لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ لا ينهاكم عن موالاتهم؟، لا، الكافر لا تجوز موالاته بحال من الأحوال سواء كان محاربًا أو لم يكن محاربًا، وإنما قال:أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ما قال: أن تتولوهم، فإن الموالاة لا تجوز، ولو نظرت في كلام أهل العلم من المفسرين في المراد بذلك من هم؟ فبعض أهل العلم يقول: هذه في مؤمنين كانوا بمكة، في من آمن بمكة ولم يهاجر، فهذا هو المراد بذلك كما يقوله مجاهد، يعني ليست في الكفار أصلاً، وإنما في المؤمنين، وبعضهم يقول: إن هذه الآية في من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجهم من ديارهم من أهل مكة، ثم نُسخ بالأمر بقتالهم كما يقوله قتادة وابن زيد، والله -تبارك وتعالى- يقول:وقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً[سورة التوبة:36]، وقال:فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ[سورة التوبة:5] ما خص ذلك بمن يحاربهم، فبعضهم يقول: إنها منسوخة، ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، لكن حتى يتبين لك إلى أين ذهب المفسرون من السلف في تفسير هذه الآية، وبعضهم يقول: هذه عامة في جميع من لم يقاتل المسلمين من الكفار على اختلاف مللهم وأديانهم، وأنها ليست بمنسوخة، هذا الذي عليه الجمهور، وهذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم-، وبعضهم يقول: لا، هذه في النساء والصبيان ممن لا يقاتل، ليس من أهل القتال، وهذا ظاهر كلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله-، لاحظ هنا يقول: كالنساء والضعفة منهم، وبعضهم يقول: هذه فيمن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد كخزاعة، المقصود أنهم تفرقت أقوالهم، لكن انظر إلى المحامل التي حملوها عليه، خلافًا لمن يقول اليوم: إن من لم يحارب المسلمين تجوز موالاته، إنما نُهينا عن موالاة الكفار المحاربين، وهذا غير صحيح، والأقرب في تفسير الآية -والله تعالى أعلم- هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد كل من كان بهذه الصفة، ولا يختص بالنساء والصبيان، أو من لم يهاجر أو نحو ذلك، كل من كان بهذه الصفة ممن لم يحارب المسلمين، ولم يُعنْ على ذلك، أو على إخراجهم من ديارهم بأي نوع من أنواع الإعانة، فنقول: هؤلاء لا ينهاكم الله عنهم، عن ماذا؟ عن موالاتهم؟، لا، وإنما قال:أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْلاحظ هنا قال:أَن تَبَرُّوهُمْأي: تحسنوا إليهم، الإحسان بكل كبد رطبة أجر، ودخلت امرأة من بني إسرائيل بغيٌّ الجنة أو غُفر لها بسبب شربة ماء سقتها كلبًا في خفها[1]، فالإحسان غير ممنوع عن هؤلاء الذين لم يحاربوا المسلمين، وما أعانوا على حربهم أو إخراجهم من ديارهم، والله المستعان.
أَن تَبَرُّوهُمْ أي: تحسنوا إليهم.
يعني البر حسن المعاملة وما أشبه ذلك من إيصال الإحسان إليهم،أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ والإقساط هو العدل، لكن هنا معدى بـ"إلى" وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، لم يقل: تقسطوا معهم أو تقسطوا فيهم، قال:تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ والأصل أن هذا الفعل أقسط لا يتعدى بـ"إلى"، فدل على أنه مضمن معنى فعل آخر يصح أن يعدى بهذا الحرف، وقلنا لكم مرارًا: إنه قد يضمن الحرف معنى حرف تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ أي: تقسطوا معهم أو فيهم كما يقول الكوفيون، وأما على مذهب البصريين فيقولون بتضمين الفعل أو ما يقوم مقامه معنى فعل آخر يصح أن يعدى بهذا الحرف، وقلنا: إن هذا أبلغ؛ لأنه يكثِّر المعاني فيكون هنا الإقساط مضمنًا معنى الإفضاء، تفضوا إليهم، يعني يكون بينكم وبينهم مصالح متبادلة وعلاقات مشتركة، هذا الإفضاء، تفضوا إليهم فيكون بينكم مصالح وما أشبه ذلك، هذا لا إشكال فيه مع هؤلاء من غير المحاربين، ولم يقل مثلاً: تقسطوا لهم، تعدلوا لهم، فعدي بـ"إلى"تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ.
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ أي: تعدلوا،إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ روى الإمام أحمد عن أسماء بنت أبي بكر -ا- قالت: "قدمتْ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمك"[2]، أخرجاه.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير قال: "قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ضِباب وأقِط وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله تعالى:لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها"[3].
يعني هي جاءت بشيء تحف من البادية ضِباب يعني جمع ضب، وأقِط معروف لبن يجفف، وسمن، قال هنا: قدمت أمي وهي راغبة أفأصلها؟ راغبة يعني في الصلة أن أعطيها شيئًا.
- رواه مسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم (2245).
- رواه البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهدية للمشركين، برقم (2620)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، برقم (1003).
- رواه أحمد في المسند، برقم (16111)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لضعف مصعب بن ثابت".
- رواه أحمد في المسند، برقم (6492)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".