قال المفسر -رحمه الله تعالى- في قوله:بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ[سورة القيامة:5]: قال سعيد عن ابن عباس -ا-: يعني يمضي قدما.
وقال مجاهد:لِيَفْجُرَ أَمَامَهُليمضي أمامه راكباً رأسه.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا-: هو الكافر يكذب بيوم الحساب، وكذا قال ابن زيد؛ ولهذا قال بعدهيَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؟ أي يقول: متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى:وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ[سورة سبأ:29-30].
فقول الله :بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ، يمكن أن يكون ذلك من قبيل الاستفهام، كقوله:أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ[سورة القيامة:3]،بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُيعني: هل يريد ذلك؟ ويمكن أن يكون إيجاباً، وهذا هو الظاهر -والله تعالى أعلم-، فهو كلام مستأنف يخبر الله به عن حقيقة هذا الإنسان الذي تحدث عنه في هذه السورة،أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ،بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ، وهنا هذه التفسيرات التي نقلها عن السلف كقول بعضهم: يمضي قدماً، يعني في معصية الله ، هذا قول ابن عباس يمضي قدماً في معصية الله، وقول مجاهد: ليمضي أمامه راكباً رأسه، هذا بمعنى قول ابن عباس، لا فرق بينهما، وكذلك قول ابن عباس الآخر: هو الكافر يكذب بيوم الحساب، فإذا نظرت بهذه الأقاويل تجد أنها ترجع إلى قولين في الجملة:
الأول: ما يؤخذ من ظاهر اللفظ، كلمة "يفجر"، والفجور هو العصيان، وتجاوز حدود الله ، ومحادّته بمخالفته، هذا هو الفجور، وإذا أخذت بظاهر هذا اللفظبَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُهنا يدخل فيها على هذا التفسير جملة من الأقاويل التي قال بها بعض السلف مثل أنه يعمل بالمعاصي، وإذا عمل بالمعاصي يؤمل التوبة -طول الأمل-، أو أنه يعمل المعصية ويؤخر التوبة، وهذا بمعنى طول الأمل، أو أنه يمضي راكباً رأسه، أو يمضي قدماً يعني في معصية الله، كل هذه الأقوال ترجع إلى هذا المعنى، أخذاً من ظاهر اللفظلِيَفْجُرَالفجور، ومن نظر إليه من جهة المعنى والتركيب قال:لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ قالوا: ليكذب، قالوا: إن السياق يدل على هذا، بغض النظر عن لفظلِيَفْجُرَ، فيكون هكذا أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَالكلام في التكذيب بيوم القيامة، ثم قال الله :بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُأي: ليكذب بما أمامه، يعني حينما يستبعد إعادة العظام من جديد،أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ[سورة القيامة:3-5] ثم ماذا قال بعده؟يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ[سورة القيامة:6]، فعلى القول بأن المقصود به التكذيب يكون ذلك أخذاً من دلالة السياق؛ لأن الحديث عن اليوم الآخر والقيامة والمكذبين باليوم الآخر، فقالوا: المقصودلِيَفْجُرَ أَمَامَهُأي: ليكذب بما أمامه، فـ"بما"، حرف جر ومعه الموصول "ما" فهذا محذوف، فهذا من جهة المعنى.
المعنى الثاني الذي ترجع إليه الأقاويل الأخرى: أنه يكذب بيوم القيامة، يكذب بالبعث، يكذب بالحساب، يكذب باليوم الآخر بجملته، هذا يؤخذ من السياق، والمعنى الأول يفهم من لفظة يفجر، الفجور، ويقوي المعنى الأول ظاهر اللفظ، والذي يؤيد المعنى الثاني السياق، فالسياق كله في التكذيب باليوم الآخر وليس الكلام في الفجور والمعاصي، وما سيقت الآية من أجل هذا، وبهذا نعلم أن المعاني التي تحتملها الآية قد يتنازعها جملة من المرجحات، فقد يكون بعضها أقرب إلى ظاهر اللفظ، وقد يكون بعضها له مرجح آخر من السياق والموضوع الذي تتحدث عنه الآيات، السياق وما قبله وما بعده، والله تعالى أعلم، فالحاصل أن ظاهر اللفظ أنه يقدم الفجور ويؤخر التوبة، لكن الآيات ما سيقت للكلام على هذا المعنى، وما قبله وما بعده في التكذيب باليوم الآخر، وبهذا يكون المعنىبَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُأي: بل يريد الإنسان ليكذب ويكفر بما أمامه، "بما" هذه حرف الجر والموصول، من جهة المعنى والسياق، والمعنى الأول أخذاً من ظاهر اللفظ الذي هو لفظة الفجور،لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ، ومن كذب باليوم الآخر كذب بيوم القيامة؛ ولذلك الله يعلل كثيراً كفر الكافرين وإعراضهم، ويعلل ما يقع منهم من الجرائم وما أشبه ذلك بأنهم لا يرجون لقاء الله، وإذا خوّف المؤمنين وذكّرهم وما أشبه ذلك قال:لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ[سورة الأحزاب:21]، فاليوم الآخر هو المحرك الذي يجعل الإنسان يمتثل، وإلا فإن الناس لو تُركوا من غير حساب فإنهم يفعلون ما يحلو لهم.
الحافظ ابن كثير اختار أن المعنى: يكفر بما أمامه، يعني بيوم القيامة، واستشهد لهذا بما بعده، بما يلحقه في اللفظ، بما جاء بعده، بما عقب به،يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بمعنى أنه يكذب بيوم القيامة، متى يكون؟ فهذا سؤال استبعاد، يعني: هو لا يسأل عن وقته، وإنما يسأل مستبعداً له مكذباً لوقوعه.