الجمعة 05 / ربيع الأوّل / 1447 - 29 / أغسطس 2025
وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبْحًا

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

"وأما قوله تعالى: وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فقال ابن مسعود: هي الملائكة.

ورُوي عن علي، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وأبي صالح مثلُ ذلك."

وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا قال ابن عباس: يعني الملائكة تنزع الأرواح، يعني: تَنشِط النفوس، يعني: تخرجها من الأجساد، كما يُنشَط العقال الذي يربط بيد البعير، فإذا حُلّ نهض البعير، يقال: فلان كأنما نشِط من عقال، يعني: كأنما أُطلق وثاقه، فقام ليس به بأس، فإذا حُل هذا القيد نشِط صاحبه، أو نشِط البعير، ويقال: نَشَطَ الرجلُ الدلوَ، يعني: أخرجها من البئر، والنشاط هو الجذب بسرعة.

فالنازعات الملائكة، والناشطات أيضاً الملائكة تنزع الأراوح، تجذب الأرواح من الأجساد، والفرق بين الأول، والثاني: أن النزع جذب بقوة، وشدة، والنشط دونه كما يقول الواحدي في الفرق بينهما، فنزع أرواح الكفار يكون بشدة، وعنف، وقسوة، وأما أهل الإيمان فإن ذلك يكون برفق، وسهولة، ولين، إذاً الله أقسم بالنازعات، وبالناشطات، فالملائكة تنزع الأرواح بشدة تناسب الكفار، وبرفق، ولين يناسب أهل الإيمان، والذين يقولون: الملائكة تَنشِط النفوس تخرجها من الأجساد، كما يُنشَط العقال من يد البعير إذا حُلّ عنه، ونَشَطَ الرجلُ الدلوَ من البئر، يعني: أخرجها، هذا الجذب هذا معنى النشط.

بعضهم كمجاهد يقول: هو الموت يَنشِط نفس الإنسان، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا، الموت، ووجهتُ لكم هذا من قبل في النازعات، باعتبار أننا إذا قلنا: الناشطات هي الملائكة تستخرج الأرواح، فإذا استخرجت الأرواح ما الذي يحصل نتيجة ذلك؟ هو الموت، فالموت ليس هو الذي يستخرجها، إنما الذي يستخرجها الملَك، فعبارة مجاهد لا تخرج عن هذا القول في مؤداها وحقيقتها، وإن كان اللفظ يختلف، فمجاهد - رحمه الله - لا يقول: إن الموت هو الذي يخرج الأرواح، وإنما الذي يخرجها الملَك، كما قال الله .

السُّدي جرى على قوله السابق في النازعات، فقال: وَالنَّاشِطَاتِ هي: النفوس، حيث تُنشَط من القدمين يعني: تبدأ الحياة تنسل من القدمين، لا أن الروح تخرج من القدمين، فروحه تخرج من فمه، لكنها تبدأ من القدمين، تبدأ الحياة تنسل، تخرج ابتداءً من القدمين إلى أعلى، وهكذا.

عكرمة، وعطاء يقولون: هي الأوْهاق.

قتادة، والحسن، ومن أصحاب المعاني الأخفش يقولون: هي النجوم، النجوم حيث تنشِط من أفق إلى أفق، مثلما قالوا في النازعات، وهذا سيكون على هذا الاعتبار تكراراً.

أيضاً أبو عبيدة في مجاز القرآن، وقبله قتادة يقولون: هي الوحوش، حيث تنشِط من بلد إلى بلد، ومن ناحية إلى ناحية، تنتقل، ترتحل، تهاجر، وبعضهم يقول: هي أرواح المؤمنين حينما تُستخرج، فذلك إخراج الملائكة لها - كما سبق -، بخلاف الكافرين فإنها تُنزع فيناسبها ما سبق، وهذا هو الأقرب - والله تعالى أعلم - أن الناشطات هي الملائكة، وصفت بهذا في متعلق خاص، وهو استخراجها لأرواح المؤمنين، حيث تستخرجها برفق، فتنسل الروح كما تنسل القطرة مِن فِي السِّقاء، بسهولة، ورفق، ولين.