رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا[سورة الممتحنة:5]، قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه، واختاره ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
فقوله -تبارك وتعالى-:رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا قول مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك.
هذان قولان كما ترون وذلك أن هذه اللفظة "فتنة" هي مصدر، والمصدر يأتي بمعنى الفاعل، وبمعنى المفعول، فقوله:رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، أي: لا تجعلنا فاتنين، وعلى هذا يتخرج قول مجاهد، والضحاك، لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.
لا تجعلنا فاتنين، يعني: لا تسلطهم علينا، فيكون ذلك فتنة لهم فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما صاروا بهذه المثابة من الضعف والمهانة، تحت قهرنا وسلطتنا، هذا معنى، وهو معنى صحيح، يعني: لا تجعلنا فاتنين لهم، واضح المعنى؟ هذا بمعنى فاعل، فاتن، كيف نكون فاتنين لهم؟ حينما نكون بحالة سيئة -تحت قهرهم وتسلطهم- من الضعف والمهانة والعجز، كما هو حال الأمة اليوم، فيقول هؤلاء: لو كان هؤلاء على الحق لما صاروا بهذه المثابة، من المحيط غربًا إلى حدود الصين هذه هي الأمة التي تسمى بالعالم الثالث، والعالم الصناعي عن يمينهم وشمالهم، بمجرد ما تتعدى هذا الحد يمينًا وشمالاً يأتيك العالم الذي يسمونه العالم الصناعي، والعالم الأول، والفقر والحروب والجهل والعلل والأمراض والتخلف كله في بحر هذا العالم الذي يسمونه بالعالم الإسلامي.
فهذا المعنى الأول، ويدخل فيه أيضًا كل ما يصدر عنا، مما يكون فتنة لغيرنا، ويحول ذلك بينهم وبين الدخول في الإسلام، بسوء الحال، وسوء العمل، وسوء التطبيق، وسوء الامتثال، بما يرونه من الفرقة والاختلاف، بما يرونه من الفجور الذي للأسف يكون من أبناء المسلمين، لاسيما أولئك الذين يأتون إلى بلادهم، فيرون منهم من الفجور ما لا يرونه في أنفسهم.
يقولون: أين الحق الذي معهم؟، وقل مثل ذلك فيما يفعله المسلمون من ألوان الحيل والكذب مما يُحتاج معه إلى سن قوانين جديدة في بلادهم، ويعللون بهذا أنهم ابتلوا بهؤلاء من المسلمين الذين يحتالون بشتى الحيل، فهذه حال بائسة.
المعنى الثاني: وهو الذي يتخرج عليه قول قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك، يعني لا تسلطهم علينا فنُفتن في ديننا، يفتنوننا في ديننا، يقهروننا، ويكون تسلطهم هذا سببًا لفتن المسلم في دينه، وهذا واضح، أنهم إذا تسلطوا على المسلمين نحَّوْا شرع الله، وعملوا على كل ما يؤدي إلى إبعاد المسلمين عن دينهم، فهذا هو الحال الواقع دائمًا إذا غلب الكفار على المسلمين.
القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة،رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًأي: فاتنين،رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً، أي: مفتونين لهؤلاء الكفار، وإذا كان هذا مما يدعو به أهل الإيمان مما علمهم الله -تبارك وتعالى- فإن ذلك يتوجه أيضًا إلى حالهم مع أهل الإيمان، يعني: إذا كان رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا فكذلك للذين آمنوا، من باب أولى، لا تجعلنا فتنة للمؤمنين، ليس معناه لا تسلطهم علينا على هذا الاعتبار، وإن كانت الآية ليست في فتن المؤمنين لكن يقال من باب أولى، يعني: لا تجعلنا فتنة لأهل الإيمان، بسوء حالنا، بسوء تصرفنا، بسوء فعالنا، لاسيما من يُنتظر منه الإحسان، أو من يكون بمنزلة يقتدي به الناس، كالعالم، والقاضي، والذي يعلم الناس، وما إلى ذلك، فهذا الذي يكون في محل القدوة، فيرون منه حالاً أخرى غير الحالة التي يتعلمونها ويقرؤونها، فيكون ذلك سببًا لفتنهم عن دينهم، ويقولون: انظروا هؤلاء الذين ينسبون إلى العلم، أو ينسبون إلى التعليم، أو نحو ذلك، يدرِّس العلوم الشرعية وهو حليق، ومسبل، ولربما يدخن، وحالة سيئة، هؤلاء التلاميذ، فما ظنكم بغيرهم؟! سيكون فتنة لهم.
