الأربعاء 22 / ذو الحجة / 1441 - 12 / أغسطس 2020
25 – من رسالة العقود وقتال الكفار وكتاب النبوات ورسالة الفرقان. القواعد 309-324
تاريخ النشر: ٢٩ / جمادى الأولى / ١٤٣٣
التحميل: 3443
مرات الإستماع: 2630

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

اللهم اغفر لشيخنا، ولنا، وللحاضرين.

قال المؤلف -رحمه الله:

ومن رسالة العقود وقتال الكفار:

309- وأصل هذا أن كل ما نهى الله عنه، وحرمه في بعض الأحوال، وأباحه في حال أخرى، فإن الحرام لا يكون صحيحًا نافذًا كالحلال، ولا يترتب عليه الحكم، كما يترتب على الحلال، ويحصل به المقصود كما يحصل بالحلال، وهذا معنى قولهم: النهي يقتضي الفساد.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه الرسالة التي سمعتم عنوانها: العقود، وقتال الكفار، أصل هذه الرسالة موجود في مجموع الفتاوى، وهو موجود أيضًا في كتاب الفتاوى الكبرى، لكنها في مجموع الفتاوى، كأنها ناقصة بُتر من أولها، وما قبل هذا الكلام مذكور في الفتاوى الكبرى، وأوله سؤال وُجّه لــشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، فيمن أوقع العقود المحرمة ثم تاب، ماذا يلزمه بعد ذلك، فتكلم على العقود المحرمة، تكلم على العقود الربوية، وتكلم أيضًا على مسألة الطلاق الذي يكون بدعيًا: الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، أو الطلاق بالثلاث، وأن عمر أوقعهم عليهم ثلاثًا، تعزيرًا لهم، وأن الطلاق بالثلاث من تعدي حدود الله، وإنما ينبغي على الإنسان أن يطلق واحدة في عدة، في طهر لم يجامعها فيه، أو وهي حامل، ثم بعد ذلك يطلق في غير هذه العدة.

فالشاهد: أن الرسالة تتحدث عن هذا، وليس فيها شيء يتصل بقتال الكفار، فلستُ أدري: هل الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- وقع في يديه رسالة مستقلة فيها هذا وهذا؟ لكن هذا الكلام بنصه موجود -كما سبق- في الكتابين، وهو في أحدهما ظهر النقص، وفي الآخر لا يبدو فيه نقص، فتوى من أولها إلى آخرها، سؤال وليس لها تسمية، سُئل عن كذا، فأجاب، وأكثر كتب شيخ الإسلام -كما هو معلوم- إنما هي من غير عنوان وضعه المؤلف، فتكون ردًا على أحد من الناس، أو تكون جوابًا على سؤال.

كان يتحدث عن مسألة الطلاق بالثلاث، وأن هذا من المخالفة الشرع، ولا يجوز، يقول: وأصل هذا أن كل ما نهى الله عنه وحرمه في بعض الأحوال، وأباحه في حال أخرى، فإن الحرام لا يكون صحيحًا نافذًا كالحلال، يعني: مثلًا الطلاق أباحه الله في بعض الأحوال، كما قال الله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [سورة الطلاق:1] فهذا التطليق الذي يكون بهذه الصفة، هو أن يطلق في طهرٍ لم يجامع فيه، وأن يكون طلقة واحدة، وألا يكون مسبوقًا بطلاق في حيض، فإنه إن طلاق طلاقًا في حيض، فإنه يقال له -كما أمر النبي ﷺ ابن عمر : أن يراجعها[1]، على خلاف هل تعتبر طلقة أو لا التي وقعت في الحيض؟ ثم ينتظر حتى تطهر، ولا يطلق في هذا الطهر الذي بعد الحيض الذي طلق فيه، ثم تحيض، ثم تطهر بعد ذلك، فإن شاء أن يطلق طلق.

فيقول: وأصل هذا أن كل ما نهى الله عنه وحرمه في بعض الأحوال، وأباحه في حال أخرى، فالطلاق بالثلاث لا يجوز، والطلاق واحدة أباحه الله .

قال: فإن الحرام لا يكون صحيحًا نافذًا كالحلال، ولا يترتب عليه الحكم، كما يترتب على الحلال، ويحصل به المقصود، كما يحصل بالحلال، يعني: لا تترتب عليه آثاره، إن كان في معاملة بيع، أو نحو ذلك من البيوع المحرمة، فإن البائع لا يحل له الانتفاع بالثمن، والمشتري لا يحل له الانتفاع بالعين المباعة، وهكذا.

يقول: وهذا معنى قولهم: النهي يقتضي الفساد، وأطال في الكلام على مسألة النهي يقتضي الفساد، وهي قاعدة معروفة صحيحة، على خلاف في تفاصيلها، ومع ذلك فإن القائلين بواحد من الأقاويل التي تُذكر في التفصيل، يختلفون كثيرًا عند التطبيق، فبعضهم يُفصِّل هذه المسألة -مسألة النهي يقتضي الفساد- فيقول: النهي إما أن يتواجه إلى أصل الشيء وذاته فهذا للفساد، أو إلى وصفه اللازم فذلك للفساد، أو إلى وصفه المنفك فهذا لا يقتضي الفساد، الذين يقسمون بهذا التقسيم من الأصوليين عند التطبيق يختلفون، هل هذا مما نهي عنه لوصفه المنفك أو لوصفه اللازم مثلًا؟ فتجد خلافًا بين المالكية مثلًا والحنابلة، وغير هؤلاء ممن تختلف أقوالهم عند التطبيقات.

والذي يظهر -والله أعلم- أنه إن جاء مقرونًا به مع الشيء نفسه كالعبادة المعينة، فإنه للفساد، وما عدا ذلك مما يكون النهي فيه منفكًا فليس للفساد، وهذا أسهل في التطبيق وأوضح، والله تعالى أعلم، فمثل ما جاء النهي فيه متصلًا بالعمل المعين، مرتبطًا به، كما في قوله ﷺ: فلا صلاة لفرد خلف الصف[2]، فمثل هذا إذا صلى منفردًا على خلاف في التفصيل هل يُعذر إذا لم يجد فيسقط ذلك عنه، فيكون معذورًا، أو لا يعذر مطلقًا؟ في خلاف بين أهل العلم ماذا يصنع إن لم يجد؟ لكن دعنا في الصورة المتفق عليها، يوجد مكان في الصف المقدم فصلى وحده في الصف الذي يليه، قوله: لا صلاة فإن النهي يتجه إلى الذات، فإن وُجدت انتقل إلى الصحة، فإن كانت متحققة انتقل إلى الكمال، فهنا في مثل هذا يقال: لا تصح صلاته، هذا مثال يقرب الصورة وليس المقصود مناقشة الأمثلة والترجيح في المسائل الفقهية هنا، عند الكلام على القواعد والأصول لا تتشبث بالأمثلة، دع الأمثلة، وقل مثل ذلك في ما جاء فيه النهي مقترنًا بالعبادة المعينة، أو بالعمل المعين، كقوله: لا تقبل صلاة بغير طهور[3]، لو صلى من غير طهارة لا تصح صلاته، طيب قوله: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [سورة النساء:43] صلى وهو سكران ما حكم الصلاة؟ باطلة؛ لماذا؟ لأن النهي يقتضي الفساد، أحيانًا يكون النهي منفكًا، يُنهى عنه لصفته، هل هذه الصفة لازمة أو منفكة؟

انظروا في بعض الأمثلة، هذا إنسان صلى في أرض مغصوبة، يتحرك يقوم ويركع ويسجد، فحركاته هذه كلها من الاشتغال بهذا المحل، هو من جملة الغصب، طيب هذا الذي صلى في الأرض المغصوبة، هل صلاته صحيحة أو لا؟ من نظر أن هذا من قبيل الوصف اللازم قال: لا تصح، ومن قال: إنه وصف منفك -لاحظوا عند التطبيق- قال: إن الصلاة صحيحة مع الإثم؛ لأننا نعقل الصلاة من غير غصب، لكن على ما ذكرته النهي لم يتوجه إلى هذا بخصوصه، وإنما النهي عن الغصب والظلم بالنصوص العامة، ولم يرد ذلك في خصوص الصلاة، فصلاة صحيحة مع الإثم، طيب الصلاة في الثوب المغصوب، بعض الذين يقولون: إن المثال السابق النهي فيه لوصف منفك، والصلاة صحيحة، يقولون في هذا المثال: إن الوصف لازم؛ لأن الثوب صار ظرفًا لهذا المصلي، وبه أيضًا يحصل ستر العورة، وبعضهم قيده بهذا القيد فقال: إذا كان هذا الثوب المغصوب يحصل به ستر العورة، فالصلاة لا تصح؛ لأن ستر العورة شرط، فصار متلبسًا بأمر يحرم عليه أن يتلبس به في شرط من شروط الصلاة، دخل في شرط من شروطها.

