شرح حديث أنس رضي الله عنه "ليْسَ عَلَى أَبيكِ كرْبٌ بعْدَ اليَوْمِ"
عدد الزوار : 11404
تاريخ الإضافة : 7 ذو القعدة 1425
MP3 : 5415 kb
PDF : 942 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث أنس -رضي الله عنه- "ليْسَ عَلَى أَبيكِ كرْبٌ بعْدَ اليَوْمِ"

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فعن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: لمّا ثَقُل النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل يتغشاه الكرب.

هنا ضبطها ثَقُل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والذي يحضرني أنه لما ثُقِل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضم الثاء، يعني: اشتد عليه وطأة المرض، وسكرات الموت، ثُقِل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي: كان في حال الاحتضار، وما يعانيه الإنسان من سكرات الموت.

يقول: جعل يتغشاه الكرب، والكرب: هو الشدة، فقالت فاطمة -رضي الله عنها-: واكرب أبتاه، فقال: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)) فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة -رضي الله عنها-: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب؟([1]) رواه البخاري.

الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب الصبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أكرم الخلق على الله، فهو خليل الرحمن، ومع ذلك كان ينزل به -صلى الله عليه وسلم- من الشدة، والبلاء، والمرض ما يزيد على غيره من الناس، حتى إنه -صلى الله عليه وسلم- لما قيل له: إنك لتُوعَك، أخبرهم أنه يضاعف له ذلك، فيصيبه من الألم والشدة ضعف ما يصيب غيره من الناس([2]).

ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدد عليه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه"([3])، أو كما قال -عليه الصلاة والسلام.

فشدة البلاء وشدة المرض، وشدة المصيبة لا تعني هوان العبد على ربه -تبارك وتعالى-، وإنما الله -عز وجل- يشدد عليه في البلاء ليرفعه في الدرجات العالية في الجنة، وليحط عنه الخطايا، ولذلك نهى النبي    –صلى الله عليه وسلم- عن سب الحمى، وأخبر أنها تنفي الذنوب وتحطها كما ينفي الكير خبث الحديد([4]).

ولذلك ينبغي للإنسان إذا أصابه المرض أن لا يجزع ولا يتسخط ولا يضجر، ولا يرى منه ربه شيئاً يكرهه، وإنما يكون حامداً ذاكراً شاكراً، يحتسب ذلك عند الله -عز وجل-، والله يجزيه عليه أفضل الجزاء.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- مع شدة ما كان ينزل به صابراً، ولم تحتمل فاطمة -رضي الله تعالى عنها-، فقالت: واكرب أبتاه.

فلم يتضجر -صلى الله عليه وسلم- ولم يتسخط، ولم يتبرم، وإنما صبر واحتسب، ولهذا هون عليها -صلى الله عليه وسلم- وسلاها بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم))، وذلك يعني أن الإنسان يتسلى، فهي مدة قصيرة جداً، ثم بعد ذلك يئول إلى رضا الله -عز وجل-، وإلى جناته، وإلى نعيم مقيم، فإذا عرف الإنسان قصر المهلة والمدة وأن ذلك شيء عابر يطوف به، ثم بعد ذلك يصير إلى رضوان الله -جل جلاله- والأجر والمثوبة فإن ذلك يهوّن عليه ما نزل به من البلاء.

المشكلة أن يكون البلاء متعاقباً متتابعاً، يلاقي الإنسان ما يلاقيه من الشدة، والمرض، ويضجر، ولا ينفعه الضجر، ثم يئول إلى سخط الله -عز وجل- وعذابه ومقته، هذا هو الشيء الصعب، غاية الصعوبة على النفوس.

قالت: "واكرب أبتاه" وهذا ليس من الضجر، إنما هي كلمة قالتها في مثل ذلك الموقف دون رفع صوت، ولا نياحة، ولا إظهار للضجر.

فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)) يهون عليها، ويخفف عنها، مع أنه يعاني ما يعاني، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن للموت سكرات))([5]).

وكان -صلى الله عليه وسلم- يُغشى عليه ثم يفيق، ويغشى عليه ثم يفيق، وأمرهم -صلى الله عليه وسلم- أن يصبوا عليه من سبع قرب من سبع آبار من آبار المدينة، فالمقصود: أنه عانى -صلى الله عليه وسلم- ما عاناه من الشدة عند الموت، فما يلاقيه الإنسان من الشدة عند الموت لا يدل على انحطاط مرتبته، وهوانه على ربه، بل يكون ذلك رِفعة لدرجاته وتكفيراً لسيئاته.

قالت: "يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه" ليس ذلك أيضاً من النياحة، إنما النياحة هي رفع الصوت بالبكاء، وفاطمة لم يصدر عنها -رضي الله تعالى عنها- شيء من ذلك، إنما قالت مثل هذه المقولة، فإذا قال الإنسان ذلك من غير رفع للصوت، ولا ضجر فإن ذلك ليس من النياحة في شيء.

