الأحد 08 / شوّال / 1441 - 31 / مايو 2020
04- ابن القيم البدائع. القواعد 840-841
تاريخ النشر: ٠٩ / جمادى الأولى / ١٤٣٣
التحميل: 2967
مرات الإستماع: 2541

الحمد لله، والصلاة، والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول: البركة المضافة إلى الله نوعان:

الأول: بركة هي فعله تعالى، والفعل منها بارك، بارك على فلان، بارك لهُ، بارك فيه، فهذا يتعدى بنفسه، تقول: باركهُ الله، ويتعدى بعلى بارك على فلان، ويتعدى أيضًا بـفي، يقال: بارك فيه، بارك الله فيك، وعليك، والمفعول من ذلك هو مبارك، يعني: إذا باركهُ الله، أو بارك فيه، أو بارك عليه؛ يصير مباركًا، المفعول مبارك، فهذه البركة التي هي فعلهُ.

وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع[1].

الثاني: قال: وبركة هي وصفه، والفعل منها: تبارك، تبارك الله، فتبارك دال على كمال بركته، وعظمها، وسعتها، ولهذا لا يقال لغيره: تبارك بحال من الأحوال، وإنما العبد غاية ما هنالك أن يقال: هو مبارك، ويقال: عن المواضع، والبقاع التي وصفها الله بذلك يقال: مباركة، الأرض المباركة التي بارك الله فيها، ويقال: بارك الله فيه، وبارك الله عليه يقول ﷺ: ما يمنع أحدكم إذا رأى من أخيه ما يعجبه في نفسه أو ماله، فليبرك عليه[2] يعني: يدعو عليه بالبركة، يعني: يقول: بارك الله فيك، بارك الله لك، بارك الله عليك، وما أشبه ذلك، لا أن يقول مثلًا: ما شاء الله.

مع أن بعض أهل العلم يقول: إنه يقول ذلك؛ لقوله تعالى وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [سورة الكهف:39] لكن الواقع هذا لم يقله في مقام دفع العين، وإنما في مقام دفع العين علمنا النبي ﷺ أنهُ يدعو له بالبركة، يبرك عليه، بعض الناس يبادر، يقول: قل ما شاء الله، لا، قل له: ادع بالبركة، قل الله يبارك لك، يبارك عليك، يبارك فيك، قل هذا، فهذا الذي تدفع به العين بإذن الله تعالى، إذا زاد ما شاء الله، يعني: لا إشكال.

لكن الاقتصار على ما شاء الله أخذا من الآية لا يظهر وجهه -والله تعالى أعلم- إنما ذلك للخروج عن الحول، والطول، والقوة، ما يقول: إنما أتيت هذا على معرفة، وعلم، وقدراتي، وإمكاناتي إنما أتيته على علم عندي، لا.

إذًا صار عندنا البركة التي هي وصف الله، فهذه يقال فيها: تبارك الله، إذًا قول الناس أحيانًا لبعض المخلوقين: تباركت علينا يا فلان، تباركت علينا، فلان تبارك علينا، هل هذا صحيح؟

الجواب: لا، لا يصح أن يقال ذلك في المخلوق: تبارك علينا فلان، إذا جاءهم؛ يقولون: حلت علينا البركة، يصح هذا؟

البركة من الله، وليست من المخلوقين، حلت علينا البركة، نزلت علينا البركة، البركة من الله وحدهُ، وليست من المخلوقين، فلا تأتي البركة بمجيء المخلوق، ولكنهم قد يقصدون بذلك معنى قد يعقلهُ بعضهم، وقد لا يعقله آخرون، وهو أن من الذوات من جعلهُ الله مباركًا، فتحصل بملابسته، ومخالطته بركة، كالعالم تحصل من مخالطته، ومجالسته، وملابسته بركة من التعلم، وما أشبه ذلك، فالله جعل بعض الأعيان مباركة وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا [سورة مريم:31] فحيثما نزل، حيثما حل؛ انتفع الناس به، فهذا من البركة، والرجل قد يتزوج المرأة، فيحصل لهُ منها البنون، ويكثر مالهُ، وقد يسكن الدار، ويجد عواقب حميدة لذلك من الراحة، والأنس، والانشراح، والسعادة، وطيب العيش، والمقام، وما أشبه هذا؛ أي: دار مباركة، وإبراهيم ﷺ دعا لمكة، والنبي ﷺ دعا للمدينة، دعا لمدها، وصاعها[3].

