الجمعة 15 / شوّال / 1447 - 03 / أبريل 2026
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

"وقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ أَيْ يَا مُحَمَّدُ فَلا تَنْسى وَهَذَا إخبار من الله تعالى، وَوَعْدٌ مِنْهُ لَهُ بِأَنَّهُ سَيُقْرِئُهُ قِرَاءَةً لَا يَنْسَاهَا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْسَى شَيْئًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: "فَلا تَنْسى" طلب، و مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى هَذَا مَا يَقَعُ مِنَ النسخ، أي لا تنسى ما نقرئك إلا ما يشاء اللَّهُ رَفْعَهُ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَتْرُكَهُ."

يعني كان النبي ﷺ كما جاء في الحديث: يقرأ مع جبريل أثناء الوحي يخاف أن ينسى شيئًا منه، فوعده الله بهذا: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ۝ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ فهل الاستثناء هنا متصل أنه ينسى شيئًا مما أقرأه إياه؟ أو أنه استثناء منقطع؟

بعض أهل العلم يقول: إن هذا الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ من أعم المفاعيل سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ۝ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ، يعني لا تنسى مما تقرؤه شيئًا إلا ما شاء الله أن تنساه، هل شاء الله، أو يشاء أن ينسى شيئًا؟ بعض أهل العلم يقولون: الله لم يشأ أن ينسى شيئًا لكن التعليق هنا على المشيئة من باب أن كل شيء لا يكون إلا بمشيئة الله كقوله - تبارك وتعالى - عن أهل الجنة: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [سورة هود:108]، وقال عن أهل النار: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [سورة هود:107]، فهنا هم خالدون فيها قال: إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ فكل شيء بمشيئته، لكنه لم يشأ - تبارك وتعالى - أن يخرجوا بل حكم بخلودهم، وبقائهم، فهنا على قول بعض أهل العلم كالفراء جعلوها كآية هود أن كل شيء بمشيئته لكنه لم يشأ أن ينسى شيئًا مما أُقرئ، وبعضهم يقول: الاستثناء هنا مراد، يعني إلا ما شاء ربك أن تنساه فتذكره بعد ذلك، يعني النبي ﷺ فيما يوحى إليه لا ينسى شيئًا من ذلك إطلاقًا قبل البلاغ، لكنه إذا بلّغ الأمة وحفظت الأمة هذا الوحي قد يعرض له النسيان؛ ولهذا صلى النبي ﷺ فأسقط آية وقال: هلا أذكرتَنيها[1]، فهذا يرِد قد ينسى بعد البلاغ، ولكنه يتذكر، ولكن كثير من أهل العلم حملوا هذا قالوا: إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ يعني ما شاء أن تنساه مما نسخ، ورفع، فهذا لا حكم له، وهذا الذي اختاره ابن جرير - رحمه الله -، وقريب من هذا قول من قال: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ۝ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ: لا تترك العمل به إلا ما شاء الله مما نسخ، فسروه هنا بالعمل، ولكن هذا الذي استُثني يكون من قبيل ما نسخ، وبعضهم يقول: إلا ما شاء الله أن يؤخر سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ۝ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ أن يؤخر إنزاله، وهذا بعيد، وأبعد من هذا - والله أعلم - قول من قال: إن "لا" ناهية ينهاه أن ينسى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى لكن هذا بعيد؛ لأنه إذا نظرت إلى الرسم تجد أن حرف العلة مثبت، ولو كان الفعل مجزومًا لحذف حرف العلة، فـ "لا" هذه ليست ناهية؛ لأنها لم تجزم الفعل، والذين فسروا النسيان بما لا يملكه الإنسان - ليس بيده - قالوا: لا تغفل عن قراءته، فسروه بهذا، لكن هذا بعيد - والله أعلم - والذي عليه كثير من أهل العلم، واختيار ابن جرير أن المقصود سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ۝ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ مما رفع، ونسخ، ويلي هذا القول قول من قال كالفراء: أن سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ۝ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ كقوله: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ فالله لم يشأ أن يقع شيء من النسيان - والله أعلم -.  

" وَقَوْلُهُ تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى أَيْ: يَعْلَمُ مَا يَجْهَرُ بِهِ الْعِبَادُ، وَمَا يُخْفُونَهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَأَفْعَالِهِمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ."

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ما يجهر به العباد وما يخفونه، أي محيط بذلك كله، فيدخل فيه ما قيل من الجهر بالقراءة، أو الصدقة، أو نحو ذلك، يعني السلف يفسرون كما سبق بالمثال، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى من القراءة، أو الصدقة، أو الأعمال، أو الأقوال، أو كل ذلك، فالله - تبارك وتعالى - قد عمم ذلك فلا يحمل على بعض المعنى، وكما سبق في تطبيقات التدبر في ذكر الجهر من كلام ابن هبيرة - رحمه الله - من أن الأصوات إذا تعالت، واختلطت فإن ذلك مظنة أن لا يفهم ولا يعي السامع ما يقال، والله يعلم ذلك جميعًا، هكذا قال، والله - تبارك وتعالى - يخبر أنه يعلم ذلك جميعًا فهو عنده سواء، بمعنى لا يخفى عليه شيء من الجهر، والإسرار.

  1. رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (13216)، عن سالم عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ صلى صلاة فأُلبس عليه فيها، فلما انصرف قال لأبي بن كعب: أصليت معنا؟، قال: نعم، قال: فما منعك أن تفتح عليّ؟".