"قال المصنف - رحمه الله -: تفسير سورة الأعلى، هي مكية، نزلت قبل الهجرة، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا"[1].
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: هَلَّا صَلَّيْتَ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، والشَّمْسِ وَضُحاها، واللَّيْلِ إِذا يَغْشى[2]، وروىَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الْعِيدَيْنِ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [سورة الغاشية:1] وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَرَأَهُمَا جَمِيعًا[3].
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ ورواه ابْنُ مَاجَهْ، ولفظ مسلم وأهل السنن: "كان يقرأ في العيدين، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَقَرَأَهُمَا"[4].
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، وعبد الرّحمن ابن أَبْزَى، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الوتر بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [سورة الكافرون:1]، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص:1][5]، زَادَتْ عَائِشَةُ: وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ."
هذه السورة "سورة سبح" هكذا يقال اختصارًا، ويقال: سبح اسم ربك الأعلى، وتسمى أيضًا بسورة الأعلى كما هو مشهور في كتب التفسير، هذه السورة من السور المكية كما قال ابن كثير - رحمه الله -، واستدل عليه بحديث البراء، يعني أن أصحاب النبي ﷺ الذين هاجروا قبله يُقرئون الناس كمصعب بن عمير أقرءوهم فيما أقرءوهم هذه السورة قبل مهاجر النبي ﷺ، فهي من أوائل السور النازلة في مكة، بل جاء في بعض الروايات في ترتيب النزول، والروايات في ترتيب النزول التي فيها سرد سور القرآن بحسب نزولها لا يصح منها شيء، جاء أنها الثامنة في الترتيب في النزول، ويكفي أن نعرف أنها من السور المكية خلافًا لما قاله الضحاك من أنها نازلة في المدينة، وجاء عن بعض السلف أن السورة مكية، واستثنوا من ذلك قوله - تبارك وتعالى -: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [سورة الأعلى:14-15] باعتبار المعنى، يعني هم حملوا هذا تَزَكَّى على زكاة الفطر، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ على تكبير العيد، عيد الفطر فَصَلَّى يعني صلاة العيد، ومكة لم يكن فيها صلاة عيد، ولا زكاة فطر.
إذًا قالوا: هذا في المدينة، هاتان الآيتان نازلتان في المدينة، وهذا فيه نظر؛ لأن الآية قد تنزل قبل تقرير حكمها - يعني مقتضاها - أيًّا كان، سواء كان أمرًا، أو نهيًا، حلالاً، أو حرامًا، أو كان قضية تحدثت عنها حصلت في المدينة، قد تنزل قبل تقرير الحكم، وهذا له أمثلة، هذا لو فرضنا أن المعنى كما قيل.
الأمر الثاني: وهو أن هذه الزكاة المذكورة في الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ليس المقصود بها زكاة الفطر أصلاً، ولا الصلاة صلاة العيد، وإنما المقصود من زكى نفسه بالإيمان، وطاعة الله وجانبَ مساخطه من الكفر، والشرك، والنفاق، والمعاصي، والذكر يشمل ذكر القلب، واللسان والجوارح، وليست تكبيرات العيد، وليست الصلاة بصلاة العيد، ومن ثم يقال: هذه السورة هي سورة مكية، وهذا الذي عليه الجمهور من أهل العلم، هذه الروايات التي جاء فيها أن العيد إن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا المقصود أنه يقرأ في صلاة العيد بهاتين السورتين، ويقرأ بصلاة الجمعة بهاتين السورتين، هذا هو المراد.