فالشاهد: إن البركة من الله وحده، بالنسبة للمخلوق لا يقال: تبارك علينا، وإنما يقال: فلان باركهُ الله، بارك فيه، فلان مبارك، أو المكان الفلاني مبارك، أو نحو ذلك، فيوصف بالبركة، واضح الفرق؟

لكن ما يقال: تبارك إلا الله وحده، دون ما سواه، فالبركة من الله وحده، ومن أراد التوسع في موضوع التبرك، والأشياء المباركة، وما ورد فيه عن الشرع، أشياء من هذا القبيل، فمن أجمع ما كتب في ذلك رسالة علمية بعنوان: "التبرك أنواعه، وأحكامه" هذه جيدة، وفيها تفاصيل في هذا الموضوع، جمع أطرافه.

يقول: والبركة كثرة الخير، ودوامة، ولا أحد أحق بذلك، وصفًا، وفعلًا منه تبارك تعالى هذا واضح، هذا التركيب الذي هو تفاعل، يدل على الكثرة، فلم يرد استعمال ذلك في الكتاب، وفي السنة -فيما أعلم- إلا في حق الله -تبارك وتعالى- لكن قد يوصف المخلوق بالتعالي على وجه الذم، يقال: تعالى، لكن بإطلاق، يقال بقيد: تعالى على الناس، يعني: تعاظم، وتكبر، وهذا لا يصلح للمخلوق، أما بإطلاق، تعالى فهذا لم يرد في الكتاب، ولا في السنة إلا في حق الله وهكذا سبحان بهذا التركيب، أو بهذه الصيغة، سبحان فإن هذا لم يرد إلا في حق الله -تبارك وتعالى- سبحان الله - والله أعلم-.

839- ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:...

هذه جيدة، ولخصها الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ويمكن أن تراجع في الأصل، وهي جدًا مفيدة، ما الذي يندفع به شر الحاسد، عشرة أمور:

"أحدها: التعوذ بالله من شره، والتحصن، واللجأ إليه...".

والتحصن به؛ أي: بالله، فهذا أول شيء، ونزلت المعوذتان في هذا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [سورة الناس:1] قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [سورة الفلق:1 - 5] وهذا ذكره الشيخ ابن القيم -رحمهُ الله- في سياق الكلام على المعوذتين، وارجعوا إلى كلامه في وجه التقييد في قوله: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [سورة الفلق: 5] حالة توجه الحسد من هذا الحاسد، وتمثل النفس بحال معينة ينطلق منها أمور غيبية فيصل بإذن الله -تبارك وتعالى- منها أثر ذلك، وهو ما يعرف، ويسمى بالعين[4].

فإذًا الأول: التعوذ بالله؛ لأن الله -تبارك وتعالى- أزمة الأمور بيده، يعني: بعض الناس يجعلون لدفع شر الحسد صورة عين، هذه عين أحيانًا يضعونها ميدالية، وأحيانًا يضعونها في السيارة معلقة، وأحيانًا رسمه بالسيارة، وتجد هذا كثير في بعض البلاد، وهذا كله من التمائم، ومن الاعتقادات الباطلة، وهذا لا يدفع شر العين.

وبعضهم يدفعون ذلك بأشياء أخرى، مثل: رجل حيوان، أو صورة، أو ميدالية، أو شيء يعلق بالسيارة، أو نحو ذلك، أو -أعزكم الله- حذاء، تجد بعض الميداليات حذاء، وأحيانًا القلائد الآتي على النساء صورة عين، وأحيانًا فيها صورة حذاء، أو هو حذاء معلق صغير من ذهب، أو غير ذلك من المعادن، هذا كلهُ يقصدون به دفع العين، فتأتي المرأة أحيانا تشتري، وهي لا تعلم، وهذا من التمائم، لا يجوز أن يلبس.

