الإثنين 22 / ذو القعدة / 1441 - 13 / يوليو 2020
18 – منهاج السنة. القواعد 227-238
تاريخ النشر: ١٣ / ربيع الأوّل / ١٤٣٣
التحميل: 3996
مرات الإستماع: 2433

الحمد لله، والصلاة، والسلام على رسول الله، أما بعد:

فعل الحسنات له آثار محمودة في النفس، وفي الخارج، وكذلك السيئات، والله تعالى جعل الحسنات سبباً لهذا، والسيئات سبباً لهذا، كما جعل أكل السم سبب للمرض، والموت، وأسباب الشر لها أسباب تُدْفَعُ بمقتضاها، فالتوبة، والأعمال الصالحة يمحى بها السيئات، والمصائب في الدنيا تكفر بها السيئات.

فهذا شروع من المؤلف -رحمه الله- أعني: شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام على مسائل تتعلق بالقدر، ونحن عرفنا من قبل بأن الرافضي تكلم في مسائل تتعلق بالإمامة، وقضايا تتصل بالصحابة، والصفات، والقدر، ومن ثم فإن المصنف -رحمه الله- أعني: شيخ الإسلام رد عليه في مثل هذه الأبواب، فجاء كتاب "منهاج السنة" منتظماً لقضايا في أبوابٍ متعددة، وليس فيما يتصل بأبواب الإمامة، والتشيع، وما إلى ذلك.

فالمؤلف يتكلم في قضايا تتعلق بالقدر في كتابه الذي كتبه لذلك الملك، ويلمز أهل السنة في قولهم: بأن الله خلق أفعال العباد، ويرتب على هذا أموراً قصد منها الوقيعة في أهل السنة، والتنفير من مذهبهم الذي هو الإسلام الذي جاء به الرسول ﷺ فهو يشنع عليهم هذا الرافضي، ويقول: إنهم يقولون: بكذا، وكذا، وهذا يقتضي كذا، وهذا يلزم منه كذا في مسائل في القدر، فشيخ الإسلام يرد عليه، وهذا في ضمن هذه الردود التي ردها، قال مثل هذا الكلام عند الكلام على دخول المعاصي في القدر، فعل الحسنات له آثار محمودة في النفس، وفي الخارج، وكذلك السيئات، والله تعالى جعل الحسنات سبباً لهذا، والسيئات سبب لهذا، كما جعل أكل السم سبباً للمرض، والموت، وأسباب الشر لها أسباب تُدْفَعُ بمقتضاها، فالتوبة، والأعمال الصالحة يمحى بها السيئات، والمصائب في الدنيا تكفر بها السيئات.

فيقول هذا كله بقدر الله في الحسنات، والسيئات، ولكن الله -تبارك وتعالى- جعل هذه الأمور المقدرة، منها ما يكون مدركاً في العقول حسنه، ومنها ما يكون مدركاً في العقول قبحه، ومنها ما يكون سبباً للآلام، والشرور، ومنها ما يكون سبباً للذات، والمسرات، والنعيم، والجنة، وما إلى ذلك، هذا يحصل هذه الآثار للحسنات، والسيئات تحصل في الدنيا، وتحصل في الآخرة، يقول: كما أن الأشياء التي خلقها الله -تبارك وتعالى- غير عن أعمال العباد، منها ما يكون سبباً لهذا، ومنها ما يكون سبباً لهذا، فيقول: أكل السم مثلاً جعل الله فيه مثل هذه الخاصية، وأودعها فيه، وخلقها فيه، فكان تعاطيه سبباً الهلكة، كما أن في الترياق، أو الدواء يكون تعاطيه من أسباب الشفاء، فكل هذا حاصل، فالشرور لها أسباب، وأيضا اللذات لها أسباب، والعقل يدرك جملة من ذلك، فكون الله قدر السيئات، ورتب عليها العقاب، وما إلى ذلك، وقدر الحسنات، ورتب عليها الثواب، كل ذلك لا يقدح في القدر، ولا في حكمة الرب فالله قدرها، وخلقها، وأعطى الإنسان قدرة، وإرادة، ومشيئة لا تخرج عن قدرة الله وإرادته، ومشيئته وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [سورة الإنسان:30] فهذا حاصل كلامه -رحمه الله- وكلامه طويل في هذا الباب.

ومن العلوم علوم لو علمها كثير من الناس؛ لضرهم ذلك، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وليس إطلاع كثير من الناس، بل أكثرهم على حكمة الله في كل شيء نافع لهم، بل قد يكون ضاراً، قال تعالى: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [سورة المائدة:101].

من العلوم علوم لو علمها كثير من الناس لضرهم ذلك، أما العلوم الضارة المعروفة، فهذا لا إشكال فيه لا ينازع فيه أحد، كالسحر، والعلوم التي يتعلم الناس منها الشر، والجريمة، والفساد، والإفساد في الأرض، فهذه متفق على أنها ضاره، لكن أيضاً من العلوم ما يكون ضاراً بالنسبة لبعض الناس، كما هو معلوم ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة[1]، ولهذا كان بعض السلف لا يحدث بالأحاديث التي قد يفهم منها الخروج على السلطان؛ لما يؤدي ذلك من الشر، والفتنة، بل كان بعضهم كالإمام مالك -رحمه الله- لا يحدث بأحاديث تتصل بالصفات؛ لئلا يفهم من ذلك غير المراد عن الشارع، بصرف النظر هل يوافق على هذا، أو لا يوافق، فجمهور أهل السنة كانوا يحدثون بأحاديث الصفات، عامة أهل العلم، من السلف فمن بعدهم، كانوا يحدثون بها، لكن ليس المقصود الآن تحقيق المسألة هذه، في هذا المثال المعين، هل يحدث بها، أو لا يحدث بها، المقصود أن هذه المسألة تختلف بحسب أحوال الناس، فمن الناس من يضره مثل هذا العلم، والمعرفة، ولو كانت صحيحة، فلا يحدث بكل ما يعلم، وأبو هريرة نعرف الحديث الوارد عنه لما ذكر أنه حفظ عن النبي ﷺ وعاءين، وأنه حدث بالأول، وبثه في الناس، وأنه لو حدث بالثاني لقطع هذا[2]، يعني: لقتل، فظاهره أنها أحاديث تتعلق ببعض الناس، بعض الأشخاص، ولربما يكون لهم ولاية، وسلطه، وما إلى ذلك في ذلك الزمان، فلو حدث بهذه الأحاديث التي سمعها عن النبي ﷺ حصل من جراء ذلك شر، وضرر عليه، ولربما على غيره أيضاً من الناس، لكن ليس هذا مما يتوقف عليه العمل بما أنزل الله -تبارك وتعالى- فلم يكن بذلك كاتماً لشيء من الشرع؛ لأن هذا لا يتعلق بالأمور التي تتصل بعمل المكلف، أو باعتقاده، إنما هي أمور تتعلق ببعض الأشخاص، كما قال النبي ﷺ: إن فساد أمتي على يد أغيلمة سفهاء من قريش[3]، أو كما قال ﷺ أغيلمة، وكان مروان ابن الحكم يتكلم، ويقول: قاتلهم الله من أغيلمة، كلام من هذا القبيل، ولربما كانوا من بعض قرابته، وكان أبو هريرة يتعوذ بالله من أن تدركه سنة 60 هـ، وتوفي على المشهور سنة 58 هـ، وكانت ولاية يزيد بن معاوية في سنة 60 هـ، فكأنه يشير إلى مثل هؤلاء، فمثل هذا الآن يقول: من العلوم علوم لو علمها كثير من الناس؛ لضرهم ذلك، فالنبي ﷺ ما بثها في الأمة، إنما خص بها أبا هريرة كما خص حذيفة ببعض أحاديث الفتن، وذكر له أسماء، فمن الناس من يضرهم هذا.

الآن بعض مسائل العلم، وبعض قضايا العلم قد لا يحسن ذكرها مثلاً عند طائفة من الناس؛ لأنهم قد يتخذون ذلك ذريعة إلى أمور، ومفاسد أخرى، وأعمال لا يقرّون عليها، وكذلك لربما تتحدث عند بعض النساء ببعض المسائل العلمية، وبعض القضايا، فتحملها المرأة على أشياء، تحملها بعض النساء على أشياء مما يتفق مع ما تميل إليه؛ فيحصل بذلك شقاق بين الأزواج، ومشكلات في المجتمع، وتفكك في الأسر، وما أشبه هذا، فلا يكون ذلك من كتمان ما جاء به الرسول ﷺ أو كتمان الدين الذي جاء الوعيد عليه.

فمن العلوم علوم لو علمها كثير من الناس، بل العلم نفسه الذي يحسن بثه، ونشره من الناس من يتلقاه، ويأخذ هذا العلم عن غير مأخذه الصحيح؛ فيكون بالنسبة إليه ضرراً، كما قال النبي ﷺ في الدنيا، والمال وإن ما أنبت الربيع لا يقتل حبطاً، أو يلم[4] -أي يقارب- فمن الناس إذا كان في حال من الجهل، أو لربما يكون من العوام يتحرز، ويتحرى السنة في أشياء كثيرة، ويتوقى محارم الله فإذا بدأ يطلب العلم، وسمع بعض الأحاديث، ونحو ذلك، وهذا ليس كل الناس، وإنما بعض الناس، فلربما يبدأ يفرط في كثير من الأمور، فبدلاً من كونه يحرص مثلاً إذا شرب أن يجلس؛ لأنه سمع النبي ﷺ يقول: لو يعلم الذي يشرب قائما ما في بطنه لاستقاءه[5] أو كما قال ﷺ فهو يتحرز من هذا، ويخاف، لكن لما درس، وعرف أن أكثر أهل العلم يحملون ذلك على الكراهة، وأنه ليس بمحرم، وسمع قول بعض الصحابة في هذا الموضوع؛ قال: إذا كنا نتكلف منذ سنين، ثم صار لا يبالي، هذا موجود.