وبعضهم يقول: لا، نحن نعقل الصلاة من غير الغصب، فهذا وصف منفك، والأقرب -والله أعلم- بناء على ما ذكرت: أن الصلاة صحيحة مع الإثم، لو أنه توضأ بماء مغصوب بعضهم يقول: هذا الوصف لازم؛ لأن الصلاة لا تصح بلا طهارة، وهذا الماء لا يصح التطهر به؛ لأنه مغصوب، والآخرون يقولون: هذا ماء طهور، يصح التطهر به، ويرتفع الحدث، لكنه يأثم للغصب، فبناء على ما ذكرتُ يقال: هذا لم يرد النهي عنه بخصوصه فيما يتصل بالصلاة، أو الطهارة، ومن ثمّ فإن الصلاة والطهارة صحيحة إلا أنه يأثم، هذا خلاصة في مسألة: النهي يقتضي الفساد.

310- لما ذكر النصوص من الكتاب والسنة في قتال الكفار، قال: فهذا الأصل الذي ذكرناه، وهو أن القتال؛ لأجل الحرب لا لأجل الكفر، هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهو مقتضى الاعتبار، فإنه لو كان الكفر هو الموجب للقتل، بل هو المبيح له لم يحرم قتل النساء، كما لو وجب أو أبيح قتل المرأة بزنا، أو قود، أو ردة، فلا يجوز مع قيام الموجب للقتل أو المبيح له، أن يحرم ذلك لما فيه من تفويت المال، بل تفويت النفس الحرة أعظم، وهي تُقتل لهذه الأمور، والأمة المملوكة تُقتل للقصاص وللردة.

هذا الكلام غير موجود في هذا الجواب والفتيا التي في مجموع الفتاوى، وكذلك التي في الفتاوى الكبرى، وهو يتصل بمسألة قتال الكفار.

يقول هنا: بأن النصوص من الكتاب والسنة دالة على أن قتال الكفار ليس لمجرد الكفر، وإنما من أجل الحرب، يقول: على هذا دلت دلائل الكتاب والسنة، والاعتبار، يقصد والنظر الصحيح من أي وجه؟ هنا يقول: فإنه لو كان الكفر هو الموجب للقتل، بل هو المبيح له، لم يحرم قتل النساء -يعنى: الكافرات- إذا كان قتال الكفار لـكفرهم، فإذًا ما الفرق بين الرجال والنساء الكافرات، فمُنع من قتل النساء والأطفال، وكذلك أولئك الرهبان والأحبار الذين لا يشتركون في القتال، والشيخ الكبير، وما إلى ذلك، هؤلاء لا يقتلون، فلا يقتل صاحب صومعة في صومعته، وإنما قتل النبي ﷺ دريد بن الصمة في غزوة الطائف أو هوازن؛ لأنه كان شيخًا كبيرًا قد هرم، وكُف بصره، لكن كان صاحب رأي فيهم، وكان من الأبطال المجربين والشعراء والفحول، ولكنه قد شاخ، حتى إنه لما جيء به إلى أرض المعركة، وكان الناس قد اجتمعوا على مالك بن عوف النصري، قال دريد بن الصمة: ما لي اسمع بكاء الصغير، ونهيق الحمير، ورغاء البعير، وثغاء الشاة، فقالوا: إن مالكًا قد عزم على الناس أن يأتوا بأموالهم، ونسائهم، وأولادهم، من أجل ألا يفروا، فالرجل إذا كان يرى نساءه وماله خلف ظهره، فإنه لا ينهزم، فنبر بشفته مستخفًا مستهزئًا به، وقال: رويع شاة، غير مجرب في الحروب، ولا شأن له في الحروب، ثم قال: إن المنهزم لا يرده شيء[4]، وهذا الذي حصل، فقال:

يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ[5]

إلى آخر ما قال، فأسر، فضربت عنقه؛ لأنه كان صاحب رأي، وإلا فالأصل أن كبار السن لا يقتلون، لو كان القتل أو القتال للكفر لقتل هؤلاء من النساء والشيوخ والرهبان والعباد، وما أشبه ذلك.

فيقول شيخ الإسلام: من أجل الحرب، فمن لا يحارب فإنه لا يقاتل.

يقول: كما لو وجب، أو أبيح قتل المرأة بزنا، أو قود، أو ردة، والقود: القصاص، فالمرأة تقتل في هذه الحالات الثلاث، فالمحصنة المتزوجة إذا زنت إذا كانت حرة ترجم، والقود -القصاص- تقتل، وكذلك الردة فلا فرق بين المرأة والرجل.

يقول: فلا يجوز مع قيام الموجب للقتل، أو المبيح له أن يحرم ذلك، فكيف صار يحرم إذا كانت المرأة تقتل للقود، أو الردة، أو الزنا، ولا تقتل لكفرها.

يقول: لما فيه من تفويت المال، بل تفويت النفس الحرة أعظم، وهي تُقتل لهذه الأمور، والأمة المملوكة تُقتل للقصاص والردة، يقول: كما لو وجب أو أبيح قتال المرأة بزنا، أو القود، أو ردة، فلا يجوز مع قيام الموجب للقتال، أو المبيح له أن يحرم ذلك؛ لما فيه من تفويت المال، بل تفويت النفس الحرة أعظم، وهي تقتل... إلى آخره.

وتفويت المال يكون ذلك بقتل الأمة الكافرة، فشُرع قتلها في هذه المواطن الثلاثة، ونُهي عن قتلها في الحرب؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة في أرض المعركة، قال: ما كانت هذه تقاتل[6]، فدل ذلك على أن الحرب هي السبب في قتال الكفار.

ومن كتاب النبوات.

كتاب النبوات، هذا كتاب عظيم، كبير القدر، وكبير النفع، وكثير الفؤاد، لا يستغني عنه طالب العلم، ولعلي أذكر بعض النقاط سريعًا في التعريف بهذا الكتاب:

أولًا: فيما يتعلق باسم هذا الكتاب، فالذي يظهر أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لم يسمه باسم معين، فلم تكون هذه التسمية من شيخ الإسلام، والاسم الذي على النسخة الخطية: الكلام على النبوات والمعجزات، وبعض من ذكر مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كابن عبد الهادي سماه: قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل، وبعض من ذكروا مؤلفات شيخ الإسلام كالصفدي، وابن شاكر، والألوسي، ذكروا منها: ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا والمعجزات والكرامات، لكنه اشتُهر -على كل حال- بهذا الاسم (النبوات) طبع بهذا الاسم، وتعارف الناس عليه، كأنه اختصار لهذه المسميات.

ثانيًا: هذا الكتاب يتحدث عن طرق إثبات النبوات والمعجزة والكرامة، والفرق بينها وبين خوارق العادات، بناء على اعتقاد أهل السنة والجماعة، ويرد على المخالفين في هذا الباب من الأشاعرة والمعتزلة والفلاسفة، ويذكر مذاهبهم، ويُبيّن أدلتهم، ويعارض أقوالهم، ويرد عليها من أوصلها، لا سيما الأشاعرة، ولا سيما الباقلاني، فإنه من كبار شيوخ الأشاعرة، بل هو الرجل الثاني في هذا المذهب، الرجل الأول هو: أبو الحسن الأشعري، والرجل الثاني هو: أبو بكر بن الباقلاني.