الثاني: تقوى الله، وحفظه عند أمره....

عند أمره، ونهيه، يعني: أن تحفظ الله، فتطيع ربك بفعل ما أمر، واجتناب ما نهى، ويكفي في بيان هذا المعنى احفظ الله يحفظك[5] هذه قاعدة، وأصل كبير احفظ الله يحفظك الإنسان الذي يخاف، وتنتابه المخاوف من هنا، وهناك، من أشياء كثيرة، نقول: احفظ الله يحفظك من العين، ومن شرور الناس بأنواعها، ومن أذاهم، ومن تسلطهم، ومن ظلمهم، ومن الأمور المكروه احفظ الله يحفظك.

السبب الثالث: الصبر على عدوه بأن لا يقابله بأذى أصلًا....

بأن لا يقابلهُ بأذى أصلًا؛ لأنهُ كما يقول ابن القيم: فما نصر على حاسده، وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على الله -تبارك وتعالى-[6] لأنك إذا قابلته فإن ذلك حطب يلقى على نار الحسد، فتضطرم من جديد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هو أنك حينما تقابل هذا الإنسان؛ يبقى القلب مشغولًا، سيأتي هذا، سيبقى القلب مشغولًا به، مشوشًا، فيكون ذلك صارفًا له عن مطالبه، وما هو بصدده، ومن ثم فيبقى قلبه مشوشًا، معذبًا؛ إذا كان مشغولا بعدوه، فالإعراض، أنساه، كأنه غير موجود، هذا هو الحل، فعداوة هذا لا يمكن، إذا قابلته تضطرم النار، ألقيت حطبة جديدة على هذه النار، مع أن الأعراض عنه، وتناسيه قد يوغر صدره من وجه آخر، وهو أنهُ يعتبر أن هذا نوع من الاحتقار، مال المثل يا شيخ ماضي؟

يقول الشيخ ماضي: الحقران يقطع المصران، فهو حينما ما ترد عليه، هذه الإساءات، ونحو ذلك، إنما الجالب لها العداوة، ما الذي يحصل؟ يشعر أنك تحتقره، فيبدأ لماذا ما يرد على؟ يعني: هو لا يراني شيئًا، فلا تكترث، أنساه، الذي يكون بهذه المثابة أحذفه من القاموس، اعتبره غير موجود؛ تسعد، وإلا سيبقى القلب مشغولًا، مشوشًا، معذبًا، أنساه، هذا هو الحل.

السبب الرابع: قوة التوكل على الله...

ويكفي في بيان هذا وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [سورة الطلاق:3] يكفي شرفًا للمتوكلين أن جزاءهم كان كفاية الله -تبارك وتعالى- يعني: ما قال: ومن يتوكل على الله؛ يؤتيه أجره كذا، وكذا: من يتوكل على الله فإن الله يكتب لهُ مائة حسنة، ويمحو عنه كذا، لا، الجزاء مباشرة، بنفس المطلوب وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [سورة الطلاق:3] أي أن الله هو كافية.

السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به، والفكر فيه....

هذا هو الذي أشرنا إليه آنفًا، وابن القيم -رحمهُ الله- لهُ كلام جميل في هذا المعنى، يمكن أن آتي ببعضه؛ لأن الشيخ -رحمهُ الله- لخصها جدًا، وترك بعض العبارات، والأشياء التي هي في غاية النفع، فمثلًا هنا: فراغ القلب من الاشتغال به، والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كل ما خطر له، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينه على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدواه؛ ليمسكه، ويؤذيه، فإذا لم يتعرض لهُ، ولا تماسك هو، وإياه، بل انعزل عنه، لم يقدر عليه، فإذا تماسك، وتعلق كل منهما بصاحبه؛ حصل الشر، يعني: لن تسلم.