موضوع السورة: هذه السورة افتتحت بالأمر بتنزيه الله - تبارك وتعالى - ذي القدرة الباهرة والصفات الكاملة، وبعد ذلك فيها وعد من الله لنبيه ﷺ بأن يقرئه، ولا ينسى ما أقرأه، ثم بعدها أمره بالتذكير، وذكَرَ الوعد، والوعيد لمن استجاب، ولمن امتنع، ثم بعد ذلك ذكر في آخرها أن هذا في صحف إبراهيم، وموسى بعدما قرر محبة الناس، وإيثار الناس للحياة الدنيا مع أن الآخرة خير وأبقى، هذا مجمل ما تدور عليه آيات السورة، ولو أردنا أن نصوغ ذلك بموضوع واحد فيمكن أن يقال: هذه السورة تنزيه لله - تبارك وتعالى - الذي أعطى هذا العطاء لنبيه ﷺ بالوحي، وهذه العِدة بأن لا ينسى، وهذا الوحي، أو هذه الرسالة أمر الله نبيه ﷺ أن يبلغها فوعد الله من استجاب، وأوعد من لم يستجب، وذكر علة ترك الاستجابة، هذه يمكن أن تكون خلاصة ما تدور عليه السورة - والله أعلم -.
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [سورة الأعلى:1 - 13].
روى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى[6]، وروى ابْنُ جَرِيرٍ عن أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، وَإِذَا قرأ: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [سورة القيامة:1] فَأَتَى عَلَى آخِرِهَا: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [سورة القيامة:40] يَقُولُ: سُبْحَانَكَ وَبَلَى[7]، وَقَالَ قَتَادَةُ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى[8]."
قوله - تبارك وتعالى -: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يعني نزِّهه عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، هذا هو المشهور في معنى التسبيح، وهو الغالب في الاستعمال، ولكن ورد في عبارات السلف تفسير التسبيح بالتعظيم كما جاء ذلك عن السدي مثلاً، سبح بمعنى عظم.
فالتسبيح يأتي بمعنى التنزيه، التقديس، التعظيم وما شابه ذلك، هنا سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى هذا في مقام ذكر الكمالات، يعني لا يوجد هنا تنزيه عن نقيصة ذُكرت، يعني في قوله مثلاً: وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا [سورة البقرة:116] ماذا قال؟، قال: "سبحانه" فهذا في مقابل ذكر نقيصة، فالتسبيح الوارد في القرآن تارة يكون في سياق ذكر صفات الكمال، وتارة يكون لدفع النقائص، ومن هنا نعلم أن قول القائل حينما تذكر صفات الكمال، ويثنى على الله بما هو أهله في دعاء القنوت، فيقول القائل: سبحانك، أن هذا لا إشكال فيه، فهذه صفات كمال متتابعة، والله يفتتح ذلك بالتسبيح، وكما في قوله - تبارك وتعالى - في مقام الإسراء والمعراج: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [سورة الإسراء:1] فهذا مقام ثناء على الله وتعظيم، وليس ثمّة ما ينزه ربنا - تبارك وتعالى - عنه، وهكذا في أوائل المسبحات، إلى غير هذا، وقد تكلمت على هذا المعنى في السنة الماضية في الكلام على آيات الصيام.
ولا بأس أن يقول الإنسان: سبحانك إذا سمع أوصاف الكمال، أو الثناء على الله الأمر في ذلك يسير، ومن سكت فلا إشكال، الأمر فيه سعة.
قوله - تبارك وتعالى -: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى هل المقصود تسبيح الاسم - تنزيه الاسم، تعظيم الاسم - أو المسمى؟ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ أو سبح ربك، الأمر هنا بتنزيه الاسم، أو تنزيه المسمى وهو الرب - تبارك وتعالى؟.