وبيّن شيخ الإسلام في هذا الكتاب الأمور التي حملتهم على المحامل الصعبة، وركوب المراكب المنحرفة، التي أدت بهم إلى مقالاتهم المعروفة في هذا الباب، ومن المسائل التي تعرّض لها شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذا الكتاب، مسألة: أن النبي ﷺ قد بيّن أصول الدين، وأن الأدلة العقيلة الصريحة لا تعارض الأدلة النقلية الصحيحة، وهذا مضى كثيرًا في الكلام على كتاب: درء التعرض، وفي شرح الأصفهانية، وأشياء من هذا أيضًا في شرح منهاج السنة النبوية، وأيضًا تحدث عن الأصول المشهورة للمبتدعة التي اتفقوا عليها، مثل دليل الأعراض، وحدوث الأجسام، وتكلم عليها، وأبطلها، وتكلم على أقوالهم المنحرفة، التي منها: أن المادة تبقى، وأنها لا تفنى ولا تبيد، ورد على هذه المقالة، وأبطلها، وهي من المقالات المشهورة عند الفلاسفة، وتلقاها عنهم بعض المتكلمين.

وأيضًا تكلم على طرق الناس في التميز بين خوارق العادات، وناقش كل طائفة من هذه الطوائف، وموقف كل فرقة من هذه الفرق من خوارق العادات، وتكلم على مسائل أخرى: كمحبة الله ، وموقف الناس منها، وتكلم عن غنى الله -تبارك وتعالى، ورد على المتكلمين والفلاسفة المخالفين في هذا، وتكلم عن عدل الله -تبارك وتعالى، ورد على من يقول: بتجويز تعذيب أهل الصلاح، وتنعيم أهل الظلم.

وهذا الكتاب يقرر مسألة النبوات بتقريرات لا تجد ذلك -والله تعالى أعلم- في كتاب آخر، وكنتُ ذكرتُ لكم في بداية هذه الدروس في بعض المناسبات: الكلام على المعجزات، وخطأ الذي يقع للكثيرين في المعجزة، ومنشأ هذا الخطأ، والفرق بين المعجزات والكرامات، ودلائل النبوة، وآيات الأنبياء، وأنها أعم وأوسع من المعجزات، وأن آيات الأنبياء منها ما يكون معجزًا، ومنها ما يكون غير معجز، وأن نبوة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، وصدق الأنبياء لا يتوقف على ثبوت المعجزة، وقد مضى الكلام على هذا، والتمثيل على ذلك جميعًا.

وكذلك أيضًا لفظ المعجزة، واستعمال المعجزة والكرامة، وأن ذلك من اصطلاحات المتأخرين، وأن ذلك لم يرد التعبير عنه بهذا في الكتاب والسنة، ولا عند السلف الصالحة -رضي الله تعالى عنهم.

هذا الكتاب -كتاب النبوات- هو من أواخر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، ألفه وهو في سجن القلعة في دمشق، الذي بقي فيه أكثر من سنتين، وألف فيه كثيرًا من الرسائل والردود.

ثالثًا: وهذا الكتاب -كتاب النبوات- يشير فيه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى كثير من كتبة المشهورة، مما يدل على أنه بعدها، مثل درء التعارض، ومنهاج السنة، والرد على النصارى، والجواب الصحيح، وغير ذلك من الكتب الشهيرة المعروفة لشيخ الإسلام، فقد ألف هذا الكتاب بعدها، فهو متضمن لخلاصة أقواله في كثير من المسائل، وما يُوجد فيه، فهو من آخر أقواله، بل هو آخر أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ ولذلك تجد بعض المسائل التي للشيخ -رحمه الله- فيها قولان، تجد القول الأخير في مثل هذا الكتاب أحيانًا، مثل مسـألة حياة الخضر، ففي مجموع الفتاوى رجح حياته، ونافح عن ذلك، وأثبته، ورد على المخالفين، هذا في المجموعة الفتاوى، أما في هذا الكتاب، فذهب إلى أنه قد مات، وأنه لا يصح القول بحياته، ورد على الذين يقولون: رأينا الخضر، ورآه فلان، وسلم عليه فلان، ورؤي في المكان الفلاني، كما يقوله بعض الناس، لا سيما الصوفية، فيقول: إن الشيطان قد يتمثل بصورة إنسي، ويقول: إنه الخضر، ويظهر بعض خوارق العادات.

وكذلك مسألة آدم، هل أهبط من جنة التكليف التي في السماء أم من جنة في الأرض؟ فتكلم على هذه المسألة، وقد اختلف قوله فيها، فكان في بعض كتبه يرى أن آدم ﷺ أخرج من جنة النعيم، ثم رجع عن هذا القول، وقال: إنها جنة أخرى.

رابعًا: هذا الكتاب بعض أهل العلم يقول: إنه غير كامل، وممن ذهب إلى هذا محقق كتاب درء تعارض العقل والنقل، وهو الشيخ محمد رشاد سالم، وممن يقول بأن الكتاب ناقص أيضًا: الشيخ عبد الرحمن المحمود، كأنهم فهموا ذلك -والله تعالى أعلم- من بداية الكتاب، فالكتاب في أوله هكذا: فصل، لكن لم يعثر على نسخة خطية فيها ما يدل علي زيادة، أو وجود نقص، أو شيء من هذا القبيل، والله تعالى أعلم.

311- والآيات الخارقة جنسان: جنس في نوع العلم، وجنس في نوع القدرة، فما اختص به النبي ﷺ من العلم خارج عن قدرة الإنس والجن، وما اختص به من مقدورات خارجة عن قدرة الإنس والجن، وقدرة الجن في هذا الباب كقدرة الإنس؛ لأن الجن هم من جملة من دعاءهم الأنبياء إلى الإيمان، وأرسلت إليهم الرسل، ومعلوم أنه إذا دعا الجن إلى الإيمان، فلا بد أن يأتي بآية خارجة عن مقدورهم.

الآن الخوارق يقول على نوعين: خوارق النبي ﷺ، أو خوارق الأنبياء، أو على جنسين، وتحت كل جنس أنواع، فالجنس الأول: هو في نوع العلم، وتحته أنواع، على سبيل المثال الإخبار عن الأمور الغيبية الماضية، كما أخبر عن أصحاب الكهف، أولئك الفتية في غابر الدهر، الذين قد انقطع خبرهم، ولا يعلم خبرهم على التفصيل إلا نبي، فأخبر ﷺ عنهم، وكذلك أخبر عن ذي القرنين، وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [سورة الكهف:83] أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [سورة الكهف:9] فهذا إخبار عن أمورٍ غيبية كائنة في الزمن الماضي، وهكذا أخبر ﷺ عن أمور غيبية في الزمن الحاضر، مثل: لما مات النجاشي أخبر عن موته[7]، وأخبر ﷺ عن حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله تعالى عنه- لما أرسل كتابًا يخبروا المشركين فيه بمسير النبي ﷺ إليهم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فأرسله مع امرأة، فأخبرهم النبي ﷺ عن موضعها، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب، فخذوه منها[8]، فذهبوا إليها فوجدوها كما وصفها النبي ﷺ، وأخرجت لهم الكتاب من عقاصها -ظفيرتها أو شعرها- قد ظفرت عليه شعرها، فهذا إخبار عن أمور واقعة، كائنة، حاضرة.

وهناك إخبار عن أمور مستقبلة كما قال: الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ [سورة الروم:1-4] وأخبر عن أشياء كثيرة أنها ستقع، وبعض ذلك حصل وشاهدوه، كفتح بلاد فارس والروم تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله...[9]، وأخذ كنوز كسرى وقيصر، وما حصل لسراقة من ذلك[10]، إلى غير هذا من الأمور المستقبلية، وبعض ذلك سيتحقق قطعًا، كما بشّر النبي ﷺ، بفتح روما والقسطنطينية، فهذا يعتبر من قبيل الخوارق في باب العلم، فهذه أنواع من هذا الجنس، ولا يقف عند هذا.

وكذلك أيضًا ما كان في باب القدرة، فهذا جنس تحته أنواع، ومن الأنواع مثلًا ما كان في العالم العلوي، مثل انشقاق القمر، ومن الأنواع الداخلة تحته ما كان في النبات والشجر، كحنين الجذع.

وكذلك كما في صحيح مسلم في حديث جابر لم يجد شيء يستتر به لقضاء حجته، فأخذ بطرفي شجرتين، وقال النبي ﷺ: انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش، الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما، لأم بينهما - يعني جمعهما - فقال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا"[11].

ومنه ما كان فيما يتصل بالحيوان، كالجمل الذي شكا للنبي ﷺ أن صاحبه يُقصر في إطعامه، وأنه يكلفه أكثر مما يطيق[12]، ونحو ذلك.

