تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
الحديث على آيات الباب
تاريخ النشر: ١٥ / صفر / ١٤٢٧
التحميل: 1817
مرات الإستماع: 2635

مقدمة باب النصيحة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب جديد في هذا الكتاب المبارك وهو باب في النصيحة، والنصيحة كلمة جامعة لو قلّبت سائر المفردات في كلام العرب على أن تأتي بكلمة تقوم مقامها لما وجدت، فلا أدل على المعاني التي تدل عليها وتتضمنها أكثر من دلالة هذه الكلمة على مضمونها، وبعض أهل العلم يقول: إن أصلها مأخوذ من نصحتُ العسل بمعنى خلصتُه من الشوائب التي لربما تعلق به، وهكذا الناصح حينما ينصح غيره فإنه يكون متجرداً في نصحه، ويكون أيضاً قاصداً تجريده من كل ما يضره، أو يحط من مرتبته، أو ينقصه عند الله أو عند الخلق، يريد بذلك تخليصه من العيوب ومن الدنائس والرزايا وما أشبه ذلك، وبعضهم يقول: إنها مأخوذة من قولهم: نصحتُ الثوب بمعنى أنك خِطتَه، فالخياط يقال له: ناصح باعتبار أنه يضم أطراف الثوب إلى بعض، وهكذا يكون الناصح يضم شعث المنصوح، ويلمّ ذلك بحيث إنه يبديه له من أجل أن يتباعد منه فلا يقع فيما يخل بمروءته، أو بمنزلته عند الله -، وذكر المصنف -رحمه الله- هنا ثلاث آيات في صدر هذا الباب كعادته في ذكر الآيات، وذكر ثلاثة أحاديث.

قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}

أما الآيات فالأولى منها قوله -تبارك وتعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [سورة الحجرات:10]، وهذا يقتضى أن ينصح لأخيه، بحيث لا يكون غاشًّا له، وأن لا يريد به إلا خيراً، وأن يعينه إذا حصل منه ضعف أو عجز أو تقصير، وأن يسدده، ويقومه إذا أخطأ، وأن يحب له ما يحب لنفسه؛ لأن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه[1]، فيأتي للآخرين بما يحب أن يأتوا إليه به من الأعمال والمعاملات والأخلاق والألفاظ وما أشبه ذلك من سائر ألوان التصرفات، فيضع نفسه مكانهم، ويحب لهم ما يحبه لنفسه.

فالأخوّة الإيمانية تقتضي النصيحة، وإذا رأى منه عيباً أو خللاً سدده وكمله، فلا يكون غاشًّا له بحال من الأحوال فضلاً عن أن يغتابه أو أن يقع في عرضه أو أن يكون نماماً أو نحو ذلك من الأعمال السيئة التي يفعلها أهل الدنايا ومساوئ الأخلاق.

قوله تعالى: {وَأَنصَحُ لَكُمْ}

وقال الله تعالى إخباراً عن نوح ﷺ: وَأَنصَحُ لَكُمْ [سورة الأعراف:62]، قال ذلك لقومه، والتعبير بالفعل المضارع يدل على التكرار، أي: أنه ينصح لهم مرة بعد مرة يعيد ذلك ويبديه، وقد بقي فيهم مدة طويلة كما هو معلوم، جلس فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، يذكّرهم ويعظهم ويدعوهم إلى الإيمان والتوحيد بألطف العبارات وأحسن الأساليب، ومع ذلك كفروا وكذبوا.

قوله تعالى: {وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}

وقال عن هود وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [سورة الأعراف:68]، أي: أنه ناصح يبين لهم ما يحتاجون إليه، ويشفق عليهم ويسدد نقصهم، وعوارهم، وهو أمين أيضاً فيما يقول لهم، وما ينقله عن الله -تبارك وتعالى، فهو لا يقول لهم غير الحق، وإنما يقول لهم ما أمره الله -تبارك وتعالى- به من غير زيادة ولا نقصان، وإذا كان الإنسان -فيما يظهر- ناصحاً وله غرض يعود إلى شخصه، أو أنه يريد سوءًا بهذا المنصوح فيأتي بذلك على وجه النصيحة فإنه لا يكون أميناً بذلك، على كل حال هذا يدل على تجرده في هذا، وفي نوح ﷺ قال: وَأَنصَحُ لَكُمْ بالفعل المضارع، وفي هود قال: وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، وهذا من التفنن في الخطاب، وقد يقول بعضهم: إن ذلك يرجع إلى حال نوح ﷺ، فنوح ﷺ بقي فيهم مدة طويلة يعيد النصح مرة بعد مرة، فعبر بالفعل المضارع الذي يدل على التكرار، وأما هود ﷺ فجاء باسم الفاعل "ناصح" مقارنة بما بقيه نوح من المدة الزمنية الطويلة بين قومه.

هذا وأسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

مواد ذات صلة