بعضهم يقول: الاسم هنا مقحم؛ لقصد التعظيم، يعني أن التسبيح متوجه إلى الرب فيكون المقصود به تسبيح الله يعني سبح ربك الأعلى، وكما يقول بعض أهل العلم كشيخ الإسلام - رحمه الله -، وغيره من أن المراد سبح ربك ذاكرًا اسمه، وأن المقصود ليس التنزيه في القلب، وإنما المقصود أن يجري ذلك على اللسان ذاكرًا اسمه، وبعض أهل العلم كابن جرير - رحمه الله - يقول: إن المراد تنزيه الاسم، نزه اسم ربك تعالى أن يُسمَّى به أحد سواه، يعني أن يسمى به معبود من هذه المعبودات الباطلة، أو أن يُسمَّى بشيء من الأسماء المختصة بالله أحدٌ من خلقه، الأسماء المختصة بالله مثل "الله" لا يسمى به المخلوق، "الرحمن"، "الحكم" إذا لوحظت فيه الصفة، الأسماء الأخرى لو سمي أحد بالعزيز، أو نحو ذلك لا بأس، لكن أن يُسمَّى بذلك شيء من المعبودات الباطلة فهذا من الكفر، ومن العظائم، والمنكرات الشنيعة، كما يقال: إن اللات اشتقت من الله، وإن العزى من العزيز، هكذا يقول بعضهم، وهذا ليس محل اتفاق في الاشتقاق - أصل التسمية -، وقيل غير هذا، فابن جرير - رحمه الله - على قوله هذا لا يكون ذكر الاسم مقحمًا، بل هو مقصود أن ينزه الاسم فلا يُسمَّى به أحد سواه، وهذا من الأسماء كما ذكرت، وبعضهم يقول: نزه تسميه ربك، "سبح اسم ربك": نزه تسميته، وذكره من أن تذكره إلا وأنت معظم له، خاشع، تقدسه، وتحترمه، هذا الاسم، وابن القيم - رحمه الله - له تعليق على هذا مفيد.
يعني حاصل كلام شيخ الإسلام وابن القيم التوسط بين القولين: من قال: إن الاسم مقحم، والمقصود سبح ربك، وقول من قال: المقصود الاسم نزه اسم ربك من أن يسمى به غيره، فهذا القول وسط أي يكون المقصود بالتسبيح هو الرب - تبارك وتعالى - على قول شيخ الإسلام، وابن القيم، ولكن ذكْر الاسم هنا مقصود بأي اعتبار؟ سبح ربك ذاكرًا اسمه؛ ليكون ذلك مما يجري على اللسان، فلا يكون ذكر ذلك كما يقال: إنها مقحمة هكذا، والمقصود للتعظيم مثلاً، يعني هم حينما يقولون: مقحمة، أو يقولون: زائدة هم لا ينكرون أن زيادة المبنى لزيادة المعنى، لكن يقولون: هذا لزيادة التعظيم، لكن شيخ الإسلام وابن القيم يقولون: لا، من أجل أن يذكر اسمه، سبحه ليس بقلبك بل ذاكرًا اسمه.
"وقال - رحمه الله -: "فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [سورة الواقعة:74] ولم تدخل في قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى؟.
قيل: التسبيح يراد به التنزيه، والذكر المجرد دون معنى آخر، ويراد به مع ذلك الصلاة، وهو ذكر، وتنزيه مع عمل"[10]."
نفس الصلاة يقال لها: تسبيح، وفي بعض المواضع في كتاب الله - تبارك وتعالى - فسر ذلك بالصلاة، بل فسر بأوقات الصلوات، ولذلك أيضًا يقال: سُبْحة الضحى، وقول ابن عمر - ا - في صلاة السنة الراتبة في السفر: "لو كنت مسبِّحًا لأتممت"[11]، فالصلاة يقال لها ذلك.
يعني يقصد أنه إذا عُدي بنفسه يكون المقصود به الذكر باللسان، التسبيح باللسان، وإذا عدي بالحرف بالباء مثلاً أو باللام فالمقصود به ما يكون في الصلاة.