وأيضًا هناك أشياء من جنس آخر، كتكثير الطعام[13]، ونبع الماء بين أصابعه -عليه الصلاة والسلام[14]، إلى غير ذلك، فما كان من باب القدرة هذا جنس تحته أنواع، والمقصود بذلك هو التمثيل فحسب.

فيقول هنا: فما اختص به النبي ﷺ من العلم خارج عن قدرة الإنس والجن، فالجن قد يخبرون عن بعض الأمور، ولكن هذا الذي يُخبرون به يمكن أن يفعله الجن الآخرون، حينما يسترقون السمع مثلًا، أو غير ذلك، فيأتون بأخبار الآخرين، يعني: يعرف مكان المسروق لأنه مع القرين، ونحو ذلك، فيأتي بالخبر، لكن الذي يأتي به النبي ﷺ من عند ربه -تبارك وتعالى- خارج عن قدرة الجن؛ لأن النبي ﷺ أرسل إلى الإنس والجن، فهذه الخوارق لا بد أن تكون خارج عن مقدورهم، ومن أعظم هذه الخوارق القرآن نفسه؛ ولما سمعه الجن قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [سورة الجن:1].

ويقول: وما أُختص به من المقدورات خارج عن قدرت الإنس والجن كذلك، يعني: مثل انشقاق القمر، ونبع الماء بين أصابعه هل يستطيع الجن هذا؟! كل هذه الأمور لا يستطيعونها، فهي خارقة، من أجل أن يكون ذلك آية تُثبت نبوته -عليه الصلاة والسلام.

يقول: لأن الجن هم من جملة من دعاءهم الأنبياء إلى الإيمان، وأُرسلت إليهم الرسل... إلى آخر ما قال، ومن ثمّ فإنه يقال: بأن هذه الخوارق التي تكون على يد الأنبياء التي سموها بالمعجزات، وسُميت بالخوارق، وحتى التسمية بالخوارق لم ترد في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم، لكن على كل حال لا مُشاحة في الاصطلاح، وإن كان كون هذا من الخوارق لا ينضبط انضباطًا كاملًا، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الكتاب، فهذه الأشياء التي سموها بالخوارق، لا بد أن تكون خارقة لعادة الثقلين، لا يستطيع أحد منهم أن يأتي بمثلها، لكن ما يأتي به الساحر هل ذلك يكون خارقًا من الخوارق؟ وهل يكون خارقًا لعادة السحرة؟ الجواب: لا، وما يفعله الجني أو يأتي به الجني هل يكون خارقًا لعادة الجن؟ الجواب: لا، وإنما ما يأتي به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يكون خارقًا لعادة جنس البشر، وجنس الجن، فلا يستطيعون أن يأتوا بمثله أبدًا، وهذا فرق مهم بين معجزات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وخوارق السحرة، وهناك فورقات أخرى على كل حال، وقد ذكرتُ بعض منها هناك، وسيأتي فروقات يذكرها شيخ الإسلام هنا.

312- والتحقيق: أن من كان مؤمنًا بالأنبياء لم يستدل على الصلاح بمجرد الخوارق، التي قد تكون للكفار والفساق، وإنما يستدل بمتابعة الرجل للنبي، فيميز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بيّنها الله ورسوله.

المعتزلة وبعض المتكلمين التبس عليهم الأمر، فقالوا: ما يأتي به السحرة هو من قبيل الخوارق، وما يأتي به الأنبياء هو من قبيل الخوارق، فهذا يُوقع التباس، فوضعوا قيودًا في المعجزة، ذكرتها لكم من قبل، لا حاجة إليها، فقالوا مثلًا: آيات الأنبياء أو الخوارق التي تظهر على أيديهم، والتي يسمونها بالمعجزات: لا بد أن تكون مقرونة بالتحدي، مع دعوى النبوة؛ ليفرقوا بينها وبين خوارق السحرة، وهذا كله لا حاجة إليه، وقد ذكرتُ لكم هناك أن بعض هذه الخوارق تقع من غير تحدي، أليس كذلك؟ فنبع الماء بين أصابعه ﷺ[15] وهو بين أصحابه، بل قد يكون وحده كما في حديث جابر في الشجرتين[16]؛ لما أراد النبي ﷺ أن يستتر، فانتقلت كل شجرة إليه، ولم يشعر بجابر ، ولم يعلم أنه يراه، فهذه خوارق وقعت له مع نفسه -عليه الصلاة والسلام، فلا يُشترط في هذا التحدي، ولا يُحتاج فيه أن يكون مقرونًا مع دعوى النبوة، وكذلك أيضًا ما يكون على أيدي أتباع الأنبياء الذي سماه المتأخرون بكرامات الأولياء، والصحيح كما يقول شيخ الإسلام ويقوله أهل السنة، والشاطبي تكلم على هذا بكلام جيد في كتابه الموافقات، فيراجع.

وحاصل ذلك: أن هذه الكرامات التي يقولون لها: كرامات الأنبياء، هي في الواقع من جملة آيات الأنبياء؛ لأنها حصلت لهؤلاء الأولياء لكونهم آمنوا بالأنبياء، فكانت دليلًا على صدق المتبوع، الذي آمنوا به، كما وقع لأبي مسلم الخولاني -رحمه الله- وهو من التابعين؛ لما ألقاه الأسود العنسي في النار، فلم يحترق[17]، فهذه من جملة كرامات الأولياء، والواقع أنها من قبيل آيات الأنبياء؛ لأنها ما وقعت للتابع إلا لكونها دالة على صدق المتبوع، فذلك جميعًا يقال له: آيات الأنبياء، ودلائل النبوة، إلا أن المتأخرين سموا ما يقع على أيدي الأولياء بالكرامات، وما يقع على يد الأنبياء بالمعجزات.

الآن شيخ الإسلام يقول: من كان مؤمن بالأنبياء لم يستدل على الصلاح بمجرد الخوارق التي قد تكون للكفار والفساق، فهذه الخوارق التي قد تكون للفساق والكفار منها ما يكون بمعرفة خواص الأشياء على سبيل التلبس والتدليس، مثل الذين كانوا في زمن شيخ الإسلام من بعض المنحرفين من الصوفية، يطلون أنفسهم، ويدخلون في النار، فلا يحترقون، ويقولون: هذا يدل على كرامة أهل هذه الطائفة على الله ، وأنهم على حق، فشيخ الإسلام تحداهم أمام الأمير، وطلب منهم أن يزيلوا أثر هذه المواد التي يضعونها على أجسامهم، ثم يدخل معهم في النار، فأبوا، فهذا من جنس التلبيس.

وهناك أشياء هي من قبيل السحر، ولربما تلبست بهم الشياطين، فما الذي يحصل لهؤلاء؟ مثل هذا الإنسان الذي ربما يمشي على النار، أو يبتلع النار، أو ربما يمشي عليه القطار ولا يتأثر، أو يدخل السيف من صدره، ويخرجه من ظهره، فمثل هذا ماذا يقال في حقه؟ يقال: إما أنه يُلبِّس على الناس، من قبيل الخداع، خفة يد، أو يكون ذلك من قبيل سحر التخيل، يسحر الأعين، سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ مثل السحر الذي وقع من قِبَل السحرة الذين جاء بهم فرعون سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [سورة الأعراف:116] هذا اسمه سحر التخيل، وهو السحر الذي كان عند العبيدين، والذي كان يفعله الشهاب المصلوب، وأمثال ابن سبعين، وهؤلاء المردة من كبار المنحرفين العتاة على الله -تبارك وتعالى، ويظهرون أن ذلك من قبيل الكرامات، ونحو ذلك، كما ذكر القرطبي -رحمه الله- حيث يقول: يطارده أحيانًا الفرسان، ثم بعد ذلك، يتدحرج رأسه، ويمشي، وهؤلاء قد لا يرونهم أصلًا، ثم يتكلم الرأس مع القرطبي، يقول: هل ذهبوا؟ هل تراهم؟ والرأس على الأرض، ثم يرجع رأسه من جديد إلى جسده، فهذا كله من قبيل سحر التخيل، وليس من قبيل معجزات الأنبياء، ولا كرامات الأولياء.

