شرح حديث ابن عباس رضي الله عنه " ألاَ أريكَ امْرَأَةً مِن أَهْلِ الجَنَّة؟"1
عدد الزوار : 4855
تاريخ الإضافة : 29 ذو القعدة 1425
MP3 : 5380 kb
PDF : 960 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث ابن عباس -رضي الله عنه- " ألَا أريكَ امْرَأَةً مِن أَهْلِ الجَنَّة؟"1

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فتحدثنا عن شيء من ترجمة عطاء بن أبي رباح -رحمه الله-، وهو الذي قال: قال لي ابن عباس -رضي الله عنهما-: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟، فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء.

وهذا يؤخذ منه أن الشهادة لأحد بالجنة أو بالنار، أو بالنجاة أو الهلاك الأخروي يصح فيما شهد له الشارع، بمعنى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خير تلك المرأة بأن تصبر وأن يكون لها الجنة كما سيأتي، أو أن يدعو لها فلا تصرع، فاختارت الصبر، فدل ذلك على أنها اختارت الجنة، وأنها موعودة بذلك على لسان الشارع، فهذا يدل على أنه يجوز أن يُشهد للمعين بالجنة أو بالنار إذا كان الشارع قد شهد له بهذا.

وما عداه هل يجوز أن يُشهد لأحد معين بجنة أو بنار؟ بالنسبة للشهادة للإنسان بالجنة يُرجى للمحسن الخير والأجر والثواب وحسن العاقبة، ويُخاف على المسيء، ولكن الشهادة بذلك والقطع به عامة أهل العلم يقولون بأنه لا يُشهد إلا لمن شهد الله تعالى له، أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- كالعشرة المبشرين بالجنة، ومن كان في حكمهم ممن شهد له الشارع، وقال بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: إنه يصح أن يشهد لمن استفاضت خيريته في الأمة، وتواتر ذلك عندهم، بمعنى: أنه عرف على لسان الأمة بالصلاح والفضل والخير، ولو لم يشهد له الشارع، كعمر بن عبد العزيز -رحمه الله- مثلاً، فمثل هذا قد يقول قائل: نستطيع أن نشهد لمثله بالجنة بعينه.

ومن الصعوبة بمكان أن تشهد لمعين بأنه في النار، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ((حيثما مررتَ بقبر مشرك فبشره بالنار))([1])، ونحن لا نشك في أن كل من مات على الكفر أنه من أهل النار، لكن العلماء يقولون: إننا لا ندري حينما مات هذا الإنسان هل ختم له بالكفر أو أنه أسلم واهتدى قبل موته؟ وبالتالي فالشهادة عليه بالنار فيها هذا التردد والحرج، ومن أهل العلم من أخذ من عموم الحديث: ((حيثما مررتَ بقبر مشرك فبشره بالنار))، فقال هذه شهادة لمعين، هذا قبر كافر.

هذا فيما علمنا أنه قد مات على الكفر، أما في الحياة فقطعاً لا نستطيع أن نشهد له بالنار، ولا نستطيع أن نقول: إن فلاناً من الكفار من أهل النار؛ لأنه قد يسلم، لا على أن ذلك من تصحيح مذهبه أو الشك في كفره، أو أن هذا الإنسان على هدى، أو أنه مؤمن، فهو كافر، وإن مات على ما هو عليه فهو من حطب جهنم، لكننا لا ندري هل يختم له بالكفر، أو أن الله يفتح على قلبه فيهديه إلى الإسلام كما أسلم كثيرون ممن حاربوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعلوا ألوان الموبقات، وقتلوا أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومع ذلك هداهم الله إلى الإسلام فأسلموا، فالمسألة ينظر إليها بهذا النظر في الحكم على المعين، وإلا فإن أهل الإيمان ناجون عند الله -عز وجل-، هذه الأمة المرحومة بطوائفها الثلاث، {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] منهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد وهو الذي يفعل الواجبات ويترك المحرمات فقط، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، قد يحصل لهم تعذيب، ولكن عاقبتهم إلى الجنة، هذا في الجملة.

كذلك أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعمر في أهل بدر: ((أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم))([2])، وكذلك أهل بيعة الرضوان، كما قال الله -عز وجل-: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] رضِيَ عنهم، وإذا رضي الله عن عباده فإنه يسكنهم دار كرامته ورحمته وهي الجنة.

فالمقصود أن ابن عباس –رضي الله عنهما- أراه هذه المرأة، امرأة من أهل الجنة، وليس ذلك من التزكية المذمومة؛ لأن ذلك كان بتزكية الشارع، الله يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49]، ويقول عن أولائك الأعراب: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، ويقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} [النجم:32]، فالتزكية للنفس أمر مذموم، إلا في حالات قليلة يُحتاج معها إلى ذلك.

قال: فقلت: بلى، وهذا أمر لا غرابة فيه، أن الإنسان يريد أن يرى إنساناً من أهل الجنة يمشي على الأرض، ليتخلق بأخلاقه، ويستن بسنته، ويعمل بعمله، ويقتدي به.