وقل مثل ذلك، بعض النساء، بعض الأسر، بعض الناس كشف الوجه عندهم، ويتحرزون منه جداً، وهذا هو اللائق، لكن لربما اطلعوا على كلام لبعض الفقهاء، أو نحو ذلك، ثم قالوا الأمر في ذلك أوسع مما كنا نتصور، هكذا بزعمهم، ثم بعد ذلك يبدأ في التفريط، والتضييع، بعد أن كان الواحدة من نسائه، وأمهاته لربما تحتجب إذا نظرت إلى التلفاز؛ ظناً منها أنه ينظر إليها -الرجل الذي يخرج فيه- وهذا كان يقع؛ لشدة تحرز أولئك النساء، ثم بعد ذلك يحصل التفريط شيئاً، فشيئاً.

وقل مثل هذا، الحجاج بن يوسف لما حدثه أنس بحديث العُرَنيين لما فعل النبي ﷺ بهم ما فعل، اقتص منهم كما فعلوا بالراعي، وسمل أعينهم، وقطع أطرافهم، وتركهم في الحرة يستسقون، ولا يسقون، حتى ماتوا[6] فعل بهم كما فعلوا، وهذا على سبيل القصاص، لكن طائفة مِنْ مَنْ شهدوا ذلك لم يقروا أنس على تحديثه بهذا الحديث للحجاج بن يوسف لماذا؟ لأن ذلك قد يكون ضرراً مع أن هذا من العلم الصحيح، لكن لمثل الحجاج ابن يوسف، فهو قتل جمع من الصحابة ومن سلف الأمة، ومن خيارهم، وكان لا يبالي بالدماء، ولا يتحرز، فقد يتخذ ذلك ذريعة لهذا التوسع في موضوع الدماء، فهذا هو المقصود.

وهكذا مسائل الحكمة التعرف على حكمة الله  في الأمر، والنهي، والتشريع، وكذلك أيضاً في الخلق، فالله لم يطلع عباده على ذلك في جميع التفاصيل، وإنما أطلعهم على شيءٍ منه، وكثير من هذه الحكم التي يذكرها الفقهاء هي من قبيل الحكم المستنبطة، وليست الحكم المنصوصة، وقد تكلم أهل العلم على هذا كالشاطبي، وغيره، وقالوا: إن تَطَلّب الحكم غير مقصود للشارع [7] ولكن إذا لاحت الحكمة، وظهرت؛ فلا إشكال، أما أن يطلب المكلف الحكمة في كل شيء، ما الحكمة من كذا؟ لماذا المغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، والعصر أربع ركعات؟ وكذا، في كل قضية يتطلب، لماذا نرمي الجمار بسبع؟ ولماذا نرمي الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى؟ لماذا ندعو بعد الأولى، والثانية، ولا ندعو بعد الثالثة؟ لماذا نقف في مزدلفة، وعرفه، وكذا؟ مثل هذه الأشياء لا يتتبعها المكلف، إنما ما ظهر من ذلك؛ فلا بأس، ولو كان ذلك مقصوداً للشارع؛ لبينه، وفصله.

وأما قوله: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [سورة المائدة:101] فهذا فيما يتصل بالسؤال عن أمور لم تفرض على الناس، أو لم تحرم، لم يتطرق إليها الشارع في زمن تنزل الوحي، هذا هو المقصود، ولكن شيخ الإسلام -رحمه الله- أخذ بعموم اللفظ، فنزل ذلك أيضاً على ما يتصل بتتبع قضايا، ومسائل من العلم قد لا يكون له مصلحة في معرفتها، والوقوف عليها؛ لأن ذلك قد يضره.

الآن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على هذه المسألة قبل أن نجاوزها، يقول: ويقولون الاحتجاج بالقدر على الذنوب مما يعلم بطلانه، بضرورة العقل، فإن الظالم لغيره لو احتج بالقدر؛ لاحتج ظالمه بالقدر، الآن لما كان الكلام في مسائل القدر هنا، فهو يقول: هذه القاعدة، أو الفائدة التي ذكرها هي تابعة للتي قرأناها قبلها، فعل الحسنات.. إلى آخره، كله كلام في القدر، فشيخ الإسلام يرد على هؤلاء؛ لأن هذا الرافضي هو على مذهب القدرية -على مذهب المعتزلة- ونحن عرفنا من قبل أن هؤلاء الروافض درسوا مذهب المعتزلة؛ فصاروا معطلة في أبواب الصفات، وصاروا أيضا في أبواب القدر من جملة القدرية الذين يقولون: بأن الله لم يقدر أفعال العباد.

فشيخ الإسلام يرد عليه بردود كثيرة جداً، ومطولة، يقول: يقولون: الاحتجاج بالقدر على الذنوب مما يعلم بطلانه بضرورة العقل، فإن الظالم لغيره لو احتج بالقدر؛ لاحتج ظالمه بالقدر أيضاً، فإن كان القدر حجه لهذا، فهو حجه لهذا، وإلا فلا، هو يرد عليه في كلامه، وما يرتبه على مسألة القول: بأن الله خلق أفعال العباد، يقول: إذاً كيف يحاسبون، وكيف يؤاخذون؟

فشيخ الإسلام يرد عليه، يقول: في مجاري العادات، وفي أعمال الناس، ومزاولاتهم، فإنهم لا يقرون من ظلمهم، وأخذ مالهم، ولربما اعتدى عليهم بالقتل فما دونه، ونحو لك، فلو أن أحداً أخذ ماله، أو ضربه، أو جرحه، أو ما نحو ذلك لذمه، وعابه، وما أقره على هذا، بل طالب بالاقتصاص منه، وبإنصافه من هذا الظالم، ونسب إليه الأوصاف القبيحة، فيقول: هذا الظالم سيقول: بأن الله قدر مثل هذه الأمور علي، بأن الله قدر هذا علي، هذا على قول الجبرية، بأن الله قدر هذه الأمور علي، هؤلاء الذين يحتجون، يقولون: ما دام قدرت علينا هذه الأشياء لماذا إذاً نحاسب عليها؟ فالرد عليهم بهذه الطريقة، سواء كانوا يقولون: بقول الجبرية، أو لا يفهمون قول أهل السنة، ويعترضون عليه، فيقال لواحد من هؤلاء الناس: حينما يعرض لك ظالم، فيأخذ مالك، أو يعتدي عليك بلون من ألوان الأذى، أو على ولدك، أو على أهلك، أو عرضك، أو نحو ذلك، هل يقال في مثل هذه الحال: إنه بهذا -مع القول بأن الله خلق أفعال العباد، وقدر ذلك عليهم- هل يقال: بأن هذا الإنسان لا ينسب إليه ظلم، ولا يطالب بقصاص؟ أبدا.

فهؤلاء الذين يقولون: إذاً كيف نفهم مذهب أهل السنة؟ نقول: لهم إن الله قدر ذلك، وأعطى الإنسان إرادة، ومشيئة، ولكن وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [سورة الإنسان:30] وأنتم في مجال العادات تعيبون هذا الذي حصل منه هذا الإجرام، والإساءة، والعدوان، وتطالبون بحقكم منه، ولا تقبلون من قائل أن يقول: بأن هذه أمور مقدرة على هذا الإنسان الذي جنى، وظلم، فلا ينبغي أن يطالب بشيء من ذلك، ما أحد يقول: بهذا، فهذا يرد به على هؤلاء.

يقول: والأولون أيضا يمنعون الاحتجاج بالقدر، فإن الاحتجاج به باطل باتفاق أهل الملل، وذوي العقول، وإنما يحتج به على القبائح، والمظالم من هو متناقض القول متبع لهواه، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري[8] أي مذهب وافق هواك تمذهبت به؛ ولهذا نقول: لمثل هؤلاء الناس لماذا تأكلون، وتشربون، وتذهبون إلى أعمالكم، وتكتسبون؟

إذا كان ذلك التقدير يقتضي ترك العمل؛ فإنكم ينبغي أن تبقوا في بيوتكم، بل حتى الأكل ينبغي ألا تأكلوا، ولا تدفعوا العطش بالشرب، ولا الجوع بالأكل، وما إلى ذلك، هذا لا يقول به عاقل، والإنسان يفعل كل هذه الأسباب، وإذا جاء عند الطاعة، والمعصية بدأ يسأل عن القدر، ولكنه لا يسأل عن القدر عند الكلام على شهواته، ومصالحه العاجلة، الدنيوية، بل يعمل، ويجتهد، ويتصرف ألوان التصرفات التي يتسبب فيها في جلب مصلحة، أو دفع مفسدة.