فهذا قد تتلبس بهم الشياطين أحيانًا، فيبتلعون النار، أو يجلسون في النار، وهذا قد يفعلون بعض أولئك الذين يظهرون فيما يُسمى بالسرك، والآن صار يفعلوها للأسف بعض الفرق التي يقال عنهم: بأنهم من المستقيمين والمتدينين، ويحيون ليالي في بعض المخيمات الدعوية للأسف الشديد، ويأتي بهم، ويأكل الخشبة، وفيها النار والجمر، ويمشي على المسامير، ويأكل الزجاج، ويمشي على النار، فهذا لا يمكن إطلاقًا، فإما أن يكون من قبيل الخداع، وإما أن يكون من قبيل سحر الأعين (التخيل) وإما أن تتلبّس بهم الشياطين، فإذا تلبّست بهم الشياطين يصير الشيطان هو الذي متلبس بمسلاخ هذا الإنسان، فلا يشعر؛ ولذلك الذي يتلبس به الشيطان لو ضربته بالحديد ما يشعر، الذي يشعر هو الشيطان الذي فيه؛ ولذلك تجد مثل هؤلاء لو قُرئ عليهم القرآن يبطل ذلك.

ولهذا بعض هؤلاء -كما قال شيخ الإسلام- تحملهم الشياطين على الهوى على مكنسة، أو على جرة، أو على نحو ذلك، فلا ربما قال بعضهم كلمة، كأن يقول: لا إله إلا الله، حينما يصعد ويرى الناس تحته، فيسقط من أعلى وذلك لما ذكر الله -تبارك وتعالى، فكيف إذا قُرئ عليه القرآن، كآية الكرسي، ونحو ذلك، فهذا كله من قبيل السحر والشعوذة، وهؤلاء الذين يمكن أن يمشوا على الماء، أو يطيروا في الهواء، أو يمشى الواحد منهم على النار، أو يدخل في النار، أو نحو ذلك، هل هذه تُعد كرامة له؟

الجواب: لا، وإنما ينظر إلى حال هذا الإنسان، واتباعه للرسول ﷺ، وسلوكه في سيره إلى الله -تبارك وتعالى، ولزومه للسنة، فإن كان ملازمًا للسنة فهذا يمكن أن يقال: إن ما حصل له كرامة، وأما إذا كان على حالٍ أخرى، قد يكون لا يصلي أصلًا، وقد يفعل الفواحش، فمثل هذا لا يقال: هذه كرامة، ولو رأيناه يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، فهذا ضابط لا بد من معرفته، وبعض الناس الذين لا بصر لهم في بعض الأمور، لربما يذهبون ويشاهدون أشياء عند بعض من يدعي هذه الكرامات أحيانًا في أماكن قد يوجد فيها جهاد للكفار، ونحو ذلك، فيأتي بعض هؤلاء ويضرب بأنواع الأسلحة، ويضرب بالرشاش من رأسه إلى أخمص قدميه، ويتخرق قميصه، ولا يحصل له شيء، فيقال هذه: كرامة، والكرامة لا تكون بهذه الطريقة، وصاحب الكرامة لا يستعرض بها، وإنما يقع له ذلك من غير طلب ولا إرادة، وربما وقع له ذلك عند الحاجة، كأن يكون في مقام مناظرة، أو نحو هذا، كما احتسى خالد بن الوليد السم[18]، فمثل هذا يقع في هذه المقامات في حدود ضيقة، وإلا فالأصل أن الكرامات تقع من غير تطلّب، أما هذا الذي يجلس أمام الموافقين له، ممن يحسنون الظن به، ويقول: اضربوني بهذا السلاح، لو قرأ أحدهم عليه آيات وضربه ضربة واحدة فقط لجعله خبرًا بعد عين.

فعلى كل حال لا بد من ضبط هذه الأشياء من أجل ألا يضلل الإنسان، فينظر إلى سيرة الإنسان وسلوكه وعمله، واتباعه للكتاب والسنة، ظاهرًا وباطنًا، فنعرف أن هذا من أولياء الله، أو ليس كذلك.

313- وأما من لم يكن مقرًا بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره، إذ الولي لا يكون وليًا إلا إذا آمن بالرسل، لكن قد تدل الخوارق على أن هؤلاء على الحق دون هؤلاء؛ لكونهم من أتباع الأنبياء، كما قد يتنازع المسلمون والكفار، فيؤيد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دنيهم، كما كانت النار على أبي مسلم بردًا وسلمًا، ونحوه.

هذا مكمل للكلام الذي قبله: أن من لم يكن مقرًا بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره، إذ الولي لا يكون وليًا إلا إذا آمن بالرسل، لكن قد تدل الخوارق على أن هؤلاء على الحق دون هؤلاء؛ لكونهم من أتباع الأنبياء... إلى آخره.

314- وحقيقة الأمر أن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة، وبرهان عليها، فلا بد أن يكون مختصًا بها، لا يكون مشتركًا بين الأنبياء وغيرهم، فإن الدليل هو مستلزم لمدلوله، لا يجب أن يكون أعم وجودًا منه، بل إما أن يكون مساويًا له في العموم والخصوص، أو يكون أخص منه.

لو كانت هذه الخوارق يكفي أن تخرق عادة عامة الناس؛ لدخل في ذلك الخوارق التي تكون على يد السحرة؛ لأنها تخرق عادة غير السحرة، فيكون ذلك مشتركًا بين الأنبياء وغير الأنبياء من السحرة، وأصحاب الخوارق الأخرى، ومن ثمّ فإنه لا يتبين بذلك النبوة، وصدق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ لأن الدليل أو الخارق أوسع، فهو يقع للأنبياء ولغير الأنبياء، لكن لا بد أن يكون الدليل أخص، بمعنى: أنه لا يمكن أن يدل على غير المطلوب، فيكون إما أخص، وإما مساويًا، فهذه الخوارق التي يأتي بها الأنبياء -عليه الصلاة والسلام- لا بد أن تكون مغايرة تمامًا للخوارق التي تقع على يد غير الأنبياء، ومن ثمّ فيكون ما يقع على يد الأنبياء مختصًا بهم، لا يشاركهم فيه غيرهم، وإلا حصل التباس.

طيب قد تقول: والخوارق التي على يد السحرة؟ نقول: هذه تختلف عن خوارق الأنبياء، فخوارق الأنبياء تخرق عادة جنس البشر بلا استثناء حتى الملائكة والجن؛ لأنها من الله لا يستطيع أي أحد أن يأتي بها من عند نفسه، وأما الذي يقع على يد السحرة فيستطيع أي ساحر أن يأتي بمثله؛ ولهذا لما ظن السحرة أن آية موسى ﷺ من جنس آيات السحرة، قالوا له ما قالوا، وقال له الملأ من قوم فرعون: فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُه نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى [سورة طه:58] يعارضون السحر بمثله، يعرضوا خوارق السحرة بجنسها، فتبيّن لهم أن هذا الذي جاء به موسى ﷺ ليس من هذا القبيل في قليل ولا كثير، فلما رآه السحرة، وهم كبار السحرة بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [سورة الشعراء:37] لما رأوا هذا عرفوا أن ذلك لا قبيل لهم به، وأنه خارج عن جنس خوارقهم، فمباشرة أذعنوا وسجدوا، وآمنوا، وصبروا على أذى فرعون، وما توعدهم به.

315- ويجب ألا يعارضها من ليس بنبي، فكل ما عارضها صادر مما ليس من جنس الأنبياء، فليس من آياتهم.

يعني: لا يستطيع أحد أن يعارضها، ما معنى أن يعارضها؟ ليس المعنى: يعارضها بلسانه، ويقول: هذه لا أؤمن بها، ولا أقبلها، وإنما يقول: هات مثلها، أي مثل: انفلاق البحر، والعصا التي تنقلب حية، وهذا القرآن هاتوا مثله، فلو قال: أنا لا أؤمن بها، هذا من كلام البشر، طيب هذا التحدي قائم إلى اليوم، لا يستطيع أحد أن يعارض هذه الآية، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [سورة الإسراء:88] فلو اجتمع الإنس والجن، فالتحدي قائم، فأين القدر والإمكانيات؟ ولو أنشأوا ما شاءوا من مراكز، لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن، هذا المقصود بالمعارضة، المعارضة ليس بالكلام، وإنما المعارضة أن يأتي بمثله.

