الثلاثاء 25 / ذو القعدة / 1447 - 12 / مايو 2026
وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
مرات الإستماع: 0

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ۝ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ۝ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ۝ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ [سورة الأعراف:4-7].
يقول تعالى: وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أي: بمخالفة رسلنا، وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولاً بذلّ الآخرة كما قال تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [سورة الأنعام:10]، وكقوله: فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ [سورة الحج:45]، وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [سورة القصص:58].
وقوله: فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ [سورة الأعراف:4] أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بَيَاتًا أي: ليلاً.
أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة، ولهو كما قال: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ ۝ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [سورة الأعراف:97-98] وقال: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ۝ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرءُوفٌ رَّحِيمٌ [سورة النحل: 45-47]".

مرات الإستماع: 0

"أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا قيل: إنه من المقلوب، تقديره: جاءها بأسنا، فأهلكناها، وقيل: المعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ لأن مجيء البأس قبل الإهلاك، فلا يصح عطفه عليه بالفاء، ويحتمل أن يكون فجاءها بأسنا استئنافًا على، وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلف، والمراد أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل: أَوْ هُمْ قَائِلُونَ."

هذه الدعاوى كون الكلام فيه تقديم، وتأخير، من مقلوب، أو فيه مقدر محذوف، أو نحو ذلك، كل هذا على خلاف الأصل، الأصل في الكلام الترتيب، وإذا دار الكلام بين الترتيب، أو التقديم، والتأخير فالأصل الترتيب، كما أنه إذا دار المعنى بين التقدير يعني الحذف، أو الاستقلال، فالمقدم الاستقلال، هذا هو الأصل، إلا إذا كان لابد من التقديم، لكن إذا أمكن تفسيره بمعنى يصح من غير حاجة إلى تقدير، أو دعوى تقديم، وتأخير، فهذا هو الأولى.

فقوله: أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا البأس العذاب، وأصله الشدة، يقول قيل إنه من المقلوب، يعني فيه تقديم، وتأخير جاءها بأسنا فأهلكناها، ما الذي حمل هذا القائل على هذه الدعوى؟ هو نظر إلى أن الإهلاك مسبب عن البأس، يعني جاء البأس فحصل الهلاك، فلما نظر إليها بهذا الاعتبار قال: فيه تقديم، وتأخير، ويعللون هذا التقديم بعلل بلاغية أن المقصود مثلاً هذا في بيان عاقبة هؤلاء المكذبين، ونحو ذلك، فقدم العقوبة قدم النتيجة الهلاك؛ ليحصل الردع.

يقول: وقيل: المعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا. لاحظ هنا احتاج إلى تقدير، وقبله احتاج إلى دعوى تقديم، وتأخير، أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، وهذا خلاف الظاهر تمامًا، أهلكناها فجاءها بأسنا، الله يقول: أَهْلَكْنَاهَا هنا يقول: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، يعني لم يحصل الهلاك.

يقول: لأن مجيء البأس قبل الإهلاك، فلا يصح عطفه عليه بالفاء. لكن هذا بناء على ما فهموا، ما ذكره احتمالاً هنا أن يكون فَجَاءَهَا بَأْسُنَا من قبيل الاستئناف، يعني: أخبر الله عن إهلاكها، ثم بعد ذلك بيَّن صفة هذا الإهلاك على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج هذا القول إلى دعوى تقديم، وتأخير في الكلام، ولا يحتاج أيضًا إلى تقدير، فيكون هذا الاعتبار هو الأولى - والله أعلم -.

يقول: والمراد أهلكنا أهلها. هذه قضية أخرى باعتبار أن الإهلاك أضيف إلى القرية، وهم يقولون بأن القرية جماد، ومباني، وما يحتف بها طرق، ونحو ذلك، وهذه لا يحصل لها الإهلاك، وإنما الإهلاك لأهلها، فيقولون هذا من قبيل المجاز، العلاقة فيه الحالية، والمحلية، يعني حال، ومحل، فالمحل هو القرية، والحال هم أهلها، فيتجوز بالتعبير عن الموضع بالحال فيه، وهم أهله، يقول: أهلكنا القرية، والمقصود أهل القرية وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] يعني: اسأل أهل القرية هكذا يقولون.

يقول: بدليل، أو هم قائلون. يعني أهل القرية.على كل حال، لا شك أن المراد أهل القرية بصرف النظر هل هذا من قبيل المجاز، أو أن العرب تتوسع في الاستعمال، وتعبر بأحد هذين عن الآخر، يعني تعبر بالقرية عن أهلها مثلاً، ولا إشكال في ذلك، فالمعنى المتبادر هو الحقيقة، وتبادره قد يكون من جهة السياق، والسباق، واللحاق، ونحو ذلك، ولا إشكال.

"قوله تعالى: بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: 4] مصدر في موضع الحال، بمعنى: بائتين، أي: بالليل، وقائلون: من القائلة: أي بالنهار، وقد أصاب العذاب بعض الكفار المتقدمين بالليل، وبعضهم بالنهار، وأو هنا للتنويع."

يقول: بياتًا مصدر في موضع الحال بمعنى: بائتين أي بالليل. البيات يعني بياتًا ليلاً؛ لأن الليل هو وقت البيات، يقال يعني أقام بالليل سواء كان نائمًا، أو لم ينم يقال له: بيات.

يقول: وقائلون، من القائلة: أي بالنهار. يعني: في منتصف النهار، وليس في النهار، ولكنه إنما ذكر النهار مقابلة لليل، وإلا الأصل أن القائلة هي منتصف النهار، وقت القائلة، يعني: في وقت غفلتهم، وهم نائمون ليلاً، أو في وسط النهار.

يقول: وأو هنا للتنويع. المؤلف يذكر مثل هذا في مواضع من كتابه أن أو للتنويع، وذكر هذا في معانيها في الغريب قبل، ذكر لها عدة معاني، منها التنويع، هذا يصلح مثالاً على ذاك، يعني: الذي في الغريب الألفاظ الغريبة لو ترجعون إلى الغريب، وما ذكر في معاني أو ذكر للتنويع، فهذا يمثل له من كلام المؤلف بهذا المثال، بصرف النظر هل أو هنا للتنويع، أو لا؟ بعضهم يقول: للتفصيل، وقلما يستعملون للتنويع في معاني، أو بالنسبة لاستعمالات، أو بالنسبة للتفسيرات الأخرى.