يقول: ولو كان القدر حجة لفاعل الفواحش، والمظالم لم يحسن أن يلام أحد، أو أن يلوم أحدٌ أحدًا، ولا يعاقب أحدٌ أحدًا، فكان للإنسان أن يفعل في دم غيره، وماله، وأهله ما يشتهيه من المظالم، والقبائح، ويحتج بأن ذلك مقدر عليه، والمؤمن مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب، لا عند الذنوب، والمعاصي، فيصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب، كما قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [سورة غافر:55] إلى غير ذلك من النصوص الواردة في الباب.

يقول: وإذا كان الفرق بين الفاعل المختار، وبين غيره مستقرًا في بدائه العقول؛ حصل المقصود، وكذلك إذا كان مستقرًا في بدائه العقول أن الأفعال الاختيارية تكسب نفس الإنسان صفات محمودة، وصفات مذمومة، بخلاف لونه، وطوله، وعرضه، يعني: يقال: إن هذا الإنسان كذاب، وإنه ظالم إنه مجرم إنه سيء، أو فاضل، وطيب، وكريم، وما إلى ذلك، الأفعال التي يفعلها، والناس لا زالوا يصفون هذا بأوصاف كاملة، وهذا بأوصاف ناقصة، بحسب ما يصدر عنه.

يقول: فالعلم النافع، والعمل الصالح، والصلاة الحسنة، وصدق الحديث، وإخلاص العمل لله، وأمثال ذلك تورث القلب صفات محمودة، كما جاء عن ابن عباس إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق[9].

ثم يقول: ففعل الحسنة له أثار محمودة، وموجودة إلى آخر الكلام الذي سمعتم آنفاً، ثم بعد ذلك يتكلم بكلام طويل، وبتفصيل كثير حول هذا المعنى إلى أن يقول: هنا، والله تعالى يخلق ما يخلق لحكمة كما تقدم، ومن جملة المخلوقات ما قد يحصل به ضرر عارض لبعض الناس، كالأمراض، والآلام، وأسباب ذلك، فخلق الصفات، والأفعال التي هي أسبابه من جملة ذلك، فنحن نعلم أن لله في ذلك حكمة، وإذا كان قد فعل ذلك لحكمة؛ خرج عن أن يكون سفهاً، وإذا كان العقاب على فعل العبد الاختياري لم يكن ظلماً، فهذا الحادث بالنسبة إلى الرب له فيه حكمة، يحسن لأجل تلك الحكمة، وبالنسبة إلى العبد عدل؛ لأنه عوقب على فعله في ظلمه.

يقول: واعتبر ذلك بأن يكون غير الله هو الذي عاقبه على ظلمه، لو عاقبه ولي أمر على عدوانه على الناس، فقطع يد السارق أليس ذلك عدلاً من هذا الوالي، وكون الوالي مأمور بذلك يبين بأنه عادل، يقول: لكن المقصود هنا هو أنه مستقر في فطر الناس، وعقولهم أن ولي الأمر إذا أمر الغاصب برد مغصوب إلى مالكه، وضمن التالف بمثله، أنه يكون حاكماً بالعدل، وما زال العدل معروفا في القلوب، والعقول، ولو قال هذا المعاقب: أنا قد قدر علي هذا؛ لم يكن هذا حجة له، ولا مانع لحكم الوالي أن يكون عدلاً، فالله أعدل العادلين إذا اقتص للمظلوم من ظالمه في الآخرة أحق أن يكون ذلك عدلاً منه، إلى أخر ما قال.

كلامه طويل يحسن مراجعته في هذا، على كل حال يبين مذهب أهل السنة، والجماعة، وأنه وسط في هذا الباب بين قول القدرية الذين يقولون: إن الله لم يقدر أفعال العباد، وبين قول الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على فعله.

والاحتجاج بالقدر حجة داحضة، باطلة باتفاق كل ذي عقل، ودين من جميع العالمين، والمحتج به لا يقبل من غيره هذه الحجة إذا احتج به في ظلم ظلمه إياه، وترك ما يجب عليه من حقوقه، بل يطلب منه ما له عليه، ويعاقبه على عدوانه عليه، وإنما هو من جنس شبه السفسطائية التي تعرض في العلوم.

هذا نفس الكلام الذي ذكرته آنفاً في شرح ما قبله، هذا كلام متتابع، فيقول: هو لا يقبل هذا فيما يوجه إليه من ظلم، ونحو ذلك، ثم يقول: لماذا الله يعاقب هذا الإنسان العاصي، إذا عصا الله -تبارك وتعالى- لاحظتم؟ نقول: وأنت لماذا تطالب بمعاقبته أيضاً؟

فعلى كل حال يقول: وإنما هو من جنس شُبه السفسطائية، عرفنا نحن هؤلاء السفسطة، يعني: الحجج هي تسمى حججا تجوزاً، هؤلاء يجادلون في الأمور المعلومة، لكل أحد الظاهرة، يعني: الأمور البديهية، يجادلون فيها، وينازعون فيها، يعني: السفسطائية هؤلاء لما يناقشون، يتكلم، يريد أن تثبت أنه موجود الآن، فبعضهم يتكلم بهذا، يقول: مثلاً أنا أتكلم؛ إذاً أنا موجود، أنا أتنفس؛ إذاً أنا حي، هل هذه قضايا تحتاج إلى مناقشة، تحتاج إلى احتجاج، وما أشبه ذلك، فيناقش، ويجادل، أو يطلب الحجة في الأمور الواضحة.

ولا يحتج به أحد إلا مع عدم علمه بالحجة بما فعله، فإذا كان معه علم بأن ما فعله هو المصلحة، وهو المأمور، وهو الذي ينبغي فعله لم يحتج بالقدر، وكذلك إذا كان معه علم بأن الذي لم يفعله ليس عليه أن يفعله، أو ليس بمصلحة، أو ليس هو مأمور به لم يحتج بالقدر، بل إذا كان متبع لهواه بغير علم احتج بالقدر.

وهذا كالذي قبله، وما ذكرته آنفاً يشرحه، ويوضحه، ويقول هنا -رحمه الله-: هؤلاء المشركون، المحتجون بالقدر على ترك ما أرسل الله به رسله من توحيده، والإيمان به، لو احتج به بعضهم على بعض في إسقاط حقوقه - هذا نفس الكلام- ومخالفة أمره لم يقبله منه، هو يحتج على الله، لكن لو احتج عليه أحد بهذا ما قبل منه، بل كان هؤلاء المشركون يذم بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضا، ويقاتل بعضهم بعضا على فعل ما يرونه ترك لحقهم، أو ظلما؛ لأنهم هم احتجوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام:148] فرد الله عليهم قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [سورة الأنعام:148] يقول: صاروا يحتجون بالقدر على ترك حق ربهم، ومخالفة أمره بما لا يقبلونه ممن ترك حقهم، وخالف أمرهم، وهذه طريقة أهل الأهواء في الاحتجاج، والنظر، والاستدلال، يقول: فالاحتجاج بالقدر حال أهل الجاهلية الذين لا علم عندهم لما يفعلون، ويتركون إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [سورة يونس:66] ويذكر كلاما ً نحواً مما سبق.

فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتقليلها، فأتباع الرسل أكمل الناس في ذلك، والمكذبون للرسل انعكس الأمر في حقهم، فصاروا يتبعون المفاسد، ويعطلون المصالح فهم شر الناس.

وهذا أيضاً تابع لموضوع القدر، فالرسل -عليهم الصلاة والسلام- بعثوا بتحصيل المصالح، وتكميلها، والمصالح معروفة أصلها يقال في اللذات، والأمور المحبوبة، وتعطيل المفاسد، وتقليلها، فأتباع الرسل أكمل الناس في ذلك، والمكذبون للرسل انعكس الأمر في حقهم، فصاروا يتبعون المفاسد، فإذا رأيت من يتتبع المفاسد، ويريد إذاعتها، ونشرها، وإفشاءها في الناس، وتكثير الشر في المجتمعات، فإن هذا من جنس أعداء الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وهو من أضادهم، وأما أتباع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فهم يقتدون بهم في ذلك، ينشرون الفضيلة، والخير، والمعروف، والعفاف، ومكارم الأخلاق، ويكملون المصالح، ويقللون الشرور، فهم دائما في حال من المدافعة للشر، وإنكار المنكر، والدفع للمفاسد بأنواعها المختلفة.