هل تجوز مخاطبة الميت؟ قالت: يا أبتاه، وأبو بكر -رضي الله عنه- كشف عن وجهه -صلى الله عليه وسلم- وقبله بين عينيه، وقال: طبت يا رسول الله حياً وميتاً([6]).

فهذا من مخاطبة الميت، فما الذي يصح من ذلك؟ وما الذي يمنع منه؟

يقال: في مثل هذا المقام لا بأس بذلك، كأن تقول: السلام عليك يا رسول الله، إذا زرت قبره، أو مات لك ميت فقلت: نرجو لك الخير عند الله -عز وجل-، نرجو أن تكون من عباد الله الصالحين، أو لطالما كنت واصلاً للرحم، عاطفاً على الفقراء، متقرباً إلى الله، قواماً لليل، صواماً للنهار، هذا لا إشكال فيه، ولا بأس به.

والذي يمنع من مخاطبة الميت: أن تعرض عليه مشاكل الأمة مثلا، أو يعرض عليه الإنسان مشاكله، أو نحو ذلك وإن كان يقصد أن الله هو الذي يجلو عنه ذلك ويرفعه، نقول: لا تشرع مخاطبة الميت.

وينبغي للناس أن يلجئوا إلى الله -عز وجل-، وأن يجتهدوا في العمل الصحيح الصالح، لدفع ما نزل بهم من الكربات والبلاء، لا أن يعرضوا مشاكلهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويخاطبوه بذلك.

فهناك فرق بين أن تقول: رحمك الله، لقد كنت واصلا للرحم، وبين أن تقول: يا فلان نزلت بنا شدائد، ونزلت بنا كروب بعدك، ونزلت بنا مصائب، ونزلت بنا أمراض، ومات فلان، وتفرقت الأسرة، فهذا لا يصلح.

ففاطمة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "يا أبتاه، أجاب رباً دعاه" وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده))([7]).

وكان يقول -صلى الله عليه وسلم- عند النزع: ((الرفيق الأعلى))([8]).

قالت: "أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه" فإذا سأل الإنسان ربه فإنه يكون عالي الهمة، ويقول: اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى، والفردوس أصله في كلام العرب هي الجنة، البستان الذي فيه من كل الثمر، من كل أنواع الثمار الموجود في البساتين.

قالت: "يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه" النعي: أصله بمعنى الإخبار بموت الميت، أي: نرفع خبر موت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى جبريل الذي كان يأتيه بخبر السماء، ويتردد عليه، كأنها تقول: نخبره بموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

والنعي نوعان: نعي محرم، ونعي جائز، والنعي المحرم هو الذي كان عليه أهل الجاهلية، لا من أجل الصلاة عليه، وإنما فقط على سبيل المباهاة والمفاخرة، ولا يبعد منه ما يحصل في الصحف اليوم من النعي على سبيل المباهاة والمفاخرة.

فلما دفن قالت فاطمة -رضي الله عنها-: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب؟

قالت ذلك من شدة ما تجد، وإلا هي تعلم أن هذا هو العمل المشروع في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي حق غيره، وقد علم ذلك أصحابه -صلى الله عليه وسلم- وتلقاه الناس قبل ذلك، كما حصل في قصة ابنيْ آدم، فهذه هي سنة الحياة، أو سنة الله -عز وجل- في خلقه، أن يتدافنوا، ولا يُترك الميت عرضة للآفات وما أشبه ذلك، وإنما يكرم بدفنه، ويعجل له في ذلك، ومَن دفنه فإنه يؤجر على هذا العمل.

هذا، وأسأل الله -عز وجل- أن يلحقنا به -صلى الله عليه وسلم-، وأن يحشرنا في زمرته، وأن لا يفتنا بعده، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


 

[1]- أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- ووفاته (4/1619)، رقم: (4193).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض (5/2138)، رقم: (5323).

-3 قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، حتى يبتلى العبد على قدر دينه ذاك، فإن كان صُلْب الدين ابتلي على قدر ذاك))، أخرجه أحمد (3/128)، رقم:(1555)

[4]- عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل على أم السائب -أو أم المسيب- فقال مالك يا أم السائب -أو يا أم المسيب- تزفزفين؟ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: ((لا تسبي الحمى، فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها (4/1993)، رقم: (2575).

[5]- أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت (5/2387)، رقم: (6145)

[6]- أخرجه أحمد (1/198)، رقم: (18).

[7]- أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة (3/1417)، رقم: (3691).

[8]- أخرجه البخاري، باب مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- ووفاته (4/1613)، رقم: (4172)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في فضل عائشة -رضي الله تعالى عنها- (4/1893)، رقم: (2444).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about