تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 24 / صفر / 1441 - 23 / أكتوبر 2019
عمله وزهده وورعه وعبادته وحرصه على وقته
تاريخ النشر: ٠٨ / ذو القعدة / ١٤٢٢
التحميل: 8686
مرات الإستماع: 3404

بسم الله الرحمن الرحيم

عمله وزهده وورعه وعبادته وحرصه على وقته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا زلنا نتحدث عن سيرة الإمام النووي -رحمه الله، وذكرنا شدة ولعه بالعلم وحرصه عليه، وجدّه في تحصيله، ومواصلة الطلب في الليل والنهار، حتى قال عنه الذهبي -رحمه الله: لزم الاشتغال ليلًا ونهارًا نحو عشرين سنة، حتى فاق الأقران، وتقدم على جميع الطلبة، وحاز قصب السبق في العلم والعمل، ثم أخذ في التصنيف من حدود الستين وستمائة إلى أن مات -رحمه الله.

ولم يكن النووي -رحمه الله- ممن يجمع العلم، ويقرأ العلم لمجرد العلم، ليكثر محفوظاته، أو ليزداد ثقافة في هذا العلم، وإنما كان -رحمه الله- يتعلم العلم ليعمل فيه؛ ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله: ما رأيت أحفظ للسنة من العمل بها.

وإنما يراد بالعلم العمل، ولهذا قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، وقد أحسن من قال:

وعالمٌ بعلمهِ لم يعملَنْ معذَّبٌ من قَبل عُبّاد الوثنْ

فالعلوم الشرعية لا تطلب من أجل تحصيل الوظائف، ولا تطلب من أجل تحصيل الرئاسات، وإنما تطلب من أجل الخشية لله ، والعمل بما علمه الإنسان، ولو تفكر الإنسان مع نفسه قليلًا لأدرك ذلك بجلاء، لماذا يتعلم صفة الصلاة، وصفة الحج وصفة العمرة، وصفة الصيام وغير ذلك؟ إنما يتعلم من أجل العمل، فإذا كان طالب العلم يستوي مع غيره ممن لا يعلم فما فائدة هذا العلم؟

والله قد ضرب في هذا القرآن مثلين اثنين، وهما أسوأ الأمثال في كتاب الله لمن تعلم العلم ثم انسلخ منه ولم يعمل به:

المثل الأول: في سورة الأعراف، وهو قوله -تبارك وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ۝ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث [الأعراف: 175-176] يعني: إن طاردته وتبعته يلهث، أو تتركه يلهث، فهذا مثل العالم الذي لا يعمل بعلمه، الذي ينسلخ من هذا العلم -نسأل الله العافية، فجعل الله هذا مثلًا له، مثل الكلب في أسوأ حالاته وهو حين يخرج لسانه فيحركه، ومعلوم أن هذا وصف لازم للكلب من بين سائر الحيوانات، العادة أن الحيوانات تفعل ذلك لشدة العطش، أو لشدة المرض، أو لشدة التعب، في هذه الأحوال الثلاثة، أما هذا الكلب فإنه يخرج لسانه فيحرك هذا اللسان في كل الحالات، إن تبعته فعل ذلك  -إن طاردته فعل ذلك، وإن تركته في الظل فعل ذلك.

المثل الآخر: في سورة الجمعة، وهو قوله -تبارك وتعالى- عن اليهود: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة: 5]  فشبههم بالحمير التي تحمل الكتب، والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب العظيم الذي يسفر عما في مضمونه، وعما في داخله لمن قرأه ونظر فيه، فالحمار حينما يحمل هذه الكتب الثقال لا ينتفع بها، وليس له من حملها -نسأل الله العافية- إلا التعب، ثم هذا المثل ضرب لهم بالحمار، ومعلوم أن الحمار من أبلد الحيوانات، كما قال ابن القيم -رحمه الله، وهو من أذلها وأحطها.

وذكر ابن القيم -رحمه الله- وجوهًا خمسة في هذا التمثيل والتشبيه سأذكرها في موضعها بإذن الله .