هذا حال أتباع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وبهذا يتميز الناس، ويعرف المصلح من المفسد، ولو قال أهل الإفساد، كما قال المنافقون: إنما نحن مصلحون وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [سورة البقرة:11، 12] فالفساد قضية يشعر بها كل أحد في الغالب؛ ولهذا عبر عنه بالشعور هنا، بخلاف مسألة الإيمان، فقال: لا يعلمون، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الموضع يقول: بأن بطلان هذه الحجة لا يقتضي التكذيب بالقدر، وذلك أن بني آدم مفطورون على احتياجهم إلى جلب المنفعة، ودفع المضرة، لا يعيشون، ولا يصلح لهم دين، ولا دنيا إلا بذلك، فلا بد أن يأتمروا، وإنما فيه تحصيل منافعهم، ودفع مضارهم، ماذا يقصد؟

يقصد الآن إذا كانت أعمال العباد مقدرة، إذاً ما مهمة الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؟ الرسل بعثوا لتكثير المصالح، وتقليل المفاسد، فماذا يجدي ذلك إذا كان يفهم من النصوص الدالة على تقدير أفعال العباد، وأن الله خلقها أنهم مجبورون عليها، فيقول: الرسل جاؤوا لتكثير المصالح، وتقليل المفاسد، ولو صح ذلك الفهم؛ لكانت حجة المشركين لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [سورة الأنعام:148] لكانت حجة صحيحة، والله قد ردها عليهم، فكيف تكثر المصالح، يعني: الرسل -عليهم الصلاة والسلام- متفقون -جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم- على المصالح الكبرى التي هي الضرورات الخمس، كل الرسل قد اتفقوا عليها، ويكون تحقيقها من الجهتين، من جهة الوجود بإقامة دعائمها، وما يقيم أركانها، ويثبت هذه الأصول، والضرورات، ومن جهة العدم بدفع ما يعتورها بالنقص، أو بالزوال، والفساد بالكلية، فكيف يمكن إقامة هذه الضرورات التي هي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، كيف يمكن أن نقيمها؟ وكيف الرسل جاؤوا لإقامتها، وتكثير هذه المصالح، من مصالح ضرورية، وحاجية، وتحسينية، ولقابلهم الناس، وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا، فبعث الرسل -عليهم الصلاة والسلام- هو رد على هؤلاء الذين يقولون: بأن العبد مجبر على فعله، أو من يزعم بأن القول بأن الله خلق أفعال العباد يقتضي أنه أجبرهم على ذلك، فما مهمة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- إذاً، وما وظيفتهم، وماذا يمكن أن يقدموا.

يقول: وقبولها هذه الحجة يوجب الفساد الذي لا صلاح معه، يعني: خلاص إذا كان كل أحد سيقول: هذه أمور مقدرة علينا، فهو يفعل ما يحلو له من ألوان الشهوات، والعدوان على الأديان، والنفوس، والعقول، والأعراض، والنسل، والأموال، يفعل كل ما يحلو له، ثم بعد ذلك يقول: أنا لست بملوم! فيحصل بسب ذلك فساد عريض، ولذلك إذا قرأتم تاريخ الباطنية، ومن تبعهم، ولماذا تبعهم كثير من الناس، كما يذكر بعض المؤرخين كابن الجوزي في "المنتظم" يذكر مثل هذا، هناك أناس عندهم شهوات كثيرة، الذين يسمونهم الآن البلطجية، هؤلاء يكفي أن تعطيهم دولارين في اليوم، وينتهك الأعراض، هو سيجد بغيته، ويمارس هوياته في القتل، والبطش، ويرى الدماء، والأشلاء، وما إلى ذلك، هو مستعد، هو أصلا بطال، هو للجريمة، كأنه خلق للجريمة، وهؤلاء يوجدون في كل مكان، ولربما كان في بعض البلاد يوجدون، ولكن لم تظهر لهم فرصه، ولكن إذا ظهرت الفرصة ظهر هؤلاء المجرمون إلى الناس، فهم مقموعون بسبب خوفهم من العقوبة، لكن إذا حصلت الفوضى؛ ظهر هؤلاء، فلم يقفوا عند حد -نسأل الله العافية.

فالذين تابعو الباطنية، الباطنية يقولون: لا فرق بين الأخت، والأجنبية، وكل النساء حلال، ولا يوجد تحريم للفواحش، ولا الخمور، ولا لشيء، فتبع هؤلاء الباطنية فئام من الناس، وصاروا بأعداد كبيرة في بعض الأوقات، لربما بمئات الألوف، إن لم يكن بالملايين، لماذا؟

لأنهم وجدوا بغيتهم، والشهوات التي تتعلق بها نفوسهم، وتتشوف إليها بمذهب يتمذهب إليه، ويقول: هذا ديني، هذا فضلا عن أقوام هم جهلة أصلا، لا يعرفون الدين الذي جاء به الرسول ﷺ فجاء من يلقنهم هذه الضلالات، فالشاهد: أن شيخ الإسلام يرد عليهم بهذه الطرق المتنوعة، وهو كلام متين يحسن مراجعته.

تكليف ما لا يطاق على وجهين، الأول ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزّمِن المشي له.

الزّمِن مثل المشلول، هل يستطيع المشي؟ إنسان مشلول، فهل يطالب هذا، ويقال له: يجب عليك أن تمشي؟

الجواب: لا، يجب عليك أن تطوف ماشياً؟ يجب عليك أن تصلي قائماً؟ مشلول! هذا تكليف ما لا يطاق لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [سورة البقرة:286] فهذا الرافضي يشغب على أهل السنة، ويقول: إذا كان قدر، ثم أمرهم بالطاعة، وقدر عليه المعصية، أو قدر عليه الكفر، وأمر بالإيمان، فهذا من قبيل تكليف ما لا يطاق، فشيخ الإسلام يتكلم في هذه المسألة، ويفصلها - مسألة تكليف ما لا يطاق- وهذه القضية تجدونها في كتب أصول الفقه، والسبب أن الكثيرين ممن ألفوا في أصول الفقه هم من المعتزلة، وطوائف من المتكلمين كالأشعرية، ونحوهم، فيتحدثون عن مسألة ما لا يطاق في كتب أصول الفقه؛ بناء على خلفية في الاعتقاد عندهم، وكذلك يتكلمون على مسألة هل الأمر يقتضي الإرادة، أو لا يقتضي الإرادة، هذا كله بناء على خلفية اعتقاديه عندهم منحرفة، وهل العلم يتفاوت، أو لا، وهل العلة في باب القياس هي أمارات، أو علل حقيقية؛ لأنه ينفي الحكمة أصلا عن الله، فكيف تثبت العلة هنا، وهي أصل في القياس، ركن من أكبر أركان القياس، ومن أوسع أبواب القياس، وأدق أبواب القياس الكلام على العلة، فيقعون في إشكالات، هل الأمر يقتضي الإرادة، أو لا، وتفاصيل تتعلق بالإرادة، والقدرة، كان المصنفون في أصول الفقه في غنى عن التطرق لها.

تكليف ما لا يطاق على وجهين، الأول: ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزّمِن المشي، وتكليف الإنسان الطيران، ونحو ذلك، فهذا غير واقع في الشريعة.

هذا بالاتفاق، هذا نوع من تكليف ما لا يطاق، هذا لا إشكال فيه لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [سورة البقرة:286] لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [سورة الطلاق:7].

والثاني: ما لا يطاق للاشتغال بضده، كاشتغال الكافر بالكفر، وهذا واقع، ولا ينبغي أن يعبر عنه أنه لا يطاق.

بمعنى أن الإنسان حينما يوجه عمله، وجهده لمزاولة معصية، أو كفر بالله -تبارك وتعالى- هو لا يمكن في الوقت نفسه هو الشخص يعمل طاعة، وإيمان، فإذا كان مشتغلا بضد الإيمان؛ فإنه لا يمكن أن يكون مشتغلا بما أمر به من طاعة الله، وطاعة رسوله في الوقت نفسه، فهذا لا يمكن، لكن هل هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق حينما يؤمر بالطاعة، والإيمان؟

الجواب: لا، بل هو منهي عن تلك المزاولات المحرمة، لكنه توجهت همته إليها، واشتغلت جوارحه بها، فيكون بذلك ملوماً مذموماً، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى-: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [سورة الإسراء:22] فإذا جعل مع الله إله آخر قال: فتقعد، كأنه يقول: تتورط، فلان قعد في عملته، أو في فعلته، فتقعد مذموما مخذولا، هذا النوع الثاني، هذا ليس من قبيل تكليف ما لا يطاق، لكن هؤلاء يجادلون مجادلات كلامية، فقد يعبرون عن مثل هذه الأشياء؛ بناء على فلسفاتهم الكلامية، أن الإنسان في الوقت الواحد لا يمكن أن يكون كما هو معلوم في مكانين، أو يقوم بعملين متناقضين في وقت واحد، نقول: نعم لا يمكن أن يكون، لكن لا يجوز له أن يتوجه إلى هذا، فحينما يأمره الله -تبارك وتعالى- بالطاعة يجب عليه أن يعمل ما أمره الله به، فإذا انصرف إلى غيره، فهو متوعد، وعاصي، وما إلى ذلك.

أهل السنة يقولون: إن العبد له قدرة، وإرادة، وفعل، وهو فاعل حقيقة، والله خالق ذلك كله، كما هو خالق كل شي، كما دل على هذين الأصلين نصوص الكتاب، والسنة، وهو الواقع.

والذين يقولون: بأن العبد هو الذي يخلق فعله، هؤلاء أثبتوا خالقاً مع الله في الكون، وهذا النوع إشراك في الربوبية، ربوبية الله أن مع الله خالقاً يخلق، خلق أفعال العباد، وهذا لا يمكن أن يصدر من مؤمن بحال من الأحوال، وإنما أهل الإيمان أهل السنة، والجماعة يقولون: بأن الله خلق العباد، وخلق أفعالهم، وأعطاهم قدرة، ومشيئة، وهي صادرة عنهم -أعني هذه الأفعال- بمحض اختيارهم، ومشيئتهم من غير، من غير ماذا؟

هذا سوى ما يكون معذورا فيه المكلف من الإكراه، أو ما يصدر عنه من التصرفات غير الإرادية، كحركة النائم، أو المحموم، أو هذيان المريض، ونحو ذلك، فهذا لا يؤاخذ الإنسان عليها، أو ما يقع على سبيل الخطأ، لكن الذي يصدر بمحض إرادته، واختياره، ومدرك لذلك؛ فإنه يحاسب عليه، ويؤاخذ، ويجازى في الدنيا، وفي الآخرة، إذا كان ذلك مما يترتب عليه عقوبة خاصة في الدنيا، فهذه المشيئة لدى المكلفين لا تخرج عن مشيئة الله لأن الخلق خلقه، والملك ملكه، فلا يقع في الكون تحريكة، ولا تسكينة بغير إرادة الله هذه عقيدة أهل السنة، والجماعة، وليس كما يقوله الذين يقولون: بأن الإنسان يخلق فعله، ولا الذين يقولون: بأنه مجبور على فعله، ولا أولئك من الأشعرية الذين أثبتوا له كسباً لا حقيقة له، حقيقة قول الأشاعرة هو القول بالجبر، أن الإنسان مجبر، وأثبتوا له كسباً أطلقوا عليه ذلك، وعجزوا عن تفسيره، وبيان حقيقته؛ فصار يضرب بذلك المثل -يعني من الأشياء التي لا يمكن تصورها- كسب الأشعري، فهذا أيضا انحراف ثالث في هذا الباب.

