هذا جميعاً في الملائكة، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا يعني: الملائكة، باعتبار أنها تسبح في الفضاء، تحلق في الفضاء، لما أمرها الله به، يعني: أنها تأتمر بأمره، فتسبح في هذا الفضاء الواسع الهائل امتثالاً لأمر الله - تبارك وتعالى -، فأقسم بالملائكة بهذه الصفة، وبعضهم يقول: الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الروح، كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه، وهذا قد لا يكون، السبح هو من صفة الملائكة، لكن هل الملائكة تدخل في داخل البدن حتى تستخرج الروح؟ هذا أمر غيبي، الله أعلم به، فلا حاجة لهذا الإيغال في معنى لم يرد عليه دليل، وإنما ذلك من صفة الملائكة، والذي يذكره عادةً أهل العلم يقولون: تسبح في الفضاء، تنزل، وتصعد امتثالاً لأمر الله - تبارك وتعالى -؛ ولهذا قال مجاهد وأبو صالح: الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله .
وبعضهم يقول: هي الخيل تسبح في الغزو، فأقسم الله بها.
وبعضهم كقتادة والحسن يقولون: النجوم تسبح في أفلاكها، وبعضهم يقول: هي السفن، كل هذه أقوال على طريقة ابن القيم في توجيه النازعات، ولو أردنا أن نسير على هذا المهيع فنقول: إن ذلك يصدق على كل ما يتصف بهذه الصفة - السبح - من السفن، والخيل في الغزو، والأفلاك، والنجوم هذه التي تسبح بهذا الفضاء، وأحق من وصف بذلك، وأحق من يصدق عليه هذا على أتم الوجوه وأكملها الملائكة - عليهم السلام -؛ ولهذا ابن جرير - رحمه الله - لما ذكر هذه المعاني فعل كما فعل في النازعات، ذكر المعاني، وقال: الله لم يحدد معنى، يجوز أن يكون كذا، ويجوز أن يكون كذا، ويجوز أن يكون كذا، لكن الذي عليه الجمهور أنها الملائكة في خصوص نزع الأرواح، وإذا قلنا: إن التأسيس مقدم على التوكيد كما هي القاعدة يكون النزع أقوى، فيكون مناسباً لأرواح الكفار، والنشط أسهل فيكون ذلك في أرواح المؤمنين، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا.
وقوله: فَالسَّابِقَاتِ، قال: رُوي عن عليٍّ، ومسروق، ومجاهد، وأبي صالح، والحسن البصري، يعني: الملائكة، هذا أيضاً قول الجمهور، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا بعضهم يقول كمسروق، ومجاهد: الملائكة تسبق الشياطين بالوحي، وهذا رده المحققون من أهل العلم، قالوا: لا يمكن؛ لأن الشياطين كما قال الله : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [سورة الشعراء:212]، لا يمكن أن يسترقوا الوحي الذي ينزل على الرسل، لكن يمكن أن يسترقوا الخبر الذي يكون في أمور كائنة، أو نحو ذلك، يتخطفون السمع، فينزلون به على الكاهن، لكن الوحي الذي ينزل على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يتأتى للشياطين، فهذا المعنى بعيد.
وبعضهم كأبي رَوْق يقول: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير، والعمل الصالح، وهو مروي أيضاً - أو قريب منه - عن غيره كمجاهد، ومقاتل يقول: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا، تسبق بأرواحهم، تسرع بها إلى الجنة، فلا يمهلونها بيد ملك الموت، فيأخذونها، ويجعلونها في حنوط من حنوط الجنة، كما جاء عن النبي ﷺ.
وبعضهم كالربيع يقول: هي نفوس أهل الإيمان تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى الله ، يعني هي تريد أن تخرج بسرعة من أجل شوقها إلى ربها - تبارك وتعالى -.
وبعضهم يقول: هو الموت يسبق الإنسان، وهذا مروي عن مجاهد.
وبعضهم يقول: هي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير، وهو مروي عن قتادة، والحسن، ومعمر بن راشد.
وبعضهم يقول: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد، كما يقوله عطاء.
وبعضهم يقول: هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة، أو النار، وتعذب قبل الأجساد.
وهذه أقاويل، وقيل غيرها أيضاً، والمشهور الذي عليه الجمهور أنها الملائكة، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا تسبق في امتثال أمر الله وتحقيق مراده، تمتثل مسرعة، مُسابِقة بلا تأخر، ولا تباطؤ، ولا تردد، ولاحظْ هنا أن الله عطف بالواو، قال: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا، ثم بالفاء فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا، فبعضهم يقول: وعطف السابقات بالفاء؛ لأنها مسبَّبة من التي قبلها، يعني: الملائكة تسبح، فتسبق إلى أمر الله - تبارك وتعالى -، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ، تسبح، فتسبق، فتكون الفاء كأنها للتعليل، أو السببية، يعني كأن الذي بعدها مرتب على الذي قبلها، سبحت، فسبقت، هكذا قال بعضهم، ولكن اعترض على هذا بالمدبرات، قالوا: هل المدبرات مرتب على ما قبله؟ هل السبق للتدبير؟ وبعضهم قال: نعم، سبقت امتثالاً لأمر الله ، سبحت فسبقت فدبّرت ما أُمرت به، ووُكل إليها تدبير.
وبصرف النظر عن العطف بالفاء، فإن الجمهور على أن السابحات هي الملائكة، وأن السابقات أيضاً هي الملائكة، وكل ذلك في الملائكة، أما المدبرات فبالإجماع أنها الملائكة.
ويقول هؤلاء: إن السبق يكون من أجل التدبير، هذا للأرواح، وهذا للقطر، وهذا للوحي، وهذا لغير ذلك من الأعمال التي أناطهم الله بها، وأناطها بهم.