هذا بالإجماع، ونقل الإجماع جماعة مثل ابن القيم والسمعاني، يعني، وبعضهم مثل ابن عطية يقول: لم أقف على خلاف فيه، يعني كأنه يقول: إجماع، أن المدبرات هم الملائكة، تدبر الأمر من السماء إلى الأرض، يعني: بأمر ربها - تبارك وتعالى -، تدبر ما أُمرت بتدبيره.
يبقى جواب القسم عن هذه المذكورات، الآن أقسم الله بهذه جميعاً، بالنازعات، والناشطات، والسابحات، والسابقات، والمدبرات، خمسة أقسام، والقسم لا يكون إلا بمعظم، هذه القاعدة، فهذه الأقسام الخمسة أين جوابها؟ بعضهم يقول: الجواب محذوف، وتقديره: لتبعثنّ، والسورة تتحدث عن البعث، وهؤلاء يكذبون بالبعث، فجاء لهم بأشياء تتعلق بنزع الأرواح، وتدبير الأمور، والمقادير، فأقسم بالنازعات التي تنزع أرواح الكافرين، والناشطات التي تَنشِط أرواح أهل الإيمان، والسابقات التي تبادر لأمر الله، وتنفيذه، والسابحات التي تسبح، والملائكة تسبح في الفضاء... إلى آخره، وأنهم سيبعثون، أن البعث أمر واقع لا محالة، كما يقول الفراء: لمعرفة السامعين به، فهو أمر مدرك، معلوم، والسياق يدل عليه، ويدل عليه أيضاً قرينة، وهي قوله: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ، فالسياق كله في قضية البعث، وجدال هؤلاء فيه.
وبعضهم يقول: إن الجواب هو قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى [سورة النازعات:26] يعني: في يوم القيامة، وذكر موسى وفرعون، لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى، لكن هذا فيه بُعد، الفاصل طويل، والذهن لا يربط بهذه الطريقة، والقرآن أوضح الكلام، وأبين الكلام، فيكون المقسم عليه حاضراً في أذهان السامعين.
وبعضهم يقول: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [سورة النازعات:15] هذا هو الجواب، هَلْ أتَاكَ يعني: قد أتاك، باعتبار أن الاستفهام تقريري، قد أتاك حديث موسى، وهذا أيضاً لا يخلو من بعد.
وبعضهم يقول: الجواب: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، وهذا كذلك أيضاً لا يخلو من بعد.
وبعضهم يقول: يحتمل أن يكون هناك تقديم وتأخير، يعني كأنه قال: فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ، وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وهذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الكلام الترتيب، ومهما أمكن حمل الكلام على الترتيب فلا يلجأ إلى دعوى التقديم والتأخير، وهنا يمكن حمله.
ابن القيم - رحمه الله - في كتابه التبيان في أقسام القرآن، في عدد من المواضع، يقول: لا يوجد جواب أصلاً، وإنما المقصود التنويه بهذه الأمور، ولفت النظر إليها، ويكفي هذا عن الجواب؛ لأنه يشعر به.
يعني ما دل عليه المذكور.
يعني على الطريقة التي يذكرها الآن ابن القيم بكلامه الأخير، أنه ما يحتاج إلى تقدير، يعني: ما يحتاج أن يقال: الجواب محذوف مقدر بـ لتبعثن، ابن القيم يقول: ما يحتاج، فإن ذلك يُستشف من هذه الأمور المقسم بها، فيصل المعنى إلى قلب السامع فيفهمه دون أن نقدّر.
"فإن المقسم به إذا كان دالا على المقسم عليه مستلزماً استغنى عن ذكره بذكره، وهذا غير كونه محذوفاً لدلالة ما بعده عليه، فتأمله."
ولعل هذا قول من قال: إنه إنما أقسم برب هذه الأشياء، وحذف المضاف، فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، فالإقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله"[3].
يعني ابن القيم يقول: إن السامع حينما يسمع هذه الأقسام يصل إلى فهمه المراد من هذه الأمور التي ذكرها الله على سبيل التعيين، والتخصيص، وَالنَّازِعَاتِ وَالنَّاشِطَاتِ إلى آخره، فيكون الكلام مشعراً بالمراد، وهو قدرة الله ، وعظمته، قدرته على بعث الأجساد.
هذه الزيادة من الأصل تركها المختصر وهي مهمة لابد من إضافتها.
- التبيان في أقسام القرآن (ص:139).
- المصدر السابق.
- المصدر السابق.