فالمقصود أن العلم إنما يراد به العمل، فنحن حينما نتعلم هذه الأمور الشرعية فمن أجل أن نعمل بها، وإلا فإن الله سيحاسب الإنسان، والمفترض أن العبد كلما كان أعمق علماً كلما كان أكثر خشية لله؛ لأنه عرف من أوصاف الله الكاملة ما يجلب له التعظيم والمراقبة والخشية، ويُفترض أنه عرف ما عند الله من الثواب لمن أطاع، وما عند الله من العقاب لمن عصى، وعرف من ذلك أمورًا تبعثه على خشية الله والخوف منه، ومراقبته، وأما إذا كان طالب العلم أبعد الناس عن خشية الله ، وهو أحذقهم في المخارج والحيل التي يبرر فيها لنفسه فعل السيئات فإن هذا أمر لا يليق ألبته.

فالإمام النووي -رحمه الله تعالى- لم يكن ممن يهجر العمل، أويتعلم العلم من أجل تكثير المعلومات، أو ليسابق به وينافس الأقران، أو من أن أجل أن يجادل به، وإنما كان يطلب العلم تقربًا إلى الله ومن أجل أن يعمل به، ولذلك ظهر أثر هذا العلم عليه وانطبع، فصار الزهد والورع والخشية لله سمته التي لا تفارقه.

قال بعض من رآه: كان شديد الزهد، قدوة في الورع، قانعًا باليسير، مقتصدًا في مطعمه، وملبسه، ومسكنه، وإنائه، تعلوه سكينة وهيبة، وكان يتقشف كثيرًا في لباسه وفي طعامه، حتى عذله بعض العاذلين، وعذله بعض أصحابه فقال: عذلته في عدم دخوله الحمام -والحمام في السابق ولا زال موجودًا في بعض البلاد كان الناس يدخلون فيه للاغتسال بأجرة، وكان هذا الحمام معدًا لذلك بما فيه من الماء الحار وما إلى ذلك من المنظفات- كان الإمام النووي -رحمه الله- في الشام، وهي بلاد باردة، وأهلها يحتاجون إلى هذا الحمام للاغتسال فيه والتنظف، فما كان يذهب إليه، فعذله بعض أصحابه في عدم ذهابه إلى الحمام من أجل ترطيب الجسم وتليينه، وعذَلَه في تضييق العيش في مأكله وملبسه وأحواله، وجاءه من الوتر الذي يتحسس به وهو الانقطاع عن الاشتغال، قال: أخاف أن يلحقك مرض فيقطعك، فتنقطع عن الاشتغال بالعلم، فقال النووي -رحمه الله: إن فلانًا صام وعبَدَ الله حتى اخضر جلده، ولم يمنعه ذلك من العلم.

وكان النووي -رحمه الله- في بلاد الشام، وكان لا يأكل من الفواكه، وليس ذلك من باب التورع عن الفواكه، أو تحريمها، فإن النبي ﷺ كان يأكل الطيبات كما هو معلوم، ولكن قامت عنده شبهة: فكان يعلل ذلك بأن دمشق كانت كثيرة الأوقاف، وفيها أملاك كثيرة لأقوام هم تحت الحَجر، يعني: حُجِر على أموالهم، والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم، ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة وفيها خلاف.

وكان -رحمه الله- لا يأكل الخيار أيضاً، فقيل له في ذلك فقال: إنه يرطب جسمي فيجلب لي النوم، وهو لا يريد أن ينام كثيراً، فلذلك كان يترك الأشياء التي تسبب له الخمول.

وأتذكر أن الشيخ حماد الأنصاري -رحمه الله تعالى- كان يقول: كثرة الأكل تسبب كثرة الشرب، وإذا شرب الإنسان كثيرًا أصابه الخمول والضعف، ومال إلى الراحة والنوم، هؤلاء العلماء كانوا يحتاطون في أكلاتهم وما يشربون.

ولهذا كان الشيخ العلامة الكبير محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- إذا رأى في يد ولده لبنًا حامضًا نزعه نزعًا شديدًا؛ لأن الأشياء الحامضة تضعف الذاكرة.

وكان النووي -رحمه الله- ينشر هذا العلم الذي تعلمه، ويعمل به مع ملازمة الأوراد، والصيام، والقيام، والذكر، والصبر على العيش الخشن في كل أحواله.