يقول: وهكذا الأرواح سواء، يعني: مثل تماسك الأبدان، هكذا الأرواح سواء، فإذا علق روحهُ به، وشبثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة، ومنامًا لا يفتر عنه، وهو يتمنى أن يتماسك الروحان، ويتشبثا، فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى؛ عدم القرار، ودام الشر، حتى يهلك أحدهما، فإذا جبذ روحه عنه، وصانها عن الفكر فيه، والتعلق به، وأن يخطره بباله، فإذا خطر بباله؛ بادر إلى محو ذلك الخاطر، والاشتغال بما هو أنفع له، وأولي به؛ بقي الحاسد، الباغي يأكل بعضهُ بعضا، فإن الحسد كالنار، فإذا لم تجد ما تأكلهُ؛ أكل بعضها بعضا، أعرض عنهم، وقل: سلام، كبر أربع تكبيرات عليه، يقول: وهذا باب عظيم النفع، لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة، والهمم العلية، وبين الكيس الفطن، وبينهُ حتى يذوق حلاوته، وطيبه، ونعيمهُ، كأنهُ يرى من أعظم عذاب القلب، والروح الاشتغال بعدوه، وتعلق روحهُ به، ولا يرى شيئًا آلم لروحه من ذلك، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة، الوادعة اللينة، التي رضيت بوكالة الله -تبارك وتعالى- إلى أخر ما ذكر، الإعراض، النسيان لهذا الحاسد.

السبب السادس: الإقبال على الله....

يعني الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته، وترضيه، والإنابة إليه في محل خواطر نفسه، وأمانيها، تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئًا، فشيئًا ،حتى يقهرها، ويغمرها، ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره، وهواجسه، وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه، فيشغل القلب، هذا القلب قيل له: فؤاد لكثرة تفؤده، وتوقده، فهو دائم التفؤد، والتوقد، فلا بد من أن يشغل بشيء، فحتى يصرف عن هذا الحسد ، أو هذا الحاسد، أو هذا العدو، ولا يشتغل به، إذًا هو بحاجة إلى أن يشغل بالإقبال على الله ومحبته، والعمل على مرضاته، وما إلى ذلك، فيكون ذلك سببا لسعادته، وأنسه، ولذته، وراحته، ونعيمه، بدلا من أن يشتغل بهذا الحاسد، أو العدو -والله المستعان.

السبب السابع: التوبة من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه....

التوبة من الذنوب، يعني: هذه الذنوب أيها الأحبة! هي جنود، نحن نجندها على أنفسنا، فتكون كتائبًا، أو تلتحق بكتائب العدو، فتغزونا، أو يغزونا بها، فنحن لا بدلنا من أن نجدد دائمًا التوبة، ونعلم أن الله -تبارك وتعالى- حكم عدل، وأنهُ إنما سلط علينا هذا العدو الذي يؤذينا بسبب ذنوبنا، فنحن بحاجة إلى التوبة، والله يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [سورة الشورى:30] وقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [سورة آل عمران:165] يقول ابن القيم -رحمهُ الله-: فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه، أو لا يعلمهُ، وما لا يعلمهُ العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما علمه أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء المشهور: اللهم أني أعوذ بك أن أشرك بك، وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم[7].

يقول: فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه، مما لا يعلمه، أضعاف أضعاف ما لا يعلمه، فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب، ويذكر ما وقع لبعض السلف: لما جاءه رجل، فأغلظ عليه، ونال منه، وأذاه، فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم أخرج إليك، فدخل، وسجد لله، وتضرع إليه، وتاب، وأناب، ثم خرج إليه، فقال: الرجل ماذا صنعت؟

فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي، فهذا بذنوبنا، وهذا الأذى الذي نلقاه من الآخرين، إنما هو جزاء على بعض ذنوبنا[8].

