يعني:لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وقبل ذلك الله -تبارك وتعالى- يقول:قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ...[سورة الممتحنة:4]، فهذا التكرار كما قال ابن كثير: كرره مبالغة في الاتساء، للتحريض على هذا الاتساء، ولتأكيده.
"لقد"، تدل على القسم، موطئة له، فهنا قسم مقدر محذوف، كأنه يقول: والله لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة، وعرفنا ما معنى الأسوة.
قوله:لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ...بعضهم يقول: هذا بدل اشتمال، وبعضهم يقول: هذا بدل بعض من كل، بدل من الكاف،لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ...، يعني: البدل إما أن يكون بدل كل من كل، تقول: جاء أبو حفص عمر، فعمر هو أبو حفص، وإما أن يكون بدل بعض من كل، تقول: أعجبني زيدٌ وجهُه، فالوجه بعض، أو بدل اشتمال بمعنى: خَلّة، صفة، تقول: أعجبني زيد علمه، أعجبني زيد خُلقه، فهذا بدل اشتمال.
فهنا يحتمل،لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ...، فهذه صفة، من كان يرجو الله، وهي صفة معنوية، فهي بهذا الاعتبار بدل اشتمال.
ويحتمل أن يكون بدل بعض من كل، باعتبار أن هذا يكون أسوة ليس للجميع، وإنما لمن كان متحققًا بهذه الصفة، فإذا قلت: إن كل المؤمنين يرجون الله واليوم الآخر فهي بدل اشتمال، وإذا قلت: لا؛ لأن بعض هؤلاء قد يكون يريد الدنيا -مثلاً- فتقول: هي بدل بعض من كل، أو قلت: إن هذا المجموع المخاطب يدخل فيهم أهل النفاق –مثلاً- فتكون بدل بعض من كل.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ...قيدت الأسوة بالحسنة، قلنا: لأن الأسوة تأتي بمعنى القدوة أيًّا كانت، حسنة أو سيئة،لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ... يعني: ليس لأصحاب ما يسمى بالعقل المعيشي، فإن أصحاب العقل المعيشي يسلكون الأحوال بحسب مقتضي تلك العقول التي هي من هذه الصفة، كما قال الله -تبارك وتعالى-:فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ[سورة المائدة:52]، يعني: في موالاتهم واتخاذ اليد عندهم،يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ، فهذا لا يتصور من أهل الإيمان؛ ولهذا قال الله تعالى:وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ [سورة المائدة:53]، هذا يدل على أنهم ليسوا من أهل الإيمان، هؤلاء من المنافقين.
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌالمرض هنا هو مرض النفاق، وهو غير الذي في سورة الأحزاب،فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ[سورة الأحزاب:32] وهو الميل المحرم إلى النساء.
فأصحاب العقل المعيشي بزعمهم أنهم يريدون أن يتخذوا خط رجعة، فتبقى الحبال بينهم وبين أعداء الله لا يقطعونها، لا يصرمونها؛ لأنهم قد يحتاجون في زعمهم إليهم في يوم من الدهر،نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌيخافون من هؤلاء الأعداء أن تكون الغلبة لهم، فتكون هناك علاقات، وروابط وأيدٍ سابقة، تكون سببًا لاستبقائهم، هذا اسمه عقل معيشي، هذا العقل المعيشي يوجد على صور عليا كهذه، وهو منبئ عن تعلق بالدنيا، وقلة ثقة بما عند الله وإعراض عن الآخرة، ويكون في مثل هذه الحالات في قضايا الأمة الكبرى، ويكون فيما دون ذلك، وكلٌّ بحسبه.
البلاد التي يضطهد فيها أهل الإيمان، ومن ظهر عليه الاستقامة، المرأة التي تتحجب، الشاب الذي يطلق لحيته، ففي مصر-مثلاً- قبل أن يزيل الله الغمة، ويهلك هؤلاء من المجرمين، كان الشاب إذا أطلق لحيته، أو المرأة إذا لبست الحجاب لا يؤذى هو فقط، بل يؤذى قراباته، فالأسرة إذا فيها امرأة تحجبت فمعنى ذلك أن إخوتها بل أبناء العم يؤذون، هذا الشاب مهما كان متفوقًا لا يكون معيدًا –مثلاً- في الجامعة، إذا كان أستاذًا متميزًا لا يكون رئيس قسم فضلاً عن أن يكون عميدًا؛ لأن ابنة عمه محجبة، ومن ثمّ إخوتها لا يمكن أن يدخل الواحد منهم في الشرطة -مثلاً- وإن كان يعمل فيها لا يمكن أن يترقى؛ لأن أخاه قد أطلق لحيته، فتجد بعض ضعاف النفوس يقول: لا حاجة للاستقامة على أمر الله، ولا طاعة الله، أهم شيء أكل العيش.
فهذا عقل معيشي، يعني: يقدم الدنيا على الآخرة، وهكذا قد تجد الرجل لا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، ولا ينصح، ولا يقدم، ولا يبذل، ولا ينفع، ولا يكون به نفع إطلاقًا، وقد يكون عنده من العلم الشيء الكثير، هو بزعمه يقول لنفسه:
| قد هيّئوكَ لأمرٍ لو فطنتَ لهُ | فاربأ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ |
يعني: يهيئ نفسه ليكون له ولاية، يكون له شيء، يكون له المستقبل، بحيث لا يكون في تاريخه أبدًا أنه أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو أزعج أحدًا، أو نصح أحدًا، مثل هذا صاحب عقل معيشي، ولو كان من المشتغلين بالعلم.
هذا كثير في القرآن فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ[سورةالتغابن:6]،وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[سورة آل عمران:97] وهكذاوَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[سورةالعنكبوت:6] يعني: ليس بحاجة إلى مجاهدته ولا إلى عمله ولا إلى طاعته ولا شيء من ذلك، وفي الحديث:لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا[1].
فهو محمود في غناه، وكما سبق من أن هذه الأسماء الحسنى كل اسم متضمن لصفة، فإذا اقترن اسمان ظهر وصف ثالث، فالله غني والغِنى معروف، وحميد من الحمد، واقتران الاسمين أي: أنه محمود في غناه، بمعنى أن الغنى كثيرًا ما يحمل على الطغيان كما قال الله :كَلَّا إِنَّ الْإِنسَان َلَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى[سورةالعلق:6-7] فإذا وجد الحمد مع الغنى فهذا هو الكمال من اجتماع الأمرين.
- رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2577).