وفعل العبد حادث ممكن فيدخل في عموم خلق الله للحوادث، واتفق أهل السنة أن الله خص المؤمنين بنعمة دون الكافرين بأن هداهم للإيمان، ولو كانت نعمته على المؤمنين مثل نعمته على الكافرين لم يكن المؤمن مؤمنا، كما قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [سورة الحجرات:7].

 هنا يرد على هذا الرافضي في زعمه أنه يلزم من قول أهل السنة في القدر أن يستوي الفعل الاختياري، والاضطراري الصادر من العبد، بما أن الله خلق أفعال العباد، فيقول: يستوي الفعل الاختياري، والاضطراري إذاً يحمد على ماذا، ويذم على ماذا؟

فشيخ الإسلام يرد عليه يقول: بأن فعل العبد حادث ممكن، فيدخل في عموم خلق الله للحوادث، واتفق أهل السنة أن الله خص المؤمنين بنعمة دون الكافرين بأن هداهم للإيمان، ولو كانت نعمته على المؤمنين مثل نعمته على الكافرين لم يكن المؤمن مؤمنا كما قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [سورة الحجرات:7]

وهكذا في قوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [سورة الحجرات:17] فالله هداهم للإيمان، وأثنى على هؤلاء المهتدين، قال: أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [سورة الحجرات:7] ثم قال: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [سورة الحجرات:8] فهؤلاء الذين اهتدوا إنما اهتدوا بهداية الله لهم، فهو متفضل عليهم، فهو محمود على هدايته، وهم أيضا يحمدون على هذه الأوصاف الكاملة، والإيمان الذي تحلوا به، ولهذا قال الله : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [سورة البقرة:213] هداهم بإذنه، فالله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، يقول: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [سورة الأنعام:125] وهكذا في قوله: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [سورة المجادلة: 22] ومن أحسن ما فسر به أنه أثبته، والشيخ الشنقيطي فسره بالآية الأخرى وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [سورة الحجرات:7] أثبت في قلوبهم الإيمان[10] أولئك كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، فهو يُحمد على الهداية، وهم أيضا يحمدون على الأوصاف التي تحلو بها من إيمان، وطاعة، وإخلاص، وبذل، وما إلى ذلك، كما هو في القرآن الله -تبارك وتعالى- يقول: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [سورة الحشر:9] قبل، يعني: قبل المهاجرين يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [سورة الحشر:9] مما أعطي المهاجرون دون الأنصار وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً [سورة الحشر:9] يعني: حسداً مِمَّا أُوتُوا [سورة الحشر:9] مما أوتيه المهاجرون وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [سورة الحشر:9] فقر شديد وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر:9].

ثم قال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا [سورة الحشر:10] الآن هذه المدائح لمن؟ بعدما ذكر الطائفة الأولى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا [سورة الحشر:8] فمدح هذه الطوائف الثلاث؛ بناء على ماذا؟ الله حينما مدحها بالقرآن بناء على هذه الأوصاف التي تحلو بها.

والله خالق الملائكة، والأنبياء، وخالق الشياطين، والحيّات، والعقارب، وغيرها من الفواسق، فهذا محمود معظم، وهذا فاسق يقتل في الحل، والحرم، وهو سبحانه خالق في هذه طبيعة كريمة تقتضي الخير، والإحسان، وفي هذا طبيعة خبيثة توجب الشر، والعدوان.

هذا رد أيضا عليه في زعمه أنه يلزم من قول أهل السنة في القدر الاستواء بين من أحسن إلينا طيلة عمره، ومن أساء إلينا طيلة عمره، نقول: هذا الكلام غير صحيح، فذاك يذم الذي أساء، وهذا يحمد الذي أحسن، وهذا معروف لدى العقلاء، وهكذا الأشياء التي خلقها الله من الأمور المحمودة، والأمور المذمومة.

يقول: خلق الشياطين، والحيات، والعقارب، وغيرها، فالملائكة، والرسل، والأنبياء محمودون، معظمون، وهؤلاء الفواسق الحية، والعقرب، والكلب العقور، وما أشبه ذلك تقتل في الحل، والحرم، والله خلق هذا، وخلق هذا، فهذا فيه أوصاف مذمومة، وهذا فيه أوصاف محمودة، والله خالق الجميع، والناس يذمون هذا، ويمدحون هذا، وهم فيما بينهم أيضا يذمون أقواما، ويمدحون أقواما، والله خلق الجميع، وهذا يستحق للذم، وهذا يستحق للمدح، وعلى كل حال هذه القضية الناس يدركونها، ولكن كما سبق السفسطة، وحينما يجادل الإنسان في الأمور التي هو يقر بها، ولربما يمارسها في يومه، وليلته، ثم بعد ذلك إذا جاء عند الأعمال الصالحة، والحسنات، والسيئات صار يجادل في ذلك.

والإرادة في كتاب الله نوعان: الأولى إرادة تتعلق بالأمر، والثانية إرادة تتعلق بالخلق، فالإرادة المتعلقة بالأمر أي يريد من العبد فعل ما أمره، وأما إرادة الخلق، فأن يريد ما يفعله هو، فإرادة الأمر هي المتضمنة للمحبة، والرضا، وهي الإرادة الدينية، والإرادة المتعلقة بالخلق هي المشيئة، وهي الإرادة الكونية القدرية، فالكفر، والفسوق، والعصيان ليس مراداً للرب بالاعتبار الأول، والطاعة موافقة لتلك الإرادة، أو موافقة للأمر المستلزم لتلك الإرادة، فأما موافقة مجرد النوع الثاني فلا يكون به مطيعاً.

هذا رد على أيضا هذا الرافضي في زعمه أنه يلزم على قول أهل السنة، أن الله خلق أفعال العباد، أن الكافر يكون مطيعا، وأن العاصي يكون مطيعا، فشيخ الإسلام يرد عليه بهذا الرد المؤصل، فيقول: الإرادة نوعان: إرادة دينية شرعيه، والثانية: إرادة كونيه، فهنا يقول: إرادة تتعلق بالأمر، يعني: هذه الشرعية، وإرادة تتعلق بالخلق، وهذه هي الكونية، وأهل البدع لا يفرقون بين الإرادتين، ولذلك تجدون في كتب أصول الفقه، المسألة التي أشرت إليها آنفا، هل الأمر يقتضي الإرادة، أو لا يقتضي الإرادة؟ وجدل، لكن لو عرفوا هذا التفصيل، أن الإرادة نوعان، إرادة دينية شرعية لا تقتضي وقوع المراد، ومتعلقها محبوب لله مرضي له، والإرادة الثانية، وهي الإرادة الكونية تقتضي وقوع المراد، ومتعلقها قد يكون محبوبا، وقد لا يكون محبوبا لله -تبارك وتعالى.

هذا التأصيل مهم جداً، وهو من أهم ما يحتاج إليه طالب العلم في باب القدر، وأفعال العباد، إذا انحل عنه هذا الإشكال، وعرفه؛ استطاع أن يجيب على كثير مما يقوله هؤلاء الضلال، والمبتدعة.