316- والرسول بيّن الحق الذي جاء به من الخبر والأمر، فبيّن البراهين على صدق الخبر، وعلى صحة الأمر ونفعه، قال الإمام أحمد -رحمه الله: الأصول أربعة: دال، ودليل، ومبين، ومستدل، فالدال هو الله، والدليل هو القرآن، والمبين هو الرسول، والمستدل أولو العلم الذين أجمع المسلمين على هدايتهم ودرايتهم.

فهم الذين يستنبطون الأحكام، ويبينون عن مراد الله -تبارك وتعالى، وهم المؤهلون للفهم عن الله، وعن رسوله ﷺ، فانظروا الآن هذه الأمور الأربعة: الله هو الدال، والدليل هو القرآن، والمبين هو النبي ﷺ، لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل:44] فبعض الناس استغنى عن الثالث والرابع، كبعض أصحاب المدرسة العقلية، ومن عرف بالقرانين، يقولون: لا حاجة لنا بالسنة، يكفينا القرآن، وهذا أيضًا يقوله بعض الناس من هؤلاء العلمانيين واللبراليين ونحوهم، فبعضهم يقول: يكفي القرآن، فاستغنوا عن المبيِّن الذي هو الرسول، والمستدل وهم أولو العلم، وكثير من الذين في مثل هذه الأيام يقولون عن أنفسهم بأنهم من المثقفين، أو نحو ذلك، ممن يتلقون عن بعض الكتب المترجمة، أو بعض الكتب المنحلة لبعض العقلانيين، ونحو ذلك مما يسمونهم بالتنويريين، وبعض الممسوخين المهجنين بين الشريعة وحقائقها والمذاهب الأخرى المنحرفة، مثل هؤلاء يقولون: لسنا بحاجة للعلماء، ولسنا بحاجة إلى أن نؤجر عقولنا لأحد، فنحن نفهم كما يفهمون، ونستنبط كما يستنبطون، وبعض المساكين ممن يقول بحسن نية: لما ظهرت الشيخ قوقل، والمكتبة الشاملة، ونحو ذلك، انتهينا من قضية العالم الحافظ الكبير، العلامة، الإمام الفقيه، وما أشبه ذلك، فهؤلاء قد يعذر بعضهم؛ لأنه يحتاج أن يُبصر بأشياء كثيرة حتى يفهم ما يقال، فبعض الناس يقول هذا الكلام، ولكن واضح أنه يعيش في جهلٍ أوقعه بمثل هذه الظنون الكاذبة.

317- من الفروق بين آيات الأنبياء وغيرهم... .

هذه الفروق مهمة، وهي تؤيد ما سبق؛ لأن المعتزلة وبعض المتكلمين يقولون: يلتبس معجزات الأنبياء مع خوارق السحرة، وهذا التفريق أيضًا يحتاج إليه فيمن يلتبس عليه ما يقع من الكرامات للأولياء، وما يقع لبعض المشعوذين والدجالين الذين يدعون الولاية.

من الفروق بين آيات الأنبياء وغيرهم: أن النبي صادق فما يُخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومن خالفهم من السحرة والكهان لا بد أن يكذبوا.

يعني: النبي يكون أكثر الناس صدقًا، الصادق الأمين، فلا يُعهد عليه كذب، وأما السحرة فهم معدن الكذب.

ومنها: أن الأنبياء لا يأمرون إلا بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، ولا يفعلون إلا البر والتقوى، ومخالفوهم بضد ذلك.

فالساحر كل ما كان أكثر انغماس في الرذيلة والشر والفساد والنجاسة، كان أقدر على السحر، وأعظم في هذا الباب، وهذا أمر معروف، فكل ما كان أكثر تدنسًا، وأوغل في ذلك كان في السحر أبرع، فالأنبياء على النقيض من هؤلاء السحرة، في حالهم، ومقالهم، وطهارتهم، وما يأمرون به، وما يدعون إليه؛ ولهذا هرقل سأل أبا سفيان ومن معه، عما يدعو إليها النبي ﷺ، ويأمرهم بها؛ ولما ذكروا له الأشياء التي يأمر بها، عرف أنه نبي، وسألهم عن صدقه، وهل جُرب عليه الكذب؟ واستدل بهذا على أنه ما كان ليترك الكذب على الناس، ثم يكذب على الله.

ومنها: أن السحر والكهانة ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم، ولمن اتبعهم.

وأيضًا ممكن تبطل هذه الخوارق بالنسبة للسحرة حتى من غير السحرة، ولعلي ذكرتُ لكم في بعض المناسبات أشياء من هذا القبيل، في غير هذه الدروس، مثل الذي جاء لمجموعة من السحرة نحو ستة سحرة، ومعهم ساحر أكبر منهم، وكل واحد منهم معه سلاح أو حديدة، فيهجمون على هذا، وكلهم قد حسر عن أعلى جسده، ليس عليه شيء، قد عرها، فيهجم الواحد بعد الواحد، فإذا وصلوا إليه انقطعوا وتمايلوا وعجزوا، ثم يسقط الواحد منهم لا يستطيع أن يفعل شيئًا، فجاء رجل معروف من أهل الحسبة وهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومن المشهورين بهذا، ومما لهم جهود في مقاومة السحر، والقضاء على السحر، وقد رأيتُ هذا بنفسي مصورًا، فجاء إلى هؤلاء في ذلك البلد، فقال له كبيرهم: خذ سلاحًا، أو أي شيء، قال: لا، ما احتاج أي شيء، فقال: أنت لا تعرف، فذهب معه، فصار يأتي إليهم واحدًا بعد الآخر، فيقول: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق[19]، وينفخ على كل واحد، فيطير مثل الورقة التي تطير في مهب الريح، ويتدحرج ويذهب بعيدًا، فكان ينفخ عليهم جميعًا الواحد بعد الآخر، ومعهم كبيرهم، وكلهم قد تدحرج وسقط وذهب كالريشة تذروها الرياح، وإنما قال فقط: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق[20]، يقول: ما قرأتُ، ولا احتاجتُ أن أقرأ، والآخر الذي حضر في مكان فيه سرك، ورأى رجلًا تخرج من فمه نار عظيمة، يقول: فبدأتُ أقرأ عليه آية الكرسي، فتوقف، ثم بدأ يقول للناس: الذي مشبك أصابعه يفتحها، والذي عامل كذا، يقول: ما في فائدة، فيقول: خشيتُ أن أُعرف، فصرتُ أذهب وأتراجع، حتى أبعدتُ وأنا اقرأ، ثم توقفتُ عن القراءة وأنا في مكان بعيد، فرجعت النار تخرج من فيه، عظيمة جدًا، وأنا أنظر إليهم، هذا بقراءة آية الكرسي، حدثني من فعل ذلك بنفسه.

وذكرتُ لكم أنني رأيتُ بعضهم يحملون الرجل بالأصابع، ويضعون على رأسه طاقة أو نحو ذلك، فقلتُ: تعالوا احملوني، ولا تستطيعون، فجلستُ أقرأ فلم يفعلوا شيئًا، فأخبرني أحد كبار المشايخ في مصر قديمًا، وهو الشيخ عبد الفتاح سلامة، وهو من زملاء الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- ومن مؤسسي جماعة أنصار السنة في مصر، لا أدري هو الآن على قيد الحياة أو لا؟ أنه: جاء إلى أولئك الذين يزعمون أنهم يحضرون الأرواح، يقول قلتُ لهم: حضروا روحي، يقول: حاولوا وحاولوا، فقالوا: أنت روح قوية، لكن آيات الأنبياء هل يمكن أن يؤثر فيها شيء؟ أبدًا.

ومنها: أن غير النبوة يُنال بالتعلم والسعي، والنبوة فضل الله لمن اختارهم من خلقه.

النبوة لا تُنال بالكسب، أما السحر فممكن أن يتعلمه أي واحد، كما قال الله تعالى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [سورة البقرة:102].

ومنها: أن ما يأتي به غير الأنبياء من الخوارق لا يخرج عن كونه في مقدورًا للإنس والجن، وما يأتي به الرسل بخلاف ذلك، بل قد تكون لا يقدر عليها مخلوق لا الملائكة، ولا غيرهم.

ومنها: أن كل نبي لا بد أن يتقدمه أنبياء، لا يُخبر ولا يأمر إلا بجنس ما أخبرت به الرسل وأمرت، فله نظراء يُعتبر بهم، وكذلك السحرة والكهان، ونحوهم، لهم نظراء يُعتبرون بهم.

