارك وتعالى-، فيفوضون أمرهم إليه، ويتكلون عليه ويثقون به فهو ناصرهم، وأزمّة الأمور بيده -تبارك وتعالى.
هذا يحتمل أن يكون من قبيل التعليم من الله رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، ويمكن أن يكون من جملة كلامهم وما قالوه لقومهم.
- رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺعلى جميع الخلائق، برقم (2278).
- رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه، برقم (976).