فيقول: الإرادة المتعلقة بالأمر: أن يريد من العبد فعل ما أمره، كما قال الله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [سورة البقرة:185] هل هذا من الإرادة الدينية، أم من الإرادة الكونية؟ الدينية، ليست الكونية، هذه الشرعية، أراده شرعا وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [سورة الحج: 78] يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [سورة البقرة:185] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [سورة النساء:28] إرادة شرعية أيضا؛ لأن المكلف قد يقصد المشقة في التعبد، أليس كذلك؟

بعض الناس يتعنى، يقصد المشقات، ويطلبها، ويقول: أنا أصوم، ولا أستظل، ولا أجلس، فهذا قد حمل نفسه عنتا، الرهبان حينما يتعبدون الله بألوان العبادات الشديدة، الثقيلة، القاسية، مثل هؤلاء هل فعلوا اليسر، أم فعلوا العسر؟ فعلوا العسر، فهذا من عند أنفسهم، لكن الله يقول: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [سورة النساء:28]، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [سورة الأحزاب:33] هذا أي أنواع الإرادة؟

إذا قلت: بأنها كونية؛ فمعنى ذلك أن الله أذهبه عنهم كوناً، لا يوجد شيء من هذا، في كل من ينتسب إلى أهل بيت النبي ﷺ وهل هذا صحيح؟

الجواب: لا، هذه إرادة شرعية، بل الرافضة هم الذين يقولون: بأنها إرادة كونية، ورأيت بعض الكاتبين يقول: بأن هذه الآية في الإرادة الكونية، وهذا غلط، هذا غير صحيح، هذه إرادة شرعية، ولذلك فإن الله -تبارك وتعالى- أمر أمهات المؤمنين بما أمرهن به من القرار في البيوت، وعدم التبرج تبرج الجاهلية الأولى، وألا يخضعن بالقول إلى آخره، قال بعده: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [سورة الأحزاب:33] يعني: بمثل هذه التشريعات أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [سورة الأحزاب:33] فهي إرادة شرعية، هل هذه الأمور محبوبة لله، وإلا ليست محبوبة؟ محبوبة، طيب هل إرادة الله لها شرعاً يقتضي أن تقع، وأن تتحقق من المكلفين؟

الجواب: لا، الله حين يقول: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [سورة الأنعام:72] وَآتُوا الزَّكَاةَ [سورة البقرة:43] إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [سورة الطلاق:1] وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [سورة النساء:19].. الآية، هذا أمر ديني شرعي أليس كذلك؟ وأراده الله وهو محبوب لله، لكن هل هذا يقتضي أن يقع؟

كم عدد الذين يراعون هذه الآية ممن يطلقون النساء؟ أنا أظن أن عدد هؤلاء لربما لا يتجاوز ثلاثة إذا بالغت بالألف، ثلاثة بالألف، تعرفون من يراعي مثل هذه الأشياء إلا ما ندر، إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن تطلق في طهر لم يجامع فيه وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ [سورة الطلاق: 1] تطلق، وتذهب إلى أهلها وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [سورة النساء:19] بعد الطلاق ما الذي يحصل عندنا إلا من رحم الله، وهكذا وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [سورة البقرة:241] تعرفون أحد اليوم يعطي المطلقة متعة بحسب غناه، وفقره؟ - طلقها وهو غني، قالها خوذي هذي ثلاثون ألفاً؛ جبر للخاطر، وتصليح للأوضاع؟ -أبدا لربما يغير مفاتيح، وأقفال البيت على أساس يصادر حتى ثيابها -نسأل الله العافية.

فهذه الإرادة الشرعية لا تقتضي وقوع المراد، لكن متعلقها محبوب لله الإرادة الكونية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [سورة الأنعام:125] هذه أي نوع من الإرادة؟ كونية لابد أن تقع، لابد أن تتحقق وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [سورة هود: 34] هذه إرادة كونية، وهكذا.

يقول: فإرادة الأمر هي المتضمنة للمحبة، والرضا، الإرادة الكونية هل متعلقها محبوب لله ؟ قد يكون، وقد لا يكون فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [سورة الأنعام:125] فكونه يدخل في الإيمان هذا محبوب لله، ولكن هذا الكافر الذي كفر وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [سورة الأنعام:125] الله أراد كفره، ولكنه لا يحب الكفر، كما قال الله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [سورة الزمر:7] لكن هل يمكن لأحد أن يكفر من غير إرادة الله؟

أبدا، ولذلك لما جاء بعض هؤلاء القدرية الضلال -الذين يقولون: العبد يخلق فعله- يناظر رجلا في السفينة، ركبوا، مسافرين، ويقول له: لا بد أن تؤمن، وكذا، وهذا رجل من الوثنيين، فقال له: الله يريد منك الإيمان، والشيطان يريد منك الكفر، فقال: الله أراد الإيمان، ولم يحصل، والشيطان أراد الكفر فحصل، فهذا شيطان قوي! يعني: أقوى من ربك! ومن ثم احتج بهذا عليه، أنت كيف تريدني أن أؤمن، وأطيع ربك هذا الذي صار الشيطان أقوى منه، نحن نقول: لا، لا يمكن أن يقع إيمان، ولا كفر إلا بإرادة الله هذا هو الاعتقاد الصحيح، المنجي.

وكما على العبد أن يؤمن بقدر الله، وقضائه فعليه أن يوافق الله في حبه، وبغضه، فقضاء الشرور من جهة خلقة الرب لها محبوبة مرضية؛ لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، والعبد فعلها، وهي ضارة له موجبة له العذاب، فنحن ننكرها، ونكرهها، وننأى، وإذا أرسل الله الكافرين على المسلمين فعلينا أن نرضى بقضاء الله في إرسالهم، وعلينا أن نجتهد في دفعهم، وقتالهم، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر.

هذا الكلام يرد فيه شيخ الإسلام على هذا الرافضي في زعمه أن الكفر لو كان بقضاء الله، وقدره لوجب الرضا به، يقول شيخ الإسلام: أبدا ما كل قضاء لله يجب الرضا به، وإنما ذلك فيه تفصيل، إذا هجم العدو على المسلمين، هل يستسلمون، ويقولون: هذا بقضاء الله وقدره، ويتركون هؤلاء الأعداء يفسدون الأديان، والأبدان، والأعراض، والأموال، وكل شيء؟ ويقولون هذا يقدر الله؟!

أبدا، يجب مدافعتهم بقدر الله -تبارك وتعالى- فمثل هذا القدر، والقضاء الذي حصل لا يقال: إنه يجب عليهم أن يرضوا به، بمعنى: أن يستسلموا له، وينقادوا، بل هذا مما يجب مدافعته، وإذا رأى الإنسان الناس على المعاصي ما معنى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [سورة آل عمران: 104]؟ وما معنى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [سورة آل عمران:110]؟ وما معنى لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [سورة المائدة: 78، 79] لماذا لعنهم؟

لأنهم لا يتناهون عن منكر فعلوه، فإذا جاء هذا، ويقول: هذه الأمور هي بقدر الله فيجب أن نرضى بها، نقول: لا، نحن لا نرضى بالكفر، والفسوق، والعصيان، بل يجب علينا أن ندافع ذلك، وأن ننكره، إذا شب الحريق في بيته أليس يسرع في إطفاء هذا الحريق؟ ويبادر إلى إخراج أهله منه؟ لماذا لا يرضى بقضاء الله، هذا الرضا بالمعنى المنحرف، فيبقى في النار مع أهله، وولده حتى يحترق، لماذا يخرج؟ هو يدافع ذلك القدر؛ لأن من القدر ما يمكن مدافعته، الجوع الآن، والعطش أليس بقدر الله، وهل يقال: أن الإنسان عليه يستكين، ويستسلم للجوع، والعطش إلى أن يموت؟ أو أنه يدفع ذلك بقدر الله بالأكل، والشرب.

كما ذكر عمر لما ذهبوا إلى الشام، ووقع الطاعون فيها، فاستشار الصحابة في القصة المعروفة، ولما احتج عليه أبو عبيدة أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين؟

فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله، وضرب له مثلاً: إذا كان عنده سرح، أو إبل، أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك هنا روضة خصبة، وهناك أرض جدبه، فإلى أيهما يتوجه؟ فقال: إلى الخصب، فقال أليس ذلك بقدر الله، نفر من قدر الله إلى قدر الله، كما جاء عن عمر [11].

فهذه كلها من المدافعات، فلا يقال بإطلاق: إن ذلك يقتضي الرضا بالقضاء، مسألة الرضا بالقضاء أنواع، وفيها تفصيل، والله -تبارك وتعالى- مثلا كما يقول: شيخ الإسلام في هذا الموضع: خلق الفأرة، والحية، والكلب العقور، وأمرنا بقتل ذلك، مع أنه هو الذي خلقها، فنحن نرضى عن الله إذ خلق ذلك، ونعلم أن في ذلك حكمة، ونقتلها كما أمرنا الله فإن الله يحب ذلك، ويرضاه.

لو جاء الإنسان، ووجد في بيته حيه، سيقول: هذا قضاء الله الذي نرضى به، ويتركها، وينام بجوارها، هذا ممكن؟ إذاً لماذا يحتج بأشياء دون أشياء؟ لماذا يدافع القدر بالقدر، وفي قضايا الطاعة، والمعصية يقول: نرضى بقدر الله ؟ فهو يرد على هذا، يقول: مذهب أهل السنة لا يقتضي الرضا بالمعاصي، والكفر، وليس لأحد أن يحتج عليهم بهذا.

أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين، وكل ما يبلغونه عن الله من الأمر، والنهي فهم مطاعون فيه باتفاق المسلمين، وما أخبروا به وجب تصديقهم به بإجماع المسلمين، وما أمروهم به، ونهوهم عنه فهم مطاعون فيه عند جميع فرق الأمة، والجمهور الذي يجوزون عليهم الصغائر، ومن يجوز الكبائر، يقولون: إنهم لا يقرون عليها، بل يحسن لهم بالتوبة منها من المنزلة أعظم مما كان قبل ذلك.

هذا رد على هذا الرافضي حينما يلمز أهل السنة، والجماعة، ويشوه قولهم، ومذهبهم بأنهم يقولون: بأن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- والأنبياء تقع منهم المعاصي، فهذا يشنع، يقول: إن من عدا الإمامية، والإسماعلية، وقلنا: إن المؤلف كان له ميل إلى- أعني: هذا الرافضي صاحب منهاج الكرامة - كان له ميل إلى الإسماعلية، وأن هذا لا يستغرب، فكثير من هؤلاء الإمامية لهم ميل إلى الإسماعلية، وبينهم تناغم، ولذلك تجدهم الآن في إيران، وسوريا كما هو معلوم، يتناصرون، ويتآزرون لوجود رحم بين المذهبين.