وكان ملبسه عبارة عن ثوب من خام، وعمامته صغيرة متواضعة بسيطة، لم يكن يلبس لبسًا يميزه عن الآخرين، وإنما يلبس لبسًا بسيطًا، لا يتميز به عن عامة الناس.

وكان تاركًا لكثير من الرغائب التي يتهافت عليها الناس من بهرج الدنيا، ومن مطعومها اللذيذ أو مشروباتها أو مساكنها.

وكان لا يأكل إلا ما جاء به أبوه من بلاده، أو من قريته نوى، وهو كعك وتين، وكان يلبس الثياب المرقعة أحيانًا.

ولم يتناول من المدرسة التي كان يدرس فيها درهمًا واحدًا حتى مات -وهي دار الحديث الأشرفية، وكان لا يقبل من أحد هبة ولا عطية مهما كان إلا في حالات نادرة، ويأخذ ممن لا يشتغل عليه في العلم؛ حتى لا يكون ذلك في مقابل تعليمه إياه، جاءه مرة رجل بإبريق فقبله منه، وعزم عليه أحد العلماء أن يفطر عنده، فلما أصر قال له: أحضر الطعام إلى هاهنا ونفطر جملة، يعني: مع من حضر في المسجد، فأكل من ذلك.

وكان لا يجمع لونين من الطعام، وإنما هو خبز أو تين أو كعكة، وكانوا يفضلون الكعكة من أجل أنها لا تحتاج إلى مضغ طويل فيذهب عليهم الوقت، فقد كان ابن عقيل الحنبلي -وهو من أذكياء العالم- صاحب كتاب الفنون في أربعمائة مجلد، كان يقول: إني لأسفّ الكعكة سفًّا من أجل أن لا يمضي الوقت في مضغها، لا تحتاج إلى مضغ، فإلى هذا الحد كانوا يحرصون على أوقاتهم.

فالحاصل أن النووي انطبع فيه هذا العلم، فظهر ذلك في ورعه وزهده، وعبادته، فينبغي على من تعلم العلم أن يظهر ذلك في ليله إذا نام الناس، وأن يظهر في نهاره فيصوم، ولا يستوي مع العامة في هذه الأشياء، ويظهر ذلك في لباسه، فيلبس لبسًا معتدلًا لا يلبس الفاخر من اللباس، ولا يتنافس مع أهل الدنيا في دنياهم، إذا لاح له طمع أسرع إليه وصارع الآخرين عليه، إن رأى مسجدًا واجهة في البلد صارع الآخرين من أجل أن يحصّل هذا المسجد، هذا لا يليق بأهل العلم، وإن رأى وظيفة سارع من أجل تحصيلها، وعادى أصحابه ورفقاء دربه في العلم وتنكر لهم، وأسكرته تلك الرئاسات، هذا لا يليق بأهل العلم.

أهل العلم ينبغي أن يظهر فيهم أثر هذا العلم بإرادة الله ، والدار الآخرة، ورجاء ما عنده، دون التنافس على الأطماع والدنيا؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إذا رأيت العالم يتردد على الأغنياء فاعلم أنه لص.

فينبغي لنا أن نتفطن لهذه المعاني، وكلما تعلمنا قليلًا ظهر ذلك في عملنا، فيزداد هذا العمل مع زيادة العلم، ولهذا قال ابن مسعود -: العلم الخشية.

وقد أحسن القاضي الجرجاني -رحمه الله- حيث قال:

يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما  رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجَمَا
أرى الناسَ من داناهم هان عندهم   ومن أكرمتْهُ عزةُ النفس أُكرمَــا
ولم أقضِ حقَّ العلم إن كان كلما بدا طمعٌ صيّرتُه لي سُلَّـــمـا
إذا قيل هذا منهلٌ قلــتُ قد  أَرى ولكنّ نفسَ الحر تحتمل الظما
ولو أنّ أهلَ العلم صانوه صانهم ولو عظّموه في النفوس تعظمــا
ولكن أهانوه فهان ودنّســوا    مُحيّاه بالأطماع حتى تجهّمــــا

هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات صلة