هذا الموضع فيه كلام معروف لأهل العلم حيث إن الله - تبارك وتعالى - أمر بالتذكير، وجعله مقيدًا بهذا، إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى فما المراد بذلك؟ ابن كثير يقول: ذكِّر حيث تنفع التذكرة، كلام ابن كثير - رحمه الله - فيه نوع من الإجمال هل المقصود حيث تنفع فإن لم تنفع، أو غلب على الظن أنها لا تنفع فإنك لا تذكر؟ هذا فهمه بعض أهل العلم، لماذا خص هذه الحال إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى؟ هل هذا مراد؟
فبعضهم قال: نعم إذا نفعت يذكر، وإن كانت لا تنفع فإنه لا يذكر، ومن ثم قالوا: لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يوجه الخطاب والدعوة إلى من يظن أنه لا يقبل، فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى قالوا: إذا ظننت أنه لا يقبل، ولا ينتفع لا يجب عليك أن تأمره وأن تنهاه وأن تعلمه وأن تنصحه، وأن تكلمه وأن تخاطبه، لا يجب عليك، هذا قال به بعض أهل العلم، والأرجح خلاف ذلك، ولهذا قال جمع من أهل العلم وذكر هذا الواحدي والجرجاني والفراء والنحاس وصاحب التفسير الكبير وغير هؤلاء، قالوا: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى يعني أو لم تنفع، طيب لماذا اقتصر على إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى؟ قالوا: اقتصر على الأشرف، يعني لاحتمال الأكمل، وهو إن نفعت لكن، وإن لم تنفع فيذكر؛ ولهذا أمر الله موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - أن يذهبا إلى فرعون فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [سورة طـه:44] مع أن الله يعلم أنه لا يتذكر، ولا يخشى، والله قال لنبيه ﷺ: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشعراء:214] مع أن بعض هذه العشيرة لا يقبلون، وكان منهم أبو لهب عم النبي ﷺ الذي كان يؤذيه، ويسير معه في بعض أسواق العرب يسير خلفه فيقول: لا تصدقوه فإنه كذاب، ومع ذلك أمر بأن ينذر هؤلاء، فالأمر، والنهي، والإنذار، والدعوة توجه للجميع من يقبل ومن لا يقبل، فمن يقبل فإنه ينتفع ويهتدي، ومن لا يقبل تكون الحجة قد أقيمت عليه، ويكون الإنسان قد أبرأ ذمته، وألقى التبعة عن كاهله؛ لأنه سيحاسب على عدم البلاغ، ثم هذا الباطل، أو المنكر إنما يفشو حيث يجهل هؤلاء الناس، لم يعد من يذّكر ولا يأمر، ولا ينهى، يقول: ما يقبلون، كيف يعرفون إذًا الحق من الباطل؟، وكيف تقوم عليهم الحجة؟، ولهذا في قصة القرية التي قص الله فيها خبر بني إسرائيل الذين كانوا يعدون في السبت، فانقسموا إلى هذه الأقسام الذين يأمرون وينهون، الطائفة الأخرى لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [سورة الأعراف:164] فأجابت الطائفة الأولى: قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ نحن نفعل ذلك إعذارًا إلى الله - تبارك وتعالى - ولما حصل بعد ذلك مسْخ هؤلاء، وحصلت العقوبة لهم ماذا قال: أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ [سورة الأعراف:165]، والطائفة الثالثة التي سكتت ما كانت تشارك سكت عنهم، العلماء يقولون: سكت عنهم؛ لأنهم لا يستحقون الذكر أصلاً مع اختلافهم هل نجوا، أو أنهم ما نجوا، ابن عباس كان يرى أنهم مسخوا، يقول عكرمة: فما زلت به حتى تبين له أنهم نجوا، لكن ترك ذكرهم؛ لأنهم لا يستحقون التنويه بالذكر - الذين سكتوا - فالمقصود أن هؤلاء كانوا في حال من اليأس لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا لا يقبلون، فالمراد فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى أن ذلك يعني حيث نفعت، أو لم تنفع، وبعض أهل العلم يقول: هذا مخصوص بقوم معينين، ولا دليل عليه، بل هي عامة، فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى وقد يكتفى بالأشرف، أو بأحد النوعين ليدل على الآخر، وهذا أنواع وكثير كقوله تعالى: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [سورة النحل:81] ما ذكر البرد، هي تقيهم البرد، ذكر أحد النوعين ليدل على الآخر - والله أعلم -.