 فقال: هذه المرأة السوداء، لاحظوا هذه المرأة قد لا يعبأ بها، امرأة غير معروفة حتى إنه لم يسمها باسمها، ولم تعرف بكثير صيام ولا صلاة، ولا بإنجازات عظيمة، وخدمات هائلة لهذا الدين وأهله، إنما هو على شيء واحد يختص بها، وهو صبرها على بلاء نزل بها، ليس ثمّة عمل من صلاة وصيام ومسابقة بالخيرات وبذل للملايين ونصرة للدين، نحن نفهم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: من يجهز جيش العسرة؟، فقام مرة وثانية وثالثة، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم))([3])، فقد قام بأعمال كبيرة جداً.

وأبو بكر قام بأعمال كبيرة جداً، أسلم على يده جمع من المبشرين بالجنة فضلاً عن غيرهم، قال رسول الله   -صلى الله عليه وسلم-: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن صاحبكم خليل الله))([4]).

فهناك أناس لهم أعمال جليلة، لكن هذه المرأة لم يعرف لها عمل كبير، وبهذا نعرف أن الجنة أبواب، وأن طرق الخير كثيرة جداً لا تنحصر، فقد يكون بابك الذي تدخل منه الجنة هو بلاء ابتليت به فصبرت عليه، مع أنك لم تكن صواماً قواماً، وهذا من لطف الله -تبارك وتعالى- بهذه الأمة، فالناجون كثير، وقد تنوعت أسباب نجاتهم.

قال: هذه المرأة السوداء، المقاييس ليست بالألوان، السواد لون من الألوان، لا فضل لأحمر على أصفر، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، بلال -رضي الله تعالى عنه- كان أسود البشرة، لكنه خير من أبي لهب ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم- القرشي، وخير من أمية بن خلف، وخير من هؤلاء الكبراء العظماء الذين هم من حطب جهنم.

فليس المقياس عندنا هو قضية اللون، أو النسب، أو ما يدخره الإنسان في أرصدة من الملايين أو المليارات، أو ما يلبسه من الثياب، أو جمال الهيئة وحسن البشرة، أو صحة الجسم أو نحو ذلك، فالعبرة بصلاح قلب الإنسان، وصلاح عمله، وصلاح حاله، وسلوكه إلى الله -عز وجل- طريق النجاة.

فهذه المرأة أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إني أصرع، والصرع معروف هو اعتلال يصيب الإنسان تارة بسبب أورام في الدماغ، وتارة يكون بسبب أبخرة تتصاعد إلى الرأس -إلى الدماغ-، وتارة يكون ذلك بسبب مس الجن والشياطين، كما قال الله -عز وجل- عن المرابين: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]، والتخبط هو الضرب على غير استواء.

والأمر الذي أقلق هذه المرأة لا يبدو أنه مجرد الصرع، قالت: وإني أتكشف، وهذا يدل على وفور التقوى في قلبها مع أنها غير مؤاخذة، فهي حينما تصرع تضطرب في حركتها اضطراباً شديداً، ولربما احتاجت إلى من يضبطها حتى لا تؤذي نفسها، كما هو مشاهد، لكن الأمر الذي أرقها أنها تتكشف، والمرأة محلها الستر، فأين هذه المرأة عن أولائك النسوة اللاتي يتكشفن عن قصد وتعمد؟ تظهر أجزاء كبيرة من جسدها في مناسبة وغير مناسبة.

بل أين هذا من أولائك النسوة اللاتي تضع الواحدة منهن ثيابها في غير بيت زوجها؟ لربما في مواضع كما يقال: الحمامات النسائية، حمامات البخار، وهي مواضع تضع فيها المرأة ثيابها في غير بيت زوجها، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أيُّما امرأةٍ وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ما بينها وبين الله))([5])، مواطن الرِّيَب تأتي عند الكوافير البنت تريد أن تتزوج -لربما ما رأتها الشمس- وتكشف عن عورتها المغلظة، من أجل التجمل والتزين، هل هذا يعقل؟ ولولا أن ذلك قد تواتر لا يصدق به أحد، الرجل يستحي أن تُرى ساقه، فكيف بالمرأة التي محلها الحياء والحشمة؟

نقف عند هذا الموضع، وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


 

[1]- أخرجه ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة قبور المشركين (1/501)، رقم: (1573).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره (5/2309)، رقم: (5904)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- باب من فضائل أهل بدر -رضي الله عنهم- وقصة   حاطب بن أبي بلتعة (4/1941)، رقم: (2494).

[3]- أخرجه الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب في مناقب عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (5/626)، رقم: (3701).

[4] - أخرجه الترمذي،  كتاب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (5/609)، رقم: (3661).

[5] - أخرجه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب دخول الحمام (2/1234)، رقم: (3750)، وأحمد (43/329)، رقم: (26304).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about