وابن القيم -رحمهُ الله- يقول: ليس في الوجود ما هو أشر من الذنوب، وموجبات الذنوب، فإذا عوفي من الذنوب؛ عوفي من موجباتها، فليس للعبد إذا بغي عليه، وأوذي، وتسلط عليه خصومة شيئًا؛ فعليه بالتوبة النصوح، وعلامة سعادته أن يعكس فكره، ونظره على نفسه، وذنوبه، وعيوبه فيشتغل بها، وبإصلاحها، وبالتوبة منها فلا يبقي فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو التوبة، وإصلاح العيوب، والله يتولى نصرته، وحفظه، والدفاع عنه، يقول: يعني: بدل ما يشتغل كيف المخرج؟ عليه أن يرجع إلى السبب الذي أوجب لهُ ذلك، فيصلح من حاله، ونفسه، ويتوب إلى الله، فيرفع إلى الله ما نزل به من بلاء، وضر، وأذى، وما تعانيه الأمة اليوم، ما يقع لإخواننا في سوريا، وما إلى ذلك إنما هو ببعض ذنوبنا، ونحتاج إلى توبة، ومراجعة، نرجع إلى الله نتوب إليه، نكثر من الاستغفار، وهكذا -والله المستعان.

السبب الثامن: الصدقة، والإحسان مهما أمكنه....

الصدقة، والإحسان، فإن ذلك يكون سببًا لدفع البلاء عن الإنسان، وابن القيم -رحمهُ الله- يقول هذا لهُ تأثير عجيب في دفع البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد، يقول: ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديمًا، وحديثًا؛ لكفى به، فما يكاد العين، والحسد، والأذى يتسلط على محسن، متصدق، أصحاب الإحسان، أصحاب الخير، الأيادي البيضاء يدفع الله عنهم بسبب إحسانهم شرًا كثيرًا، وبلاءً عظيمًا، وقد لا يشعرون بذلك، يقول: وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملًا فيه باللطف، والمعونة، والتأييد، بمعنى: لا يتعاظم ذلك عليه، وكانت له فيه العاقبة الحميدة، يقول: فالمحسن، المتصدق في خفارة إحسانه، وصدقته عليه من الله جنة واقية، وحصن حصين، حراسة، وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببًا لزوالها.

وذكر كلامًا جيدًا في هذا المعنى، وأنه ما حرس العبد نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله، يقول: فالمحسن المتصدق يستخدم جندًا، وعسكرًا يقاتلون عنه، وهو نائم على فراشه، فمن لم يكن له جند، ولا عسكر، ولهُ عدو؛ فإنه يوشك أن يظفر به عدوه، وإن تأخرت مدة الظفر، يعني: قد يظفر به بعد حين.

ولهذا ابن القيم في مواضع أخرى يذكر أيضًا: أن المعاصي جنود يجندها العاصي على نفسه، فتغزوه كتائب مع عدوه، ولذلك الإنسان إذا كان في موضع بلاء، الواجب عليه أن يتوب، وأن يرجع إلى الله من أجل ألا يكثر عليه هذا العناء، بدلًا من أن يجند مزيدًا من الجند الذين يتألبون ضده، ويغزونهُ في جملة كتائب عدوه -والله المستعان.

الأمة اليوم بحاجة الى من يذكرها بهذه المعاني، إلى من يقول لها: لا بد من التوبة، لكن المشكلة كثير من الناس قد لا يفهم مثل هذا الكلام على وجه، الجميع بحاجة إلى التوبة، كلنا بحاجة إلى التوبة، وهذا البلاء الذي ينزل هنا، وهناك هو لا يخصهم، بل نحن جميعا، نحن جزء منهم، فالواجب علينا جميعًا أن نتوب إلى الله؛ من أجل أن يرفع الله ذلك البلاء عنا -والله المستعان.

السبب التاسع: وأخص من ذلك الإحسان إلى الحاسد الباغي....

الإحسان إليه، فإن هذا، وإن كان في غاية الصعوبة على النفوس -كما يذكر الحافظ ابن القيم -رحمهُ الله- وأنهُ لا يوفق إليه إلا من عظم حظهُ من الله -تبارك وتعالى- كما قال الله : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [سورة فصلت:34، 35].

