بسم الله الرحمن الرحيم: المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [سورة الأعراف:1-3].
قد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف.
كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ [سورة الأعراف:2] أي: هذا كتاب أنزل إليك أي من ربك فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ قال مجاهد، وقتادة، والسدي: "شك منه"، وقيل: "لا تتحرج به في إبلاغه، والإنذار به" فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف:35]، ولهذا قال: لِتُنذِرَ بِهِ أي: أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة الأعراف:2].
وقوله - تبارك وتعالى - : فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ [سورة الأعراف:2] يقول الحافظ: "قال مجاهد، وقتادة، والسدي: شك منه" وعلى هذا تكون هذه الآية كقوله - تبارك وتعالى -: الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [سورة البقرة:147] والممتري هو الشاكّ.
يقول: "وقيل: لا تتحرج في إبلاغه، والإنذار به" أي: لا تتحرج مخافة التكذيب، والإيذاء، والمخالفة، والكفر بما جئت به، كما قال ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: إذن يفلقوا رأسي فيجعلوه خبزةً[1]، فالنبي ﷺ كان يتحرج من تكذيبهم حتى أنزل الله عليه مثل هذه الآية.
أو يكون المعنى لا يضِق صدرك لعدم استجابتهم، وإيمانهم؛ كما قال الله : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [سورة الكهف:6] فقوله: بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أي: مهلكٌ نفسك كقوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [سورة هود:12]، وكقوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [سورة الحجر:97] فهذا تفسير للحرج بالضيق، ويدل على أن الحرج يأتي بمعنى الضيق الآية التي سبقت في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [سورة الأنعام:125]، وقوله تعالى في سورة الحج: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [سورة الحج:78] يعني ما جعل عليكم من ضيق، وإنما وسع عليكم بتيسير هذه الشريعة.
الخلاصة أن المعنى الأول لقوله: فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ [سورة الأعراف:2] يعني لا يكن في صدرك شك منه، والمعنى الثاني لا يكن في صدرك ضيق مما يقع بسبب تكذيب المكذبين.
والحافظ ابن كثير - رحمه الله - هنا ذكر القول الأول، فإن كان المختصر دقق في نقل عبارة ابن كثير حيث ذكر القول الآخر بـ قيل، أي إن كان كذلك في الأصل فمعنى ذلك أن الحافظ - رحمه الله - يرجح القول بأنه الشك.
وبالنسبة لكبير المفسرين ابن جرير - رحمه الله - فقد جمع بين المعنيين، وهذا وجه حسن من التفسير، وذلك أن القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فقد تكون الكلمة في الآية تحتمل معنيين وكل معنىً من هذه المعاني يشهد له آيٌ من القرآن وفي هذه الحال تحمل الآية على ذلك جميعاً، ولذلك يقال في قوله تعالى: فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ [سورة الأعراف:2] أي: لا يكن فيه شك ولا ضيق.
والجمهور من المفسرين يفسرون الحرج بالضيق، وكأن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - يميل إلى تفسيره بالضيق أيضاً.
يقول ابن كثير: "ولهذا قال: لِتُنذِرَ بِهِ [سورة الأعراف:2]" أي: أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين، كما قال الله : وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا [سورة مريم:97] وقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [سورة الليل:14].
قال تعالى: لِتُنذِرَ بِهِ [سورة الأعراف:2] ولم يذكر المنذَر ولا المنذَر منه أي لم يذكر المفعول الأول ولا المفعول الثاني، لكن المراد معلوم أي لتنذر به هؤلاء الكافرين الذين يخاصمون خصومةً شديدة في الحق ويردونه مع وضوح دلائله، وتنذرهم من عذاب النار كما قال تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [سورة الليل:14] وكما قال: لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ [سورة الكهف:2].
وعلى كل حال الإنذار في القرآن يأتي عاماً كما في قوله تعالى: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [سورة الأنعام:19] فالنبي ﷺ منذرٌ بهذا القرآن لجميع الناس سواء الأبيض أو الأحمر أو الأسود.
ويأتي الإنذار أيضاً بمعنىً خاص وهو إنذار المكذبين، وأما أهل الإيمان والتصديق والانقياد فإنه يبشرهم، وبهذا الاعتبار يكون القرآن منذراً لقومٍ ومبشراً لآخرين كما قال الله : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا [سورة مريم:97] فهذا بالنظر إلى الإطلاق الثاني للإنذار وهو أنه يأتي للمكذبين خاصة.
ومن الإنذار العام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ [سورة المدثر:1-2] يعني أنذر جميع الناس.
وأصل الإنذار في كلام العرب هو إعلامٌ خاص، فهو الإعلام المقترن بتهديد، وبهذا الاعتبار يكون الإنذار إعلاماً خاصاً، فكل إنذار إعلام وليس كل إعلامٍ إنذاراً، فحينما تخبر إنساناً بقولك: جاء زيد فهذا إعلام وليس إنذاراً، وحينما تقول لإنسان: الموت قريب والساعة حق، والله قد أعد النار للمكذبين، فهذا كله من الإعلام لكنه إعلامٌ خاص، وحينما تقول لإنسان: سترى مغبة فعلك وعاقبة جريرتك، فهذا كله إعلامٌ يقال له إنذار؛ لأنه إعلام مقترن بالوعيد والتهديد.
وعلى كل حال فإن قوله - تبارك وتعالى - في هذه الآية: فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ أي: لا يكن فيه شكٌ ولا ريب ولا ضيق من تبليغ الناس به وما تضمنه.
وقوله: لِتُنذِرَ بِهِ [سورة الأعراف:2] أي: من أجل الإنذار.
وإذا قلنا: إن الحرج بمعنى الشك فيكون ذلك متوجهاً إلى الأمة بحيث لا يقع من أحد شك في هذا القرآن بحال من الأحوال، ومن آمن ببعض القرآن وكفر ببعض فإنه يكون في صدره شيء من الحرج بقدر ما رد منه وكذّب، كما يقول الحافظ ابن القيم - رحمه الله - : من لم يؤمن بأسماء الله وصفاته ففي صدره حرجٌ منه؛ لأن القرآن دل على هذه الأشياء، ومن لم يرض بالقرآن حاكماً يتحاكم إليه، فإنه قد وقع في صدره حرجٌ منه، ومن شك في أخباره فقد وقع في صدره حرجٌ منه، والناس يتفاوتون في ذلك.
- - أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (2865) (ج 4 / ص 2197).