وعلى كل حال، فهو يقول: إن من عدا بين الإمامية، والإسماعلية يقولون: بأن الأنبياء، والأئمة غير معصومين، وأنهم جوزوا بعث من يجوز عليه الكذب، والسهو، والخطأ، والسرقة، لاحظ التشنيع، شيخ الإسلام يقول: كله باطل، وغير صحيح، يقول: إنما يقول أهل السنة: بأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- والرسل قد تقع منهم الذنوب الصغائر، ولكنهم لا يقرّون عليها، ويتوبون منها، ويكون ذلك رفعة في درجاتهم، والقرآن دل على هذا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [سورة طه: 121] وغير ذلك من المواضع، والشواهد الدالة على هذا المعنى في كتاب الله -تبارك وتعالى- فيكون ذلك رفعة، كما أنه لا يقع منهم الصغائر التي يكون فيها إسقاط المروءة، وحاشاهم أن يقع منهم سرقة، أو شيء من هذا القبيل إطلاقاً، ولا شيء من المدنسات للعرض، ونحو هذا، ولو كانت من الأمور التافهة التي تخرم المروءة، ويقولون: إنهم معصومون في أمور البلاغ لا يتطرق إليهم الخطأ، لا كما يقوله مثل هذا الرافضي.

فشيخ الإسلام هنا يقول: أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين، وكل ما يبلغه الرسل عن ربهم -تبارك وتعالى- فهو حق وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [سورة النجم:3، 4] لكن هذا الرافضي يشنع، ويكذب على أهل السنة، ففرق بين القول بأنه تقع من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- المعصية، ونحو ذلك، وبين القول بأنهم غير معصومين في البلاغ، أو نحو ذلك.

السؤال هنا يقول: هل يجوز على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الكفر؟

هل تقصد بعد الرسالة؟ هذا لا يكون إطلاقاً، بل ولا الكبائر، وإن قال بعض الطوائف: إنه قد تقع منه الكبيرة، ويتوب منها مباشرة، لكن هذا غير صحيح، أما الكفر فلا، لا يمكن، فهؤلاء الله اصطفاهم، واجتباهم، ورفعهم، وهم خيار أهل الإيمان، والنبوة موهبة من الله -تبارك وتعالى- يهبها لهؤلاء الذين يصطفيهم، ويختارهم عن علم، وحكمة، لا يمكن أن يقع منهم، ولكن الكلام فيما كان قبل ذلك، يعني: قبل النبوة هل كانوا على دين قومهم، أو لا؟ فأهل العلم في هذا على قولين معروفين؛ بناء على الآيات التي قد يفهم من بعضها هذا، وهي محتملة، وليست قطعية، كقولهم مثلاً- أعداء الرسل أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [سورة الأعراف:88] أو لتعودن وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [سورة إبراهيم:13] فهنا لتعودن، هل العود يقتضي أنهم كانوا على ملتهم حتى يرجعون إليها، أو لا؟

الجواب: أن ذلك لا يقتضيه، فكلمة العود، كما قال بعض أهل اللغة كالثعالبي في كتابة "فقه اللغة" أن ذلك مما اختصت به لغة العرب[12] أن لفظة العود هي من الأضداد، تأتي بمعنى رجوع الشيء إلى حاله الأولى، وتأتي بمعنى مطلق الصيرورة، وهذا الاحتمال واقع في قول النبي ﷺ: لا تقوم الساعة... وحتى تعود أرض العرب مروجاً، وأنهارا[13] فهل هذا، يعني: أنها كانت مروجاً، وأنهاراً؟ لا يقتضيه، احتمال، هذا أحد الاحتمالين، إنما يحتمل أن يكون عاد إلى الشيء الذي كان عليه، ويحتمل من الأول، قولهم: عاد، عاد اللبن في الضرع، حتى يعود اللبن في الضرع- يرجع إلى مكانه الأول- وهذا لا يكون، طبعاً لا يعود اللبن في الضرع، المعنى الثاني: مطلق الصيرورة، تقول: عاد الصبي شيخاً، هل كان شيخاً؟ لا، وإنما مطلق الصيرورة، وعاد الربيع هشيماً، هل كان هشيماً؟ الجواب: لا يعني صار، وهكذا، وعاد الطين خزفاً، هل كان خزفاً؟ الجواب: لا يعني بمعنى صار.

فقوله: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [سورة إبراهيم:13] بالنسبة للرسل -عليهم الصلاة والسلام- الراجح -والله تعالى أعلم- أن ذلك بمعنى مطلق الصيرورة، وأن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ما كانوا على دين قومهم، والله قال عن إبراهيم ﷺ: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة البقرة:135] ونفي الكون في الماضي يقتضي نفيه في الأزمنة الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، في مثل هذا السياق، مع أنه جادل قومه، وهذا مما يحتج به من يقول: إنهم كانوا على دين قومهم، أنه لما رأى كوكبا قال هذا ربي باعتبار أنه كان ناظرا، لا مناظراً، يعني: ما قاله على سبيل التنزل، وهذا قول طائفة من أهل العلم، والراجح: أنه قاله مناضراً لا ناضراً، قال على السبيل التنزل، وإلا ما كان يؤمن بربوبية الكوكب.

هذا يقول: وقوله في الأنعام:وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الأنعام:88] لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [سورة الزمر:65] هذا من التعليق على أمرٍ لا يكون، وهذا كثير في القرآن كقوله على أحد المعنيين قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [سورة الزخرف:81] فهذا لا يقتضي الوقوع، بل ولا الإمكان في بعض المواضع أصلاً، إما عادة، وإما عقلاً، يعني: المحال العقلي، أو المحال الذي يسمونه المحال العادي، يعني: -في مجاري العادات- فكل هذا غير واقع  لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ حاشاه أن يشرك وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الأنعام:88] فالعرب قد تعلق على مثل هذا، فالتعليق على الشرط لا يقتضي إمكان الوقوع، إنما لبيان قبح الشيء يذكر ذلك.

والقياس نوعان: الأول مذموم إما لفوات شرطه، وهو عدم المواساة في مناط الحكم، وإما لوجود مانعه، وهو النص الذي يجب تقديمه عليه، الثاني، وهو صحيح محمود، وهو الذي يستوي فيه الأصل، والفرع في مناط الحكم، ولم يعارضه ما هو أرجح منه.

هذا رد عليه أيضاً بدعواه أن جميع أهل السنة أخذوا بالرأي، والقياس، وأدخلوا في الدين ما ليس منه، وأن الصحابة أنكروا القياس، ومع ذلك أهل السنة أخذوا بالقياس، فشيخ الإسلام يرد عليه، ويقول: بأن القياس فيه تفصيل، أما القياس المصادم للنص، أو المعارض لما هو أرجح منه، أو الذي لا يقوم على أصول صحيحة، فإن هذا باطل، ولا يمكن اعتباره، يسمونه قياس فاسد الاعتبار مثلا، ما هو القياس الفاسد لاعتبار؟

هو المخالف للنص، قياس مقابل النص، مثل قياس من؟ يقولون: أول من قاس إبليس، قال الله له: اسجد لآدم، أمره بالسجود، فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [سورة الأعراف:12] والعلماء ردوا على إبليس من وجوه متعددة في هذا القياس الباطل، فقابل النص بالرأي، وهكذا في القياس المقلوب الذي بالغ المشركون فيه في مسألة الربا لما قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا الله -تبارك وتعالى- حرم الربا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [سورة البقرة:275] وهؤلاء يقولون قياساً مقلوباً مبالغة منهم في استحلال الربا: إنما البيع مثل الربا، الآن المتفق عليه بين الطائفتين: أهل الإيمان، وأهل الكفر، الربا، أو البيع؟

البيع متفق على حله، فالأصل أن يلحق المختلف فيه بالأصل المتفق عليه، فالمفروض أن يقال: الربا مثل البيع؛ تنزلاً معهم نقول هذا، أن يلحقوا المختلف فيه بالمتفق عليه، لكنهم مبالغة منهم، ومكابرة عكسوا القضية، فقالوا إنما البيع مثل الربا، فكأن الربا صار أصلا، فهذا قياس مقابل للنص وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [سورة البقرة:275] لا مجال للقياس هنا، إذا جاء نهر الله؛ بطل نهر معقل، هذا يسمى قياس فاسد لاعتبار، وهكذا قد يرد القياس إذا كان مقابل للإجماع، أو كان هذا القياس مثلا مع الفارق، هناك فرق بين الأصل، والفرع، فلا يمكن إلحاق هذا الفرع بهذا الأصل، أو كانت العلة في القياس مثلا مختلفة، لا بد من اتحاد العلة، وما إلى ذلك. فعلى كل حال، فهو يرد عليه بأن أهل السنة قالوا بالقياس، والرأي، وأدخلوا في الدين ما ليس منه، فشيخ الإسلام يفصل في القياس، يقول: هناك قياس مذموم، مردود، ويذكر هذا، إما لفوات شرطه، وهو عدم المساواة في مناط الحكم، وإما لوجود مانعه، وهو النص الذي يجب تقديمه عليه، فهنا هذا يكون مانعا من صحة القياس، أو لفوات شرطه لاعتبار اختلاف العلة مثلا التي هي مناط الحكم.