وهكذا حينما يكون الناس -نسأل الله العافية- في حال من التنابذ، والتفرق، والاختلاف، وتبادل التهم فيما بينهم، ونحو ذلك، كما هو الحال في مشارق الأرض ومغاربها، فهؤلاء الذين يثق الناس بهم ويعطونهم أصواتًا في الانتخابات، وما إلى ذلك، ثم بعد ذلك يفاجئون أنهم في غاية التناحر والاختلاف، وأنهم لربما يصل الأمر بهم إلى تحويل هذا الاختلاف ليكون على الملأ في القنوات الفضائية، ويشاهده الملايين، يراه العدو والصديق، فالناس سيفتنون، ويقولون: هؤلاء الذين كنا نثق بهم، ونحسن الظن بهم هذه حالهم.
فإذا رأوا أيضًا منهم تصرفات غير لائقة، من سوء التطبيق، وسوء العمل، وسوء الامتثال فهذا يزيدهم فتنة، الناس سيكرهون الدين، ويكرهون هؤلاء.
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا، هذا ظاهره أنه من جملة كلامهم، من جملة دعائهم، ويحتمل أن يكون من تعليم الله لأهل الإيمان، كيف يقولون، أمرهم بالتأسي بإبراهيم ﷺ ومن معه، ونهاهم عن موالاة المشركين، وبين لهم خطر ذلك، وذكر لهم هذه الأسوة، قال:رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوابحيث يقولون: انظروا هؤلاء لو كانوا يثقون بما عندهم من حق لما كاتبونا في حال كهذه، مما يعد من قبيل الخيانة العظمى، لو كان هؤلاء يثقون بما عندهم، وأنهم على حق، لما حصلت هذه المكاتبة سرًّا، وهذا يدل على أن القناعات ضعيفة.
مع أن الأمر ليس كذلك، فحاطب اعتذر بعذره، وقبله رسول الله ﷺ على كل حال، لكن هم سيقولون: لو كان هؤلاء على قناعة حقيقية لما صاروا يكاتبوننا سرًّا، والله المستعان.
هذا يمكن أن يتخرج على أنه لا يخلو الإنسان من حال من التقصير، مهما بذل، ومهما اجتهد، وقد يجتهد ويخطئ، وقد يتأول، فيكون بعض تصرفه سببًا لفتنة، والناس قد لا يعرفون خلفيات هذه التصرفات، وما وراءها، فيكون فتنة للناس،وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
فانظر لمثل هذه التربية القرآنية، يعلمهم ويربيهم ويذكر لهم الأسوة والقدوة، بعدما ينهاهم عن موالاة المشركين، ويبين لهم مخاطر الإقدام على عمل كهذا، ثم بعد ذلك لا يخلو الإنسان مهما بذل ومهما اجتهد من تأول، أو تقصير، أو ذهول، أو تفريط، فيسأل ربه أن يغفر له.
ولاحظ هنا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين، يعني: لم يقل: واغفر لنا ربنا إنك أنت الغفور الرحيم، نحن عرفنا أنه في حال الدعاء يدعو بكل مقام بما يناسبه من الأسماء الحسنى، فقد يقول قائل: إن المتبادر هنا أن يقول: اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، يا غفور اغفر لي،وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[سورة الأعراف:180]، لكنه قال: إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مقتضى الدعاء ما هو؟
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا قلنا: بمعنى لا تسلطهم علينا فيُفْتَنوا، أو لا تسلطهم علينا فيَفْتِنوا أهل الإيمان، والذي بيده القوة والقدرة على أن يحول بين الكفار والتسلط على المسلمين من هو؟
هو العزيز الحكيم، فالعزة تكون من مجموع أوصاف من القوة القدرة، والقهر والغلبة، فيكون عزيزًا، والحكيم هو الذي يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها، فهذان الاسمان في غاية المناسبة هنا بناء على مقتضى هذا الدعاء، فالذي يملك أن يحول بين الكفار والتسلط على المسلمين هو العزيز الحكيم.