فالنفس قد تأبى عن العفو، فيزين له الشيطان أن الانتقام قوة، وأن العفو ضعف، ومهانة، ثم إذا أراد أن يحسن إلى عدوه؛ فإن الشيطان يصعب ذلك عليه، ويشوهه في نفسه، فيريه أن ذلك من التملق للعدو، ومن الضعف في مواجهته، وما إلى ذلك، ولربما لا تحملهُ نفسه على هذا؛ لأن نفسه ثقيلة، تقعدهُ، تشده إلى أسفل، إلى الأرض، فما ينهض بالمكارم، والمعالي، والأخلاق الفاضلة.

إذا كان بعض الناس يستثقل، ما يستطيع أن يكني أولاده، أو يكني إخوانه، أو نحو ذلك؛ لأن نفسه تقعده عن هذا، وهو يرى أنه التعامل بالألفاظ الراقية، والكلام الرفيع، والأدب الجم، وما إلى على ذلك هذا أمر ثقيل عليه؛ لأن نفسهُ ثقيلة، فكيف مثل هذا تريد منه أن يعفو عن عدوه؟ وكيف تريد من هذا أن يحسن إلى من أساء إليه؟

فابن القيم -رحمهُ الله- يقول: بأن ذلك يكون فيه أطفاء نار الحاسد، والباغي، والمؤذي بالإحسان إليه، وكلما أزداد أذى، وشرًا، وبغيًا، وحسدًا أزدت إليه إحسانًا، ولهُ نصيحة، وعليه شفقه، يقول: وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلًا عن أن تتعطاه، فاسمع الآن قولهُ : وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة فصلت:34] الآية، ثم قال بعده وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [سورة فصلت:36] يأتيه الشيطان، ويقول له: لا، هذا ضعف، ماذا يقال عنك بعد ذلك؟ والله يقول: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [سورة القصص:54] يدفعون الإساءة بالإحسان.

ثم يقول: تأمل حال النبي ﷺ لما حاكى نبيا من الأنبياء، ضربه قومه، وآذووه حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عن وجهه، ويقول: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون[9].

يقول كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان، قابل بها إساءتهم العظيمة:

الأولى: العفو.

والثانية: الاستغفار لهم.

والثالثة: الاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون.

الرابعة: استعطافه لربه بإضافتهم إليه اغفر لقومي فقال: اغفر لقومي.

ثم ذكر أمرًا يسهل على الإنسان مثل هذا الفعل، يقول: إذا أردت أن يسهل عليك هذا الخلق؛ فتذكر أن لك ذنوبًا بينك، وبين الله، تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها، ويغفرها لك، ويهبها لك، ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو، والمسامحة حتى ينعم عليك، ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع، والإحسان فوق ما تأملهُ، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك فما أولاك، وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم؛ ليعاملك الله هذه المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك؛ يفعل الله معك في ذنوبك، وإساءتك جَزَاءً وِفَاقًا [سورة النبأ:26] فانتقم بعد ذلك، أو اعفو، وأحسن، أو أترك، فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده؛ يفعل معك.

يقول: من تصور هذا، وأشغل قلبه، وفكره به؛ فإنهُ يكون بعد ذلك في حال من القدرة على تحقيق هذه الكمالات، والأوصاف السابقة، وعلى كل حال ذكر كلامًا جيدًا، يقول: فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم، ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعًا، ولا خبزًا، هذا مع أنه لا بد له مع عدوه، وحاسده من إحدى حالتين، يعني: يقصد أنه بإحسانه هذا يملك الناس، ويثنون عليه، ويصيرون معه، ويدافعون عنه، ويردون على عدوه بهذا الصنيع.

السبب العاشر: السبب الجامع لذلك، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز، والحكيم.

