الثلاثاء 25 / ذو القعدة / 1447 - 12 / مايو 2026
فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
مرات الإستماع: 0

وقوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمَْ الآية [سورة الأعراف:6] كقوله: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [سورة القصص:65].
هذا سؤال متوجه للمرسل إليهم: ماذا أجبتم المرسلين؟ وهذا من النماذج، والأمثلة الواضحة جداً في تفسير القرآن بالقرآن، وقد ذكرنا مراراً أن تفسير القرآن بالقرآن يدخله اجتهاد المفسر، وبالتالي قد يصيب، وقد يخطئ، لكن توجد أمثلة تكون في غاية الوضوح، فقوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [سورة الأعراف:6] أي: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [سورة القصص:65].
وقوله: وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [سورة الأعراف:6] أي يُسأل الرسل - عليهم الصلاة والسلام - عن البلاغ، إلا أن هذا السؤال ليس سؤال استثبات، واستعلام؛ لأن الله لا تخفى عليه خافية، وإنما المقصود بذلك معنىً آخر، وحينما يقال لهؤلاء: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [سورة القصص:65] فهذا سؤال تقريع كما قال الله  : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ [سورة الصافات:24] وهكذا يقال في مواضع متعددة من القرآن كقوله: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [سورة المدثر:42] يعني ما الذي أدخلكم النار؟، فهذه أسئلة تقريع لا أسئلة استثبات، واستعلام.
وبالنسبة للمواضع التي نفى فيها السؤال كقوله: فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ [سورة الرحمن:39] فالمعنى أنه لا يسأل سؤال استعلام، واستثبات؛ لكن لا ينفي ذلك أنه يسأل سؤال تبكيت، كما أنه لا يسأل سؤال استعتاب من أجل أن يذكر عذره فيقبل منه، لا، وإنما يسأل لتبكيته، فإن من وقع في ورطة ثم قيل له على سبيل التبكيت: ما الذي أوقعك في هذا؟ ألم نقل لك كذا؟ ما الذي أدخلك في هذا؟ فإن هذا يكون فيه مزيداً في ألمه، وعذابه.
وقوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [سورة المائدة:109].
هذا سؤال للمرسلين مَاذَا أُجِبْتُمْ [سورة المائدة:109] يسألهم ماذا أجابكم قومكم؟ كما أنه يسألهم أيضا عن البلاغ.
فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضاً عن إبلاغ رسالاته.
كما في قوله - تبارك وتعالى - : لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ [سورة الأحزاب:8] فيدخل فيه الرسل - عليهم الصلاة والسلام - هل بلغوا قومهم؟ وماذا بلغوهم؟.
والنبي ﷺ أخبر أننا مسئولون عنه في الموقف الأكبر يوم عرفة فقال: ماذا أنتم قائلون؟ فقالوا له - عليه الصلاة والسلام - : نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وكان ﷺ يقول: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، نشهد أنك قد بلغت، فكان يشير بأصبعه إليهم، ويرفعها إلى السماء يقول: اللهم اشهد، فالناس يُسألون عن الإجابة، والرسل - عليهم الصلاة والسلام - عن البلاغ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ [سورة الأحزاب:8]، وكذلك أتباع الرسل من الدعاة إلى الله فيما يتعلق ببلاغ الناس، ودعوتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ كل هذا يدخل في قوله: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ، ويدخل فيه أيضاً السؤال عن الإيمان.
ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ا - في تفسير هذه الآية: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [سورة الأعراف:6] قال: "عمَّا بلغوا".

مرات الإستماع: 0

"أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أسند الفعل إلى الجار، والمجرور، ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أجيبوا به."

هذا سؤال الأمم يمكن أن يكون من قبيل التوبيخ لهم، وليس الاستعمال؛ لأن الله يخفى عليهم ذلك ماذا أجابوا الرسل - عليهم الصلاة، والسلام - وهذا كقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 65].

وهكذا في قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93] فالأمم تسأل، والرسل أيضًا يسألون يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة: 109] فهذا ليس بسؤال تقريع، وتوبيخ، وإنما يمكن أن يكون بمعنى التقريع، والتوبيخ بالنظر إلى المكذبين من أممهم.

فيسأل الرسل - والله أعلم - بما أجابهم أقوامهم، يقول: ماذا أجبتم، ويسألون - عليهم الصلاة، والسلام - عن إبلاغ الرسالة، وجاء نحو هذا المعنى عن ابن عباس - ا - من طريق أبي طلحة، يعني سؤال الرسل عن البلاغ، وهذا الذي ذهب إليه ابن كثير - رحمه الله -[1]

  1. تفسير ابن كثير (3/388).