وقوله: وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [سورة الأعراف:6] أي يُسأل الرسل - عليهم الصلاة والسلام - عن البلاغ، إلا أن هذا السؤال ليس سؤال استثبات، واستعلام؛ لأن الله لا تخفى عليه خافية، وإنما المقصود بذلك معنىً آخر، وحينما يقال لهؤلاء: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [سورة القصص:65] فهذا سؤال تقريع كما قال الله : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ [سورة الصافات:24] وهكذا يقال في مواضع متعددة من القرآن كقوله: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [سورة المدثر:42] يعني ما الذي أدخلكم النار؟، فهذه أسئلة تقريع لا أسئلة استثبات، واستعلام.
وبالنسبة للمواضع التي نفى فيها السؤال كقوله: فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ [سورة الرحمن:39] فالمعنى أنه لا يسأل سؤال استعلام، واستثبات؛ لكن لا ينفي ذلك أنه يسأل سؤال تبكيت، كما أنه لا يسأل سؤال استعتاب من أجل أن يذكر عذره فيقبل منه، لا، وإنما يسأل لتبكيته، فإن من وقع في ورطة ثم قيل له على سبيل التبكيت: ما الذي أوقعك في هذا؟ ألم نقل لك كذا؟ ما الذي أدخلك في هذا؟ فإن هذا يكون فيه مزيداً في ألمه، وعذابه.
والنبي ﷺ أخبر أننا مسئولون عنه في الموقف الأكبر يوم عرفة فقال: ماذا أنتم قائلون؟ فقالوا له - عليه الصلاة والسلام - : نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وكان ﷺ يقول: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، نشهد أنك قد بلغت، فكان يشير بأصبعه إليهم، ويرفعها إلى السماء يقول: اللهم اشهد، فالناس يُسألون عن الإجابة، والرسل - عليهم الصلاة والسلام - عن البلاغ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ [سورة الأحزاب:8]، وكذلك أتباع الرسل من الدعاة إلى الله فيما يتعلق ببلاغ الناس، ودعوتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ كل هذا يدخل في قوله: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ، ويدخل فيه أيضاً السؤال عن الإيمان.