تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 17 / صفر / 1441 - 16 / أكتوبر 2019
حديث «إن الله تعالى يغار..»
تاريخ النشر: ٠١ / ربيع الآخر / ١٤٢٦
التحميل: 3371
مرات الإستماع: 60931

إن الله تعالى يغار

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا هو الحديث الخامس مما ذكره الإمام النووي -رحمه الله- في هذا الكتاب المبارك رياض الصالحين في باب المراقبة.

عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه[1]، متفق عليه.

تكلمنا بكلام طويل عن الغيرة، وذكرنا أن الغيرة على أنواع متعددة: فمنها غيرة الله إذا انتهكت محارمه، فالله -تبارك وتعالى- قد أمر عباده بالتوحيد، ونهاهم عن أعظم جرم وأكبر جناية وأقبحها، وهي الإشراك بالله -تبارك وتعالى، لأن ذلك يحصل فيه شكر غير المنعم، وعبادة غير المنعم، فالله الذي أولانا، وأعطانا، وأكرمنا ينبغي أن نعبّد قلوبنا وجوارحنا له -تبارك وتعالى- وحده لا شريك، فإذا توجه العبد بشيء من عمله إلى غير المنعم فشكَرَه وعبده من دون الله -تبارك وتعالى- فإن ذلك هو أعظم جرم، وأعظم جناية على الإطلاق، ولهذا قال الله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ولذلك كانت جناية الشرك لا تعادلها جناية، فكتب الله على صاحبها الخلود في النار، إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، فالله يغار على عبده أن يعبد غيره، وأن يتوجه إلى غيره بتذليل نفسه وتعبيدها إلى هذا الغير، سواء كان ذلك بعبادته عبادة مباشرة كما يقال: العبادة التقليدية، يعني بالركوع والسجود والصوم والذبح، أو كان ذلك بتعلق القلب، فإن الله يغار على قلب عبده المؤمن أن يتوجه إلى غيره، وأن يشتغل بغيره، وأن يمتلئ بحب غيره محبة تزاحم محبة الله في هذا القلب.

كما أن الله -تبارك وتعالى- يغار على قلب المؤمن من أن يحصل له نوع عُجب، وركون إلى عمله الصالح الذي عمله، ولهذا يسوق الله له ما يسوق من ألوان البلايا والمحن من أجل أن ينكسر، وأن ينطرح بين يديه، وأن يتذلل فيتقرب إلى الله بهذه العبودية، كما أن الله يغار على عبده المؤمن أن يواقع شيئاً من الفواحش والموبقات، وما إلى ذلك من ألوان الذنوب والمعاصي.

وقد قال النبي ﷺ حينما قال سعد بن عبادة في الحديث المشهور لما سأل النبيُّ ﷺ أصحابه إذا وجد الرجل رجلاً مع امرأته ماذا يفعل؟ فسعد قال: أضربه بالسيف غير مُصْفَح[2].

يعني: أن المسألة لا تقبل شكاية وترافعاً، وإنما يضربه بالسيف غير مُصفَح، فالحاصل أن النبي ﷺ قال لأصحابه: أتعجبون من غيرة سعد؟، والله إني لأغير من سعد، وإن الله أغير مني ومن سعد، وذلك في الإشهاد حينما قال الله : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النــور: 4].

والمعنى أن النبي ﷺ أغير من سعد، والله أغير من النبي ﷺ ومن سعد، ومع ذلك طلب التحري والشهود وما أشبه ذلك.

فالمقصود أن النبي ﷺ ذكر غيرته، والواقعة تدل على شدة غيرة الصحابة، بل إن سعد بن عبادة لما قال ما قال، لما نزلت آية سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النــور: 4]،

وكان سعد إذا طلق امرأة لا يتجرأ أحد أن يتزوجها بعده، فكيف لو أن أحداً أراد زوجته بريبة، ماذا يصنع به؟

وقد قال الفرزدق وهو شاعر ماجن من المُجّان، كما هو معروف، يقول:

وإنّ الذي يسعى ليُفسد زوجتي كساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى يَستبيلُها

يقول: هذا مثل الذي يأتي إلى الأسود ويتحرش بها، ماذا تصنع به؟، وهكذا الغيرة، وأخبار الناس أهل الغيرة في هذا كثيرة جداً، بعضهم يغار على امرأته من السواك إذا استاكت، كيف يخالط ريقها، ويدخل في فمها، يغار من السواك، ويغار عليها من كل شيء، فلا يقبل أن تُرى امرأته، أو أن تقع في موقع ريبة أو نحو ذلك، والله أعظم غيرة من هذا.

فمن استشعر هذا المعنى فإنه يتذكر جيداً إذا أراد أن تمتد عينه إلى شيء من خائنة الأعين فإنه يتذكر غيرة الله ، إذا أراد يكلم امرأة كلاماً فيه ريبة، أو أن يخلو بها، أو أن يقارف معها ما لا يليق فليتذكر غيرة الله ، لو أن هذه المرأة لها زوج عظيم الغيرة، ولها أحماء، ولها أولياء، ولها أهل من أعظم الناس غيرة، هل يجترئ أحد على أن يقارف ريبة معها؟ لا أحد يجترئ على هذا، فالله أعظم غيرة من خلقه، فينبغي للإنسان أن يتذكر هذا سواء فيما كان يدنس الأخلاق مما يتصل بالأعراض، أو مما عدا ذلك من ألوان معصية الله ، بأكل الربا والرُّشى، وفعل كل محرم من تضييع الصلوات، الذي ينام عن صلاة الفجر فلا يصليها إلا بعد طلوع الشمس، والذي يتشاغل عن طاعة الله التي افترض عليه بشيء من دنياه، والذي يفعل معصية الله من غيبة ونميمة وكذب وفجور وما إلى ذلك، فالله شديد الغيرة، وغيرته -تبارك وتعالى- حينما تنتهك محارمه، فما ظنكم إذا كانت غيرته بهذه المثابة؟!.

والغيرة في كلامنا وفيما نعرف من معانيها هي بمعنى الأنَفة، فأقول: إذا كان المخلوق يحصل له من الغيرة ما يحصل فالله أعظم وأجل غيرة تليق بجلاله وعظمته.

ولو أننا تذكرنا هذه المعاني لكفنا ذلك عن كثير من الأمور التي نواقعها، من تفريط في طاعة الله ، وإخلاد إلى الكسل يحملنا على شيء من التقصير، ولربما حملَنا شيء من الجراءة أو الطمع على مقارفة معصية الله بأي لون كانت هذه المقارفة، فتذكر هذا دائماً، وتذكر أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه يراك، ويطلع عليك، لا تخفى عليه من أفعالك خافية.

هذا، وأسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح لنا شأننا كله دقّه وجله، وأن يرزقنا وإياكم المراقبة والخوف منه ، والرغبة إليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة (5/ 2002)، رقم: (4925)، ومسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (4/ 2114)، رقم: (2761).
  2. أخرجه البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله (6/ 2511)، رقم: (6454)، ومسلم، كتاب اللعان (2/ 1136)، رقم: (1499).

مواد ذات صلة