تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 18 / صفر / 1441 - 17 / أكتوبر 2019
الحديث على آيات الباب ، حديث «دينار أنفقته في سبيل الله..»
تاريخ النشر: ١٥ / محرّم / ١٤٢٨
التحميل: 1697
مرات الإستماع: 2212

مقدمة باب النفقة على العيال

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب جديد، وهو باب النفقة على العيال، والمقصود بالنفقة على العيال هو: ما يبذله الولي من أب وغيره لهؤلاء الذين تحت يده، من زوجة وولد وخادم، فإن هؤلاء يعولهم جميعاً، فهم من جملة العيال، فهذه الأمور التي يبذلها يدخل فيها المسكن والملبس والمأكل والمشرب، وما إلى ذلك من النفقات التي يحتاجون إليها.

قوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

قال الله -تعالى: وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُيعني: الوالد، رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أي: يجب عليه أن ينفق على أم الولد؛ لأنها ترضع له ولده، إذا طلق الرجل المرأة، فالله يقول في سورة البقرة: وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، ويقول قبلها في أول الآية: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، فالرجل إذا طلق امرأته ثم أرضعت له هذا الولد فإنه يجب عليه أن ينفق عليها؛ لأنها ترضع ولده، وَكِسْوَتُهُنَّ أن يعطي هؤلاء المرضعات من أم الولد كسوةً ويعطيها شيئاً من المال أو نحو ذلك من الطعام مقابل إرضاع هذا الولد، وهذا يدل على أن الوالد يجب عليه أن ينفق على من يعول، فهذا الولد لما كان من جملة من يعول وجب عليه أن ينفق على مرضعته، وهي مطلقته أم الولد، فإنها لا ترضع له مجاناً لو أنها طلبت مقابل هذا الإرضاع.

قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ...}

وقال -تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

في الآية الأولى قال: بِالْمَعْرُوفِ، والمعنى أن ذلك بحسب الزمان والمكان، وحال هذا الإنسان من الغنى والفقر، وهذا يختلف من وقت إلى آخر، فالله لم يحدد شيئاً معيناً، لم يقل: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بمقدار دينارين مثلاً، أو نحو هذا، وإنما قال: بِالْمَعْرُوفِ، فالنفقة التي تصلح قبل خمسين سنة قد لا تصلح اليوم، النفقة التي كانت تعطى للمرأة أو للولد أو للعيال في زمن النبي ﷺ، والمسكن الذي يعطى في ذلك الزمان ليس كما يعطى ويصلح في مثل هذا الزمان، ولهذا أحال الله   إلى المعروف، فكل ما أحال الله -تبارك وتعالى- فيه إلى المعروف فإن ذلك يرجع فيه إلى عرف أهل الوقت والمكان الذي وُجد فيه هذا الإنسان.

فيمكن لإنسان يعيش مثلاً في بلاد بعيدة في المشرق، في إندونيسيا مثلاً أن تكون النفقة مائة ريال، يمكن هذا للزوجة، لكن هنا لو أن أحداً يعطي زوجته نفقة مائة ريال هذا يعتبر قليلا جدًّا، ليست نفقة بالمعروف، يمكن لإنسان في بعض البلاد في إفريقيا مثلاً أن يسكّن هذه المرأة، أو أن تسكن مع عياله أو نحو ذلك في كوخ من الخشب، لكن لو أنه فعل هذا هنا فهذا ليس من السكنى بالمعروف، وحتى في الإطعام، إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، قال: مِن أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة:89]، من الناس من يعطي مثلا في بلاد فقيرة، كم كفارة اليمين في تلك البلاد؟ كفارة اليمين لربما لا تتجاوز ثلاثين ريالا، فهذا ليس من أوسط ما نطعم أهلينا، من أوسط ما نطعم أهلينا في هذا البلد مائة ريال، في النفقة، يعني: إطعام عشرة مساكين، الوسط: كل فقير عشرة ريالات يستطيع أن يأكل فيها وجبة، فهذا من أوسط ما نطعم، لكن في بلاد فقيرة يمكن أن يأكل بريالين، فقد يقول الإنسان: أنا أريد أن أخرج كفارة اليمين في تلك البلاد لأوفر، نقول: لا، مِن أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ، وهنا كذلك النفقة بالمعروف، فما أحال الله فيه إلى المعروف -إلى العرف- فإن ذلك بحسب الوقت والمكان الذي يعيش فيه هذا الإنسان.

وفي مثل وقتنا هذا الآن لو أن الرجل مثلاً أعطى مطلقته التي عندها منه ولد واحد ترضعه، لو أعطاها خمسمائة ريال فهذا يعتبر لا بأس به، إذا كان هذا الإنسان ليس من ذوي البسطة، ليس من أهل الجِدة والغنى، فإن الكثيرين عليهم ديون ترهق كواهلهم، والمتوسط بحسب ما يقدره القضاة في هذه الأيام، أن المرأة إذا أعطيت خمسمائة ريال، لكن لو كان غنيًّا فإنه يزيدها، كما في الآية الأخرى لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِه وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُِ يعني: ضُيّق عليه رزقه، فقير، فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا، لكن إذا كان راتب هذا الإنسان خمسمائة ريال نقول له: أعطها خمسمائة ريال؟ الجواب: لا، وإنما يعطيها بحسب عسره ويسره، وهذا من لطف الله بالناس، أنه يحيلهم إلى ما كان متناسباً في كل زمان ومكان، فيقدَّر مثل هذا، وأيضاً لا يكلف الإنسان أكثر من طاقته.

قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ...}

ويقول الله : وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، هذه الآية الثالثة التي أوردها المصنف، ما المراد بـ: يُخْلِفُهُ؟ بمعنى: لا تستخسر النفقة، هذا الذي يخرج من يدك الله يخلفه، هي مخلوفة، يُخْلِفُهُ يمكن أن يكون ذلك في الدنيا، ويمكن أن يكون ذلك في الآخرة، فهو عائد إليك، ولن يضيع منه شيء، قد يكون سبباً للنماء والبركة، ولهذا قال النبي ﷺ: لا تُوكِي فيُوكِي الله عليكِ، ولا تُحصِي فيُحصِي الله عليكِ[1].

فالذي يمسك هكذا يكون سبباً لتضييق الرزق عليه، بينما الذي ينفق ويبذل، ينفق على العيال، يصل الرحم، يعطي الفقراء، الله يبارك له، ويكثر عنده الخير والنماء، ويحصل له البركة، ولو كان دخله قليلا، ولذلك ليس المقياس كما يقول الحكماء: هو في قدر دخل الإنسان، لكن أخبرني كيف تنفق؟ أخبرك كيف تكون؟ ولذلك تجد الإنسان أحياناً لربما يكون دخله كبيراً، لربما يبلغ دخل الإنسان عشرين ألفاً في الشهر، ولكن إذا نظرت إليه فهو يقترض في آخر الشهر، وعليه ديون، ولا يدري لو سألته بماذا أنفقت؟ لا نرى شيئًا جديدًا أتيت به وأحضرته من أثاث أو نحو هذا له قيمة؟، يقول: لا أدري أين ذهبت، لست أدري، يقول لك: بالأمس صرفت ثلاثة آلاف، والآن ليس معي منها شيء، أين هي؟ لا أدري، هذا نزع البركة، لكن الآخر قد يكون دخله ثلاثة آلاف في الشهر، وتجده يوفر ويشتري سيارة، وبعد مدة يشتري أرضاً، وبعد مدة يعمرها، ويتزوج، ويبارك الله له بهذا المال ولو كان قليلا، فالعبرة بالبركة، ولذلك تجد من الناس من ليس له من الوظيفة والعمل والمال إلا الشيء القليل، ومع ذلك كوّن أموراً من تزوجٍ وعمارة دارٍ، ونحو ذلك.

ومن الناس من دخله كبير وترهقه الديون، ولا يستطيع أن يشتري أرضاً، ولربما لا يمضي عليه نصف الشهر إلا وقد ذهب ما بيده، من الناس من اعتاد الديون، كل شهر لابد أن يقترض، بل حدثني أحد هؤلاء الناس أن دخله مع دخل امرأته لربما يصل إلى ثلاثين ألفًا، يقول: آخذه وأنفقه مع نفقتي ولا ينتصف الشهر وعندي منه شيء، أين تضعه؟ أين هو؟ لا نرى منه شيئًا زائدًا في بيتك؟ يقول: لست أدري، أنا مثلك، هذا نزع البركة، يكون بيد الإنسان أحياناً خمسمائة أو نحو ذلك يخرج ويأتي لا تغيب الشمس وعنده منها شيء، أين هي يا فلان؟ يقول: لا أدري كيف ذهبت، فهذا نزع البركات، والله يقول: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39]، فالنفقة على العيال، النفقة على الأقارب، النفقة على الخادم، إعطاء الناس حقوقهم، هذا كله سبب للتعويض من الله ، والبركة في هذا المال، ولهذا قال النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة في ذكر الدنانير التي ينفقها الإنسان.

دينار أنفقته في سبيل الله
ولهذا قال النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة في ذكر الدنانير التي ينفقها الإنسان.
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك[1].

دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، هذه لك، تصدقت به، ودينار أنفقته في رقبة أي: تعتق رقبة، أو تساعد هذا الإنسان الذي كاتب غيره من أجل أن يعتق، تعطيه بعض الأقساط، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، هذا الثالث، ودينار أنفقته على أهلك، هذا الرابع، قال: أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك.

هذه قضية يغفل عنها كثيرون، كثير من الناس لربما ينفق على الآخرين، ويعطي ويتصدق وزوجته وأولاده لا يستخرجون منه شيئاً، وقد يضطرون أن يأخذوا منه خلسة، لماذا؟ هذا الذي تعطيه لهؤلاء من غير إسراف هو في سبيل الله، هو شيء تؤجر عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك، وليس معنى هذا أن الإنسان لا ينفق على الفقراء، لا ينفق في سبيل الله، ويقول: أنا كل ما عندي أعطيه لأهلي، نقول: إن كان هناك فضلة وزيادة فأنفق، أعطِ الفقير، وأعطِ ذوي الرحم، ونحو ذلك، لكن الذي تعطيه لعيالك تدخل عليهم السرور والفرح، ولا يحتاجون للناس، ولا ينظرون إلى أيدي الآخرين، وفلان عنده، وفلان بيته، ويأكلون وكذا، ونحن ما عندنا شيء، يشعرون بالحرمان، فهذا أمر غير جيد، وهذه نفقة واجبة أصلا ومع ذلك يؤجر الإنسان عليها، ولهذا نحن بحاجة إلى الاحتساب، هذه المصاريف التي أصلا الإنسان ينفقها على عياله فقط يحتسب فيها ما عند الله فيهون عليه ذلك.

هذا، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينامحمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم، (2/ 692)، رقم: (995).

مواد ذات صلة