هو هذا، يقول: والعلم بأن هذه آلات، هؤلاء الناس الذي يؤذونك، وهؤلاء الذين يحسدونك، يقول: آلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها، وفاطرها، وبارئها، ولا تضر، ولا تنفع إلا بإذنه، فهو الذي يمس عبده بها، وهو الذي يصرفها عنه وحده، لا أحد سواه قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [سورة يونس:107] والنبي ﷺ قال: واعلم لو أن الأمة اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك[10] فإذا جرد العبد التوحيد؛ خرج من قلبه خوف العبيد، يعني: الذي لا يجرد التوحيد التجريد الصحيح، الكامل؛ يتعاظم المخلوق في قلبه؛ فتنتابه المخاوف؛ فيقلق، ويتقلب على فراشه، ويجد خيفة في نفسه من الناس، ولربما لا يعرف مصدر ذلك، ويتلاعب به الشيطان، وانتبهوا لهذا، فإن الشيطان إذا وجد من العبد هذا الخوف؛ فإنهُ يكون قد وجد باب مفتوحًا إلى قلبه؛ فيتسلط عليه؛ فيعظم هذه الأشياء في نفسه، ويعظم المخلوقين حتى لو كانت هذه المخلوقات أشياء حقيرة، ويسيرة لا يخاف من مثلها، فيخاف، وتتعاظم في نفسه، فينبعث القلق في قلبه، وتأسرهُ هذه المخاوف، وتملأ جوانحه -نسأل الله العافية- فلا يطيب له مقام، ولا طعام، ولا شراب، ولو كان هذا الأمر يسيرًا، يدخل الشيطان، فيتسلط، قد يتخوف الإنسان من أشياء يسيرة.

أحيانًا بعض الأمور، بعض الناس يذكر أشياء ما تخطر على البال، وجد ذبابا كبيرًا في البيت، وجد ذبابا لونهُ أزرق، أو أخضر، لم يعهد وجوده في البيت، فقتلهُ، فبدأ يفكر، فجاء الشيطان يلقي في قلبه أشياء، هذا غير معهود في البيت، ما معنى وجوده في الدار؟ فإذا وجد عددًا من ذلك؛ فسره بتفسيرات أخرى، وجد نملًا؛ بدأ يفسر هذا النمل بتفسيرات أخرى، ويسأل، فيبدأ القلق يكثر في قلبه، حتى يخاف، ويعرق جبينه، ويشعر بحرارة في جسمه، ومفاصله، وتبدأ قواه ما تحمله من الخوف، حتى يشعر أنهُ قد أصيب ببلاء يعي الأطباء، وما به علة، لاحظ هذا بشيء تافه، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟

فلا تفتح في قلبك نافذة، أو بابًا للشيطان؛ فيتسلط عليك، خاصة أصحاب القلوب الفارغة، من معرفة الله وتعظيمه، والخوف منه، ومحبته أولئك الذين يسرفون على أنفسهم بالذنوب، والمعاصي، فيكون الواحد منهم في غاية الضعف، أمام الشيطان، فيتسلط عليه، فيملأ قلبه بالخوف من المخلوقين، فتجد هذا الإنسان يصير إلى حال لا يستطيع فيها مقابلة الناس، يتخوف، لا يستطيع يغشى مجامع الناس، يتخوف من الناس، إذا لقيهم يرتبك، يضطرب، وما ذاك إلا لضعف هذا التوحيد في قلب العبد.

فالتوحيد ليست قضايا نرددها، ونقولها، ونتفوه بها في الدروس، وما أشبه ذلك، التوحيد هو عقيدة تملأ قلب الإنسان، ويظهر أثرها في سلوكه، وعمله.

  1. انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب، للبكري (17/ 137).
  2. أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا رأى من أخيه ما يعجبه، برقم (205)، وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب، برقم (244).
  3. أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي ﷺ ومده، برقم (2129)، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة، وبيان تحريمها، وتحريم صيدها وشجرها، وبيان حدود حرمها، برقم (1360).
  4. انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (4/ 154).
  5. أخرجه الترمذي في سننه، كتاب، باب، برقم (2516)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (5302).
  6. انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (2/ 239).
  7. أخرجه البخاري في الأدب المفرد، كتاب، باب فضل الدعاء، برقم (716)، وصححه الألباني.
  8. انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (2/ 242).
  9. أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، برقم (3477).
  10. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ برقم (2516)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (5302).

مواد ذات صلة