فصفات الأنبياء معروفة؛ ولهذا لما أخبرت خديجة -رضي الله عنها- ورقة بن نوفل بحال النبي ﷺ لما نزل عليه الوحي، قال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى [21]، فعرف أنه نبي.

ومنها: أن النبي لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فيأمر بالتوحيد والإخلاص والصدق، وينهى عن الشرك والكذب والظلم، فالعقول والفطر توافقه، كما توافقه الأنبياء قبله، فيصدقه صريح المعقول، وصحيح المنقول، الخارج عما جاء به، والله أعلم.

318- أصول الدين الذي بعث الله به محمد ﷺ قد بيّنها الله في القرآن أحسن بيان، وبيّن دلائل الربوبية والوحدانية، ودلائل أسماء الرب وصفاته، وبيّن دلائل نبوة أنبيائه، وبيّن المعاد، بيّن إمكانه وقدرته عليه في غير موضع، وبيّن وقوعه بالأدلة السمعية والعقلية، فكان في بيان الله أصول الدين الحق، وهو دين الله، وهي أصول ثابتة صحيحة معلومة تتضمن بيان العلم النافع، والعمل الصالح، الهدى، ودين الحق، وأهل البدع ليس فيما ابتدعوه لا هدى، ولا دين حق، وكل ما خالفوا فيه الشرع، فقد خالفوا فيه العقل، فإن الذي بعث الله به محمدًا ﷺ وغيره من الأنبياء هو حق وصدق، وتدل عليه الأدلة العقلية، فهو ثابت بالسمع والعقل، والذين خالفوا الرسل ليس معهم سمع، ولا عقل، كما أخبر الله عنهم، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [سورة الملك:10] فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [سورة الحج:46] فالشرع هو الحق والعدل والقسط والصدق، وما بعد الحق إلا الضلال.

هذا الكلام ظاهر وواضح، لكن فيما يتصل بما جاء به هؤلاء المخالفون من أمور هي في الواقع مخالفة للعقل، ولو كانوا يدعون أنهم أصحاب عقول، والسبب في ذلك قد مضى الكلام عليه بشيء من التفصيل، فيما استخرجه الشيخ -رحمه الله- من درء تعارض العقل والنقل، وقلنا هناك: بأن العقل لا يمكن أن يخالف النقل؛ ولهذا كانت أدلة الشرع منقسمة إلى دلائل عقلية، ودلائل نقلية، ينضاف إلى ذلك أيضًا ما يدل من الفطر.

فعلى كل حال الدليل العقلي هو من جملة الدليل الشرعي، ولا يقال: دل على ذلك العقل والشرع، وإنما يقال: دل على ذلك العقل والنقل، فكل ما خالف النقل فإن ذلك يكون قدحًا فيه، أنه ليس من العقل الصحيح في شيء، فهؤلاء الذين يأتون بأمور يخالفون بها الشرع، ويقولون: إن العقل دل عليها، أو أنها من قبيل المعقولات، أو نحو ذلك، لم يوافقوا النقل، ولم يوافقوا العقل، وقل مثل ذلك في زمانك هذا، واعتبر بحال هؤلاء الذين يقدمون عقولهم وآراءهم على شرع الله -تبارك وتعالى، ويدّعون أن في الشرع من الأمور ما لا يصلح لعصرهم هذا، وما إلى ذلك من فلسفات يقولونها، فالواقع أن هؤلاء قد جانبوا المنقول، وخالفوا المعقول في الوقت نفسه، فكل من خلاف النقل فالواقع أنه مخالف في العقل، لا يمكن أن يسعفه العقل بحال من الأحوال، هذا أصل كلي كبير، وأن خفي عليك تفصيله في بعض المسائل، لكن أنت ينبغي أن تعرف هذا، وأن تعتصم بهذا الأصل، فكل من يأتي بفلسفات عقلية يدعي أنها مقدمة، أو أنها مخالفة على المنقول، على ما جاء في الكتاب والسنة، فأعلم أنه مخالف للعقل، كما أنه قد خالف النقل.

وشيخ الإسلام دائمًا كان يرد عليهم بأدلتهم التي يستدلون بها، ويبيّن خطأهم في المعقول، وذكرنا أمثلة من هذا من قبل، لكن إذا عجز الإنسان عن هذا فإنه يتذكر هذا الأصل، ويرجع إليه من أجل ألا يحصل له شبهة، أو تلبيس، فيغتر بما يقوله بعض هؤلاء، وهم كثر في هذه الأيام.

319- وقد دل القرآن على أنه لا يؤيد الكذاب عليه، بل لا بد أن يظهر كذبه، وينتقم منه.

ومن ثمّ فهذا مما يستدل به من الأدلة العقلية على صدق النبي ﷺ، يقال لهؤلاء المخالفين: كيف يكون هذا الرجل يدعي أنه مرسل من الله، وأن الله أمره بكذا وكذا، ونهاه عن كذا، وأنه أرسله للناس جميعًا، ثم قام يقاتل من خالفه، وأن الله أمره بقتالهم، وأباح له دماءهم وأموالهم، ثم الله يظهره عليهم، وينصروه، ويبقى على هذا المدة الطويلة، أكثر من عشرين سنة، وهو من نصر إلى نصر، ومن تمكين إلى تمكين، حتى ينتشر ذلك، ويظهر دينه، فيكون غالبًا على سائر الأديان، لا يمكن لأحد أن يكذب على الله، ثم الله يفعل به ذلك جمعيًا، فإن من عرف الله بأسمائه وصفاته فأنه يعلم أن ذلك من قبيل الممتنع الذي لا يمكن أن يكون، فلا يمكن أن يقر الله -عز وجل- إنسان وهو بهذه الجرأة في الكذب عليه، فهذه من الأشياء التي يستدل بها على صدقه ﷺ، وتجدون مثل هذا الكلام في الكلام على النبوة في شرح العقيدة الطحاوية، وهو في الواقع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله.

320- والاستدلال بالحكمة أن يعرف أولًا حكمته، ثم يعرف أن من حكمته أنه لا يسوي بين الصادق بما يظهر به صدقه، وبأن ينصره ويعزه، ويجعل له العاقبة، ويجعل له لسان صدق في العالمين، والكاذب عليه يبيّن كذبه، ويخذله ويذله، ويجعل عاقبته عاقبة سوء، ويجعل له لسان الذم واللعنة في العالمين، كما قد وقع هذا، وهذا هو الواقع.

يعني: نبوة النبي ﷺ وصدقه دل عليها القرآن والسنة والمعقول، وكذلك أيضًا يُستدل عليها من جهة حكمة الرب -تبارك وتعالى، فإن حكمته تأبى أن يسوي بين الصادق والكاذب، بل أن يظهر الكاذب وينصره ويعزه، ويجعل العاقبة له، ويجعل له لسان صدق في العالمين، فهذا لا يكون، وحكمته -تبارك وتعالى- تأبى ذلك، فالكاذب يكون له الصغار والمهانة والذل، ولا تكون له العاقبة، وأما الصادق فإن العاقبة تكون له، هذا استدلال بحكمة الرب -تبارك وتعالى- على صدق النبي ﷺ.

ومن رسالة الفرقان بين الحق والباطل.

هذه الرسالة -رسالة الفرقان- من آخر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، ألفاها في سجن القلعة بدمشق، وهي رسالة نفيسة، وقد طبعت عدة طبعات، وهي موجودة في مجموع الفتاوى، وهي حرية بالعناية، ويمكن أن أذكر بعض الجوانب المتعلقة بها على سبيل الإيجاز:

حيث ذكر في هذه الرسالة أن الكتاب والسنة هما المصدر الأصيل، والنبع الصافي، الذي ينبغي أن يعول عليه، وأن السلف الصالح من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كانوا أهل اتباع وانقياد وتسليم للكتاب والسنة، وما كانوا يخالفون ذلك بمعقولاتهم، وأذواقهم ومواجيدهم.

ثم تحدث عن الفرق التي حصلت، كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وأطال الكلام على الأشاعرة، فتحدث عن هؤلاء وانحرافاتهم، وكيف وقع لهم الانحراف.

وتكلم على علماء الكلام، والطرق التي سلكوها، والألفاظ التي أحدثوها، من التركيب والجسمية والجوهر والعرض والجهة، إلى غير ذلك من الألفاظ التي مضى الكلام عليها.

