الثلاثاء 25 / ذو القعدة / 1447 - 12 / مايو 2026
فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
مرات الإستماع: 0

وقوله: فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [سورة الأعراف:5] أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا.
قوله تعالى: فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [سورة الأعراف:5] فسره بعض أهل العلم بالدعاء كما قال الله : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [سورة يونس:10] أي: دعاؤهم، وفسره آخرون بالادعاء، يعني أنهم اعترفوا، وأقروا بأنهم كانوا على باطل، وأن المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون الله لا حقيقة لها، ولا نصيب لها في الإلهية، وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا على ظلمٍ، وباطلٍ.
وهذا المعنى في قوله: قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [سورة الأنبياء:14] بيَّنه الله في الآيات الأخرى، كقوله: وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ۝ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ۝ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ۝ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ۝ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [سورة الأنبياء:11-15] فهذه هي دعواهم، وأخذ من هذا بعض أهل العلم أن الله قد بعث لجميع الأمم رسلاً فلم يعذبهم حتى جاءهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لأنهم أقروا على أنفسهم بالظلم، ولم يحتجوا فيقولوا: ما جاءنا من رسول، وإنما قالوا: إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [سورة الأنبياء:14] بمعنى أنه قد بلغهم ما تقوم عليهم به الحجة، ولم يعذبهم حتى بعث إليهم رسولاً فكذبوه.
كقوله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً [سورة الأنبياء:11] إلى قوله: خَامِدِينَ [سورة الأنبياء: 15].

مرات الإستماع: 0

"قوله تعالى: دَعْوَاهُمْ أي: ما كان دعاؤهم، واستغاثتهم إلا للاعتراف بأنهم ظالمون، وقيل: المعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك." 

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ الدعوى هنا فسرها بالدعاء، لما نزل بهم الشدة، والعذاب، وبأس الله والإهلاك لم يكن دعاؤهم إلا الاعتراف بظلمهم، أو ما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا الاعتراف بظلمهم، كما في قوله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الأنبياء: 11 - 15].

فهذه تفسر آية الأعراف فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ يعني: الاعتراف بظلمهم، ما كان قولهم إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين، وذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - نحوًا من هذا المعنى، يعني: ما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم مستحقون: أنهم حقيقون بهذا[1] يعني: العذاب، فالدعوى هنا تكون بمعنى القول.

فالمعنى الأول الذي ذكره المؤلف: الدعوى بمعنى الدعاء، وما كان دعاؤهم، واستغاثتهم، ولكنهم هنا لم يدعوا، وإنما اعترفوا قالوا: إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ولهذا فسره من فسره بالقول، لكن يمكن أن يفسر بالدعاء باعتبار يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فتضمن الدعاء، والاعتراف، وهذا معنى كلام المؤلف: فما كان دعاؤهم، واستغاثتهم إلا للاعتراف. على كل حال، لو قال: إلا الاعتراف بأنهم ظالمون، فهذا أوضح.

يقول: وقيل: المعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك. كان دعواهم، ما كانوا يدعون، يعني: من عبادة غير الله ونحو ذلك أنه حق، فلما رأوا العذاب اعترفوا بظلمهم، وتبين لهم بطلان ما كانوا عليه. 

  1. تفسير ابن كثير (3/388).