الجمعة 15 / شوّال / 1447 - 03 / أبريل 2026
عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ۝ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[سورةالممتحنة:7-9].

يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين:عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً أي: محبة بعد البَغضة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة، وَاللَّهُ قَدِيرٌ أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة، والمتباينة، والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة، فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنًّا على الأنصار:وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا[سورة آل عمران:103] الآية.

هنا عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً عسى -كما هو معروف- من الله واجبة، يعني إذا كانت من قول الله وكلامه، هو الذي يعد بذلك، هو الذي يخاطب بذلك، وقال في كلامه عسى أن نفعل كذا، عسى أن يكون كذا، يقولون: هي من الله واجبة، واجبة يعني متحققة الوقوع، هذا جاء عن ابن عباس -ا- وغيره، وذلك يقولون مخرج على ما كانت تعهده العرب في كلامها ومخاطباتها، فإن العظيم منهم يخرج كلامه هذا بهذه الصفة، يعني حينما يريد أن يعد يقول: عسى أن نفعل لك ذلك، عسى أن يتحقق لك ما أردت، فيكون ذلك وعدًا جازمًا، ومعلوم أن عسى بمعنى الترجي، لكن هذا لا يكون من الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الترجي إنما يكون ممن لا يعلم العواقب، تقول: عسى أن يقدم زيد، عسى أن ينزل المطر، أما الله فهو عالم بما كان وما يكون، ومن ثم قالوا: إن عسى من الله واجبة، عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وهذا حصل، فأبو سفيان الذين كان يقود جيوش المشركين تحول إلى الإيمان، وصار يجاهد في سبيل الله، وهو أول من قاتل أهل الردة، فقد كان قافلاً من اليمن، وتوفي النبي ﷺ وهو في الطريق، فارتد بعض العرب فلقي ذا الخمار مرتدًا عن الإسلام فقاتله، فكان أول من قاتل أهل الردة هو أبو سفيان - وأرضاه-،عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً بمعنى أنهم يتحولون إلى الإيمان فتتحول العداوة إلى مودة؛ لأن هذه العداوة إنما هي بسبب الكفر، هذا هو الراجح من أقوال المفسرين، والحافظ ابن كثير-رحمه الله- في الأصل نقل قول مقاتل من أن ذلك نزل في أبي سفيان عندما تزوج النبي ﷺ ابنته أم حبيبة فانكسرت حدة العداوة بهذه المصاهرة، ابن كثير عندما أورد هذا اعترضه بأن النبي ﷺ تزوجها قبل الفتح، وأبو سفيان أسلم ليلة الفتح، ثم ذكر ابن كثير -رحمه الله- ما يرى أنه أحسن من هذا، وهو ما جاء عن الزهري أن النبي ﷺ استعمل أبا سفيان على بعض اليمن، وحصل منه قتال أهل الردة، وابن شهاب يقول: وهو ممن أنزل الله فيه عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ابن شهاب يعني يفسر الآية بهذا، لا يذكر سبب النزول، يقول: وهو ممن أنزل الله فيه، وهذه الرواية توضح أن هذه العبارة ليست صريحة في سبب النزول فهو يقول: فهو ممن أنزل الله فيه هذه الآية، وذكرت ذلك؛ لأنه يتكرر في كثير من كتب التفسير من أن ذلك بتزوج النبي ﷺ بأم حبيبة، لكن يشكل على هذا أيضًا ما جاء عن ابن عباس في صحيح مسلم أن أبا سفيان عرض على النبي ﷺ بعدما أسلم بعد فتح مكة، قال: "يا رسول الله ثلاث أعْطِنيهنّ -يطلب من النبي ﷺ أن يعطيه ثلاثًا- قال:نعم، قال: تأمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال:نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، والثالثة عندي أحسن العرب أم حبيبة"[1]، لاحظ هذا بعد إسلامه والنبي ﷺ تزوجها قبل الفتح، فالعلماء أجابوا عن هذا بإجابات متعددة، فبعضهم يقول: إنه لربما أراد أن يكون ذلك بيده هو؛ لأن النبي ﷺ لم يتزوجها عن طريقه كما هو معروف قبل إسلامه، فكأنه أراد أن يكون ذلك عن طريقه، لكن هذا فيه بُعد؛ كيف تكون عند النبي ﷺ وتحت عصمته، ويقول: عندي أجمل العرب أزوجك إياها، وأجيب عن هذا بأجوبة، والحديث في صحيح مسلم تكلم عليه الإمام النووي كلاماً جيدًا على هذه القضية، ولكن من أحسن ما قيل: إن أم حبيبة التي قصدها أبو سفيان هي أخت أخرى لأم المؤمنين، أيضًا يقال لها: أم حبيبة، لكن يرد على هذا إشكال أنه لا يجوز الجمع بين المرأة وأختها، فكيف يعرض على النبي ﷺ؟، فأجابوا عنه أن الرجل حديث عهد بالإسلام، يعني بعدما دخل النبي ﷺ مكة عرض عليه أبو سفيان فلم يكن قد تفقه بهذه الأحكام وتعلم هذه المعاني، راجعوا شرح صحيح مسلم للنووي تكلم على هذا، وذكر وجه الجمع في ذلك،عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً المودة هي كما قال ابن القيم-رحمه الله- في "المدارج": خالص المحبة، وسبق أنها من المحبة كالرأفة من الرحمة، الرأفة أرق الرحمة، والمودة خالص المحبةعَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، والله يقول:وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، فحوّل هذه القلوب المتعادية إلى قلوب متحابة، كما قال الله : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِم ْوَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ[سورةالأنفال:63]، والنبي ﷺ يقول:ألم أجدكم ضُلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي[2]،

وقد يجمعُ اللهُ الشتيتيْن بعدما يظنان كلَّ الظن أن لا تلاقيا.

 وكذا قال لهم النبيﷺ:ألم أجدكم ضُلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وقال الله تعالى:هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ۝ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورةالأنفال:62-63]، وفي الحديث:أحبب حبيبك هونًا ما فعسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما فعسى أن يكون حبيبك يومًا ما[3].

وقوله تعالى:وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له،وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[سورةالأحقاف:8] بكل من تاب إليه من أي ذنب كان.

 

  1. رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ، برقم (2501).
  2. رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، برقم (4330)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه، برقم (1061).
  3. رواه الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض، برقم (1997)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (178).