وتكلم على مسألة حدوث العالم، وطريقة ابن سيناء، وفسادها، إلى غير ذلك من المسائل التي يثيرها هؤلاء من المتكلمين والفلاسفة، أو من تأثر بهم.

وتطرق لـلصوفية، ورد عليهم، وبيّن انحرافاتهم وضلالتهم وناقشهم، وتكلم على مسألة خوارق العادات وموقف الناس منها، وتحدث عن أصحاب الخوارق الشيطانية، وأولئك الذين لا يفرقون بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، فالحاصل: أن هذا الكتاب بديع، جدير بالعناية.

321- فمن الفرقان ما نعت الله به رسوله ﷺ في قوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [سورة الأعراف:156].

يعني إلى آخر الآية: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ همْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَه مَكْتُوبًا عِنْدَهمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهمْ بِالْمَعْرُوفِ [سورة الأعراف:156، 157] هذا هو الشاهد وَيَنْهَاهمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [سورة الأعراف:157] فهنا يقول: ففرّق بين الحق والباطل، وبين المعروف والمنكر، وبين الهدى والضلال، أمر بهذا، ونهى عن هذا، وبيّن الطيب والخبيث وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [سورة الأعراف:157].

ومن الفرقان: أنه فرّق بين أهل الحق المهتدين المؤمنين المصلحين، أهل الحسنات، وبين أهل الباطل الكفار الضالين المفسدين، أهل السيئات.

كقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سورة الجاثية:21] وهكذا في كقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ [سورة ص:28] أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [سورة القلم: 35، 36] إلى غير ذلك من الآيات.

ثم ذكر الآيات في ذلك، فهو سبحانه بيّن الفرق بين أشخاص أهل الطاعة لله والرسول، والمعصية لله والرسول، كما بيّن الفرق بين ما أمر به، وما نهى عنه، وأعظم ذلك أنه بيّن الفرق بين الخالق والمخلوق، وأن المخلوق لا يجوز أن يسوي بين الخالق والمخلوق في شيء، فيجعل الخالق ندًا للمخلوق، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا [سورة البقرة:165] وقال: هَلْ تَعْلَمُ لَه سَمِيًّا [سورة مريم:65] وَلَمْ يَكُنْ لَه كُفُوًا أَحَدٌ [سورة الإخلاص:4] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [سورة الشورى:11] وضرب الأمثال في القرآن على من لم يُفرّق، بل عدل بربه، وسوى بينه وبين خلقه، فهو سبحانه الخالق العليم.

كما قال الله : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ۝ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الشعراء:97، 98] وقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [سورة النحل:17].

فهو سبحانه الخالق العليم، الحق الحي الذي لا يموت، ومن سواه لا يخلق شيئًا، وذكر الآيات في هذا المعنى الجليل.

كما في قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه وَإِنْ يَسْلُبْهمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوه مِنْه ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [سورة الحج:73].

322- فمن عدل بالله شيئًا من خصائصه فهو مشرك، بخلاف من لا يعدل به، ولكنه يذنب مع اعترافه بأن الله ربه وحده، وخضوعه له، خوفًا من عقوبة الذنب، فهذا يفرق بينه وبين من لا يعترف بتحريم ذلك.

يعني: المستحل الذي لا يرفع بذلك رأسًا يكون مشركًا، بخلاف المعترف الذي لا ينقاد.

وهو سبحانه كما يفرق بين الأمور المختلفة، فإنه يجمع... .

جاء الكلام متصل هنا، والواقع أنه فصل جديد، لكن الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- ألحقه بالكلام السابق.

وهو سبحانه كما يفرق بين الأمور المختلفة، فإنه يجمع ويسوي بين الأمور المتماثلة، فيحكم في الشيء خلقًا وأمرًا بحكم مثله، لا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين شيئين غير متماثلين، بل إن كانا مختلفين متضادين، لم يسو بينهما.

وهذا من كمال عدله -تبارك وتعالى، وحكمته، وعلمه، وخبرته.

323- وقد بيّن تعالى أن السنة لا تتبدل ولا تتحول في غير موضع، والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل بالثاني مثلما فُعل بنظيره الأول.

يعني: السنن الإلهية، وهي سنن الله -تبارك وتعالى- في خلقه.

ولهذا أمر تعالى بالاعتبار، والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله، فيعلم أن حكمه حكم مثله، وقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [سورة يوسف:111] أفاد أن من عمل مثل أعمالهم جوزي مثل جزائهم؛ ليحذر أن يعمل مثل أعمال الكفار؛ وليرغب في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين، أتباع الأنبياء.

ولهذا قصّ الأمم السابقة من أجل الاعتبار؛ ولما ذكر الله ما وقع لليهود في قصة النضير، قال: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [سورة الحشر:2] كيف يفعل الله بهؤلاء الذين كانوا يظنون أنهم في حال من القوة والتمكن والمنعة، ثم يفعل الله بهم ذلك، فالاعتبار أن ينتقل من حال غيره إلى حال نفسه، وقد عرفنا معنى هذا، وأن الأمثال فيها معنى الشبيه والشبه، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: بأن قصص القرآن جميعًا، من قصص الأنبياء، وقصص الأمم، كل ذلك يرجع إلى موضوع الأمثال، فهي داخلة فيه، من أجل الاعتبار، وأن الله ذكرها لهذه العلة؛ وذلك أن الله -تبارك وتعالى- قال: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [سورة محمد:10] قال: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [سورة الفجر:14] فمن فعل فعلهم قال عنه: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [سورة هود:83].

324- ومما ينبغي أن يُعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع:

نوع يعرف حده بالشرع، كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة، كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف، كالفظ القبض، ولفظ المعروف، في قوله: وَعَاشِرُوهنَّ بِالْمَعْرُوفِ [سورة النساء:19].

يقول: "إن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ" لأن:

أولًا: النبي ﷺ أعلم الأمة بذلك، وأنه لا ينطق عن الهوى.

ثانيًا: أن كل مخاطِب إنما يُحمل خطابه على معهوده، فلما كان خطاب الشارع بالشرعيات، فإنه يُحمل على المعاني الشرعية، فلا يُطلب بعد ذلك المعنى العرفي أو المعنى اللغوي، فإن لم يكن للشارع في ذلك عرف خاص، ومعهود محدد، فإنه يرجع في ذلك إلى معهود المخاطبين، يعني: عرف المخاطبين، فإن لم يكن لهم في ذلك عرف خاص، فإنه يرجع بعد ذلك إلى اللغة، فهي آخر ما يُرجع إليه.

وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنه ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات: أن الرسول ﷺ جاء بالهدى، ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم.

لعلنا نتوقف هنا؛ لأن الوقت انتهى. 

  1. أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق برقم (5258) ومسلم في كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنه لو خالف وقع الطلاق، ويؤمر برجعتها برقم (1471).
  2. أخرجه أحمد ط الرسالة (16297) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح، رجاله ثقات.
  3. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الطهارة، باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور برقم (1) وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور برقم (271).
  4. ينظر: قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر (1/ 251) وتجارب الأمم وتعاقب الهمم (1/ 314).
  5. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (14/ 278).
  6. أخرجه بهذا اللفظ أحمد ط الرسالة برقم (5959) وقال محققو المسند: "حديث صحيح. وأصله في الصحيحين.
  7. أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه برقم (1245) ومسلم في الجنائز، باب في التكبير على الجنازة برقم (951).
  8. أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب الجاسوس برقم (3007) ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر برقم (2494).
  9. أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال برقم (2900).
  10. السنن الكبرى للبيهقي برقم (13036) ومعرفة السنن والآثار برقم (13197).
  11. أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر برقم (3012).
  12. أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم برقم (2549) وصححه الألباني.
  13. أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ برقم (2281).
  14. أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء من التور برقم (200) ومسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ برقم (2279).
  15. أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء من التور برقم (200) ومسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ برقم (2279).
  16. أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر برقم (3012).
  17. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (4/ 8).
  18. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (1/ 376).
  19. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره برقم (2708).
  20. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره برقم (2708).
  21. أخرجه البخاري في كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ برقم (3) ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ برقم (160).

مواد ذات صلة