وفي قوله - تبارك وتعالى -: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى هنا الروايات التي ذكرها من أنه كان إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: سبحان ربي الأعلى، "كان إذا قرأ" هذا ظاهره العموم، بمعنى أن ذلك يكون في الصلاة، وفي خارج الصلاة، ولا فرق، فإذا قرأ الإنسان هذا الموضع فإنه يقول ذلك ولو كان في الفريضة، وإذا قرأ خارج الصلاة فإنه يقول ذلك أيضًا، وهذه اللفظة تدل على هذا "كان إذا قرأ"، فيدل على أن ذلك يتكرر بتكرر القراءة، و"كان" تدل على الدوام، والاستمرار، وهنا في الرواية الأخرى يقول: إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: لا أقسم بيوم القيامة، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [سورة القيامة:40] قال: سبحانك فبلى، هذا هو الثابت أن يقول مثل هذا، أما المواضع الأخرى فلا تصح مثل "أليس الله بأحكم الحاكمين" يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، هذا لا يصح، لكن ثبت من قول الجن لما قرأ النبي ﷺ عليهم سورة الرحمن فكان إذا قرأ: فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [سورة الرحمن] يقولون: ما من شيء بآلائك ربنا نكذب فلك الحمد، والنبي ﷺ أخبر أصحابه بأن الجن كانوا أحسن مردودًا منهم لما قرأها عليهم؛ لأنهم سكتوا، ومن هنا يؤخذ منه أنه إذا قرأ: فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ أنه يقول مثل هذا، أو إذا قُرئت عليه أنه يقول ذلك، لكن كانت هذه القراءة خارج الصلاة، والنبي ﷺ ذكر هذا لأصحابه لما سكتوا فما أجابوا بجواب الجن.
وقوله - تبارك وتعالى -: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الأعلى هل هذه صفة للاسم، أو للرب؟.
الأرجح أنها صفة للرب - تبارك وتعالى - لاسيما على ما سبق من التفسير من أن المقصود تسبيح الرب - تبارك وتعالى -، ويدل على هذا المعنى - أن المقصود تسبيح الرب - أن النبي ﷺ كان إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: سبحان ربي الأعلى فهذا تفسير للمراد بقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فكان يقول: سبحان ربي الأعلى، إذًا "سبح اسم ربك" يعني سبح ربك، وذكر الاسم يمكن أن يكون كما قال شيخ الإسلام، وابن القيم: ذاكرًا اسمه، فكان النبي ﷺ يقول: سبحان ربي الأعلى، وعلى هذا يكون الأعلى من صفة الرب - تبارك وتعالى -، وبعضهم يقول: إن ذلك يرجع إلى الاسم، يعني من فسر قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ نزه اسمه، وأن الاسم هو المقصود قالوا: إن هذه الصفة - الأعلى - تعود إليه.
- رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:19]، برقم (4941).
- رواه البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طول، برقم (705)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم (465).
- رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (18383)، وقال محققوه: "حديث صحيح".
- رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، برقم (878)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقرأ به في الجمعة، برقم (1122)، وأحمد في المسند، برقم (18409)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير حبيب بن سالم، فمن رجال مسلم، عفان: هو ابن مسلم الصفار، وأبو عوانة: هو الوضاح بن عبد الله اليشكري"، وقال الشيخ الألباني: "إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في "صحيحه"، في صحيح أبي داود برقم (1027).
- رواه أحمد في المسند، برقم (2725)، وقال محققوه: "حديث صحيح"، وبرقم (2776)، وقال محققوه: "حديث صحيح"، وبرقم (15354)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
- رواه أبو داود، باب تفريع أبواب الركوع والسجود، باب الدعاء في الصلاة، برقم (883)، وأحمد في المسند، برقم (2066)، وقال الألباني: "حديث صحيح، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي"، في صحيح أبي داود، برقم (826).
- انظر: تفسير الطبري (23/528).
- انظر: تفسير الطبري (24/310)، ورواه أبو داود، باب تفريع أبواب الركوع والسجود، باب الدعاء في الصلاة، برقم (883)، وأحمد في المسند، برقم (2066)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (826)، وفي صحيح الجامع، برقم (4766).
- بدائع الفوائد (1/19).
- المصدر السابق (1/20).
- رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (689).
- بدائع الفوائد (1/20).