يقول: هذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق لا يكون صحيحا، والصحيح هو الذي يستوي فيه الأصل، والفرع في مناط الحكم - في العلة، يعني: تكون متحدة- ولم يعارضه ما هو أرجح منه أيضا لم يكن في مقابل النص، هذا التفصيل يرد فيه على هذا.

ثم يقول: من الذين أدخلوا في الدين ما ليس منه؟ يقول: لا توجد طائفة أكثر كذباً، وإفكاً، وزوراً، وضلالة، وبدعة من الرافضة، فهم الذين قد حشدوا الأكاذيب، وتقربوا إلى الله بالترهات، والخرافات، والأباطيل، فهؤلاء هم الذين بحيث هذه الأكاذيب، والأباطيل لا تجري على قياس، ولا رأي، ولا نظر صحيح، لا يمكن أن يقبلها عاقل، ولا يمكن أن تجري على القياس، فيقول: من الذي يستحق مثل هذا الوصف، أهل السنة، أو أهل الضلالة، والبدعة؟! ويقول: إن الصحابة قاسوا، وأقروا القياس الصحيح.

الصّدّيق قد يراد به الكامل في الصدق، وقد يراد به الكامل في التصديق، وكمال ذلك علم ما أخبر به النبي جملة، وتفصيلاً، وتصديق ذلك تصديقاً كاملاً في العلم، والقصد، والقول، والعمل، وأكمل الناس في هذا الوصف أبو بكر الصديق .

 هو أيضاً يرد على هذا الرافضي، الرافضي يقول: بأن النبي ﷺ قال في حق أبي ذر، تعرفون أن الرافضة هؤلاء يكفرون الصحابة، إلا نفرً يسيراً، منهم: أبو ذر فيقول: إن النبي ﷺ قال في حق أبي ذر ما أظلت الخضراء يعني: السماء، العرب يقولون للزرقاء خضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه[14] يقول: النبي ﷺ قال مثل هذا الكلام، ويقول: بأن هذا موجود في كتبهم، ثم لم يسموه بالصديق، وإنما قالوا ذلك عن أبي بكر، ولم يرد فيه مثل هذا، فشيخ الإسلام تولى هذا الرافضي كالعادة، هذه الأشياء نتف هي من الردود، شيخ الإسلام قال له: أولا هذا الحديث فيه كلام معروف لأهل العلم في صحته، وثبوته.

والأمر الثاني: أن قول النبي ﷺ ما أقلت الغبراء- يعني: الأرض- ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر، إذا أخذنا بهذا الإطلاق، والعموم الذي تحتج به على أبي بكر الصديق، فنقول: إذاً يدخل في ذلك الرسل من أولهم إلى آخرهم؛ لأنه قد أقلتهم الغبراء، وأظلتهم الخضراء فإذن هو أصدق من الرسل، ومنهم نبينا محمد ﷺ أصدق لهجة، وهو أصدق من علي علي بن أبي طالب، أصدق لهجة منه، وهو أحق بوصف الصديق من النبي ﷺ ومن علي أبي طالب، ومن هؤلاء الأئمة الذين تقولون: إنهم معصومون، يرد عليه، يقول له: هل تقولون هذا، أم فقط في أبي بكر الصديق ؟ يعني: أن أبا ذر أفضل من علي بن أبي طالب ؟ وأفضل من الحسين، وأفضل من بقية الأئمة، وأفضل من النبي ﷺ وأفضل من بقية الرسل؟

فلا بد أن يقول: لا، إذاً ماذا سيقال؟ سيقال إذاً هذا ينبغي أن يفهم فهماً صحيحاً، فشيخ الإسلام يناقش هذا، يقولون: أصدق لهجة، أما قضية الصديق فهي أبلغ، فالصديق صيغة مبالغة، تطلق تارة على من كمل صدقه، وأيضا من كمل تصديقه، أما أبو ذر فالنبي ﷺ قال في أصدق لهجة، قيد هذا، أما أبو بكر فكان كامل الصدق، والنبي ﷺ يقول: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا[15] وهو أيضا كامل التصديق ما قال النبي ﷺ شيئا إلا قال صدقت، فأبو بكر أحق بهذه المرتبة من أبي ذر والله يقول: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [سورة النساء:69] فهي مرتبة، عالية فأبو بكر أفضل من أبي ذر، وعلي أفضل من أبي ذر .

فشيخ الإسلام يقول هنا: وكمال ذلك: علم ما أخبر به النبي ﷺ جملة، وتفصيلا، وتصديق ذلك تصديقا كاملا في العلم، والقصد، والقول، والعمل، وأكمل الناس في هذا الوصف أبو بكر الصديق يعني: يمكن يجادل كما سبق في طريقة المناقشة، والرد، ما سيقوله في علي حينما يورد عليه يقال في الصديق من باب أولى، بهذه الطريقة، مع أن أبا بكر قال فيه النبي ﷺ: الصديق في أكثر من حديث، لما تحرك جبل أحد ماذا قال النبي ﷺ: أثبت أحد فإنما عليك نبيٌ، وصديق، وشهيدان[16] صديق، وهذا أصح من حديث أبي ذر، وكذلك أيضاً لما قال النبي ﷺ لما سألت عائشة وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [سورة المؤمنون:60] هل هم الذين، يعني: يسرقون، ويزنون إلى آخره؟ قال: لا يا ابنة الصديق[17] فقال النبي ﷺ في حقه هذا، فالنبي ﷺ هو الذي سماه الصديق، وليس الناس هم الذين سموه بذلك، إلى غير هذا من وجوه الرد التي يرد بها عليهم.

ثم أيضا نقول: بأن أفعل التفضيل -هذه ما ذكرها شيخ الإسلام لكنها صحيحة- أفعل التفضيل أصدق لهجة، هنا في صدق اللهجة فقط، لكن حتى في صدق اللهجة، أصدق لهجة من أبي ذر، أفعل التفضيل لا تمنع من التساوي، ولكن تمنع أن يزيد عليه غيره، فهذا وجه في الرد صحيح، لا تمنع التساوي، فهو أصدق لهجة، يوجد آخرون يساوونه في هذه المرتبة من حيث صدق اللهجة، وهذا له شواهد، وأدلة.

وكذلك يمكن أن يرد عليهم، إضافة إلى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أصدق لهجة هنا لا حظ! قال: أصدق لهجة، أن المزية، كما هو معروف عند أصحاب القواعد، وذكر هذا القرافي في كتابه الفروق بأن المزية لا تقتضي الأفضلية[18] فهذا أبو ذر قال فيه النبي ﷺ هذا، لكن هل هو أفضل من علي ؟ الجواب: لا، هل هو أفضل من أبي بكر، وعمر، وعثمان؟ الجواب: لا، وعثمان كان يلقب بذي النورين، متزوج بنتين من بنات النبي ﷺ فهذه مزية، فهل هو أفضل من أبي بكر، وعمر؟ الجواب: لا، عمر كان يقال له: الفاروق، وقال فيه النبي ﷺ: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك[19] فهل كان أفضل من أبي بكر؟ الجواب: لا، لكن تلك مزية، والمزية لا تقتضي الأفضلية، قال فيه النبي ﷺ: لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد، فإنه عمر[20] فهل هذا يقتضي أنه أفضل من أبي بكر ؟ الجواب: لا، المزية لا تقتضي الأفضلية، علي ابن عم الرسول ﷺ وزوج فاطمة، وقال الرسول: من كنت مولاه فعلي مولاه[21] إلى آخره هذه مزية، لكن لا تقتضي أنه أفضل من أبي بكر، وعمر، وعثمان .

  1. أخرجه مسلم، مقدمة الإمام مسلم -رحمه الله- باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، برقم (5).
  2. أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب حفظ العلم، برقم (120).
  3. أخرجه ابن حبان في صحيحه، باب إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، ذكر الإخبار عن وصف أقوام يكون فساد هذه الأمة على أيديهم، برقم (6713)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم (6678).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم (6427)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، برقم (1052).
  5. أخرجه أحمد في مسنده، برقم (7808)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، برقم (5300).
  6. أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب المحاربين من أهل الكفر والردة، برقم (6802)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين، برقم (1671).
  7. انظر: الموافقات، للشاطبي (3/ 152).
  8. انظر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير (8/ 361).
  9. انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، لابن القيم (54).
  10. انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي (7/ 557).
  11. أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في الطاعون، برقم (3329)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، برقم (2942).
  12. انظر: الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، لابن فارس (21).
  13. أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل ألا يوجد من يقبلها، برقم (157).
  14. أخرجه أحمد في مسنده، برقم (21725)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم (5534).
  15. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، برقم (2607).
  16. أخرجه البخاري، كتاب، باب قول النبي ﷺ: لو كنت متخذا خليلا، برقم (3675).
  17. أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب الزهد، باب التوقي على العمل، برقم (4199)، وحسنه الألباني في شرح العقيدة الطحاوية، برقم (365).
  18. انظر: الفروق، للقرافي (2/ 253).
  19. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم (3294)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عمر برقم (2396).
  20. أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي ﷺ باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي برقم (3689).
  21. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب عن رسول الله ﷺ باب مناقب علي بن أبي طالب يقال وله كنيتان: أبو تراب، وأبو الحسن، برقم (3713)، وصححه الألباني في مشكاة النبوة، برقم